هل المغرب قابل للانفجار في أية لحظة؟

 قضى الراحل الحسن الثاني فترة طويلة من حكمه في صراع مع المعارضة، سواء تلك التي تعمل من داخل النظام، أو تلك التي كانت تعمل في السر كحركة إلى الأمام الماركسية. وقد سُمّيت هذه الفترة ب”سنوات الرصاص” نظرا للقمع المُمنهج الذي كانت تمارسه الأجهزة الأمنية ضد المعارضين السياسيين، وضد كل من سوّلت له نفسه الخروج إلى الشارع احتجاجا على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المزرية.

وبالرغم من القبضة الحديدية التي باشر بها الحكم، فقد حرص الحسن الثاني، على تغليف استبداده بحلة من القانون. فأصدر دساتير -كلما دعت الحاجة إلى ذلك-  مفصلة على المقاس بصلاحيات واسعة للجالس على العرش، كما حرص على اللعبة السياسية بإجراء انتخابات برلمانية وجماعية لكنها مفرغة من معناها.

في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، توصّل الحسن الثاني بتقرير من البنك الدولي، يحذّره من الأخطار التي تهدد المغرب جرّاء الفشل الاقتصادي والاجتماعي الذريع للحلول والسياسيات العمومية المطبقة من طرف حكوماته المتعاقبة. فالتجأ للبرلمان -الذي وصفه ذات يوم بالسيرك- ليعلن أمام ممثلي الأمة، أن المغرب على شفا سكتة قلبية، ونادي إلى إيجاد حل مستعجل، والقيام بإصلاحات عميقة، لمواجهة الأزمة الاجتماعية والاقتصادية والمالية التي تعيشها البلاد. ولم يجد بدّا من توجيه الدعوة إلى المعارضة -التي كانت منتظمة في إطار الكتلة الديمقراطية- يدعوها إلى المساهمة في إنقاذ المغرب من الانهيار. وبالفعل تمّ تدشين مرحلة جديدة في التاريخ السياسي للمملكة المغربية أنهت مسار الصراع الطويل بين القصروبعض أحزاب المعارضة. وهكذا استطاع الحسن الثاني بحنكته ودهائه السياسي أن ينقذ عرشه من السقوط، ممهدا الطريق أمام خلفه، ليتقلد زمام الأمر بشكل سلس.

في بداية حكمه، حرص محمد السادس أن يظهر بمظهر يخالف والده، وأعلن في خطابه الأول عن مفهوم جديد للسلطة، يتّسم بالتواصل مع غالبية الشعب، وفق مقاربات مبتكرة، من أجل التصدّي للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية، استجابة لتطلعات المغاربة. لكن وعلى الرغم من الإمكانات المالية التي رُصدت لبلوغ تلك الأهداف، إلا أن الجزء الأكبر منها لم يتمّ ترجمته على أرض الواقع. لسبب بسيط وهو أن العطب الذي عانى منه المغرب ولا يزال، هو عطب سياسي. فالملك يحتكر جل السلطات ويتحكم في مختلف مكونات النظام، وهو أمير المؤمنين وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو الرئيس الفعلي للحكومة من خلال ترؤسه لمجلس الوزراء الذي يحسم في أهم القرارات السياسية في البلاد، ومع هذا كله، فهو لا يخضع لأية محاسبة سياسية.

إن محمد السادس لم يكن مختلفا عن والده في الحكم، فسرعان ما أغلق القوس الذي فتحه والده، وعاد إلى ممارسة حكم لا شراكة فيه، وأنهى تجربة التناوب التوافقي، بتعيين إدريس جطو وزيرا أول من خارج الأحزاب السياسية وهو القرار الذي لقي انتقاد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي وصفه بأنه خروج على المنهجية الديمقراطية.

والحقيقة أنه لا بد من الاعتراف بأن كل السياسات التي قامت بها الحكومات السابقة – سواء في عهد الحسن الثاني أو في العهد الحالي، قد فشلت في إيجاد حلول مبتكرة لمشكلات المغرب. ولا بد من الاعتراف أيضا أن الحكومة الحالية، غير معنية بمحاربة الفساد والرشوة، رغم خطورة ذلك على أية برامج أو سياسات عمومية موجهة للتنمية، ولا تبدي تحمّلها لأية مسؤولية تجاه الأوضاع الاجتماعية المتردية، في تجاهل تامّ للوضع القائم، وكأنها تدعو المواطنين إلى التدجين وعدم الخروج من الحظيرة.

وعلى الضفة الأخرى نرى شعبا غاضبا، يخرج في جل المدن المغربية للاحتجاج، معربا عن رفضه الشديد لسياسات الحكومة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الداخلية والخارجية، نرى شعبا يقف في وجه القوى الأمنية التي تجاوزت صلاحياتها. ويصيح بأعلى صوته أنه سئم من تحمل العبء، ودفع فاتورة فشل الحكومات.

ألا يكون كل هذا التراكم سببا في إشعال عود الثقاب لانفجار شعبي قد يأتي على الأخضر واليابس لا سمح الله؟ أتمنى أن يتدارك من يهمهم الأمر الوضع، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان.

فلاش: في الأسابيع الماضية خرج المغاربة إلى الشوارع في عدة مدن، يحتجون على فرض جواز التلقيح، وعلى ارتفاع الأسعار، وقد لوحظ بشكل مُلفت للانتباه، مشهد النساء المغربيات، حيث بدا حضورهنّ طاغيا في الصور ومقاطع الفيديو التي انتشرت في وسائل التواصل الاجتماعي يتقدمن الصفوف الأولى دون خوف أو تراجع إلى الخلف، وهو ما يشكل إضافة نوعية ويعطي زخما غير مسبوق. إن هذا المشهد الجديد يمثل نقطة تحول في تاريخ حراك الشعب المغربي، ومؤشرا قويا على أن زمن المرأة الخائفة غير القادرة على الخروج إلى الشوارع للاحتجاج، قد ولّى. وهو ما يؤكد أن جيلا جديدا يصنع في الأفق ستكون له الكلمة لإسقاط الفساد والاستبداد اللذين جثما على صدر المغرب لسنين طويلة.

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال