خلدون الشمعة: النقد العربي يشبه أسطورة الملك ميداس

 المفكر والناقد السوري خلدون الشمعة يرى أن الإشاعة أهم من كل شيء في عالمنا المسوّر.

ليس خافيا أن النقد العربي يعيش أزمة في درس النصوص ما خلف بدوره أزمة في هذه النصوص نفسها التي لم يعد يواكبها النقد، وإن واكبها فإنه يسقط عليها تصورات جاهزة تثقلها وقد تفسدها، هذا الواقع سمح بانتشار الإشاعة أكثر من الآراء النقدية الرصينة، ما أدى إلى صعود أدباء بلا موهبة إلى الواجهة ونزول آخرين موهوبين إلى الهامش، فقط بمجرد إشاعة.

يحفل كتاب المفكر والناقد السوري خلدون الشمعة “كعب آخيل.. النقد الثقافي والنقض المعرفي” بمقاربات تحمل رؤى وأفكارا حول علاقة الشرق والغرب وما أنتجته من صور ومواقف ثقافية ومعرفية كانت لها انعكاساتها وتأثيراتها الجلية التي امتدت للثقافة والفكر والإبداع العربي حتى يومنا هذا.

وقدم الناقد في فصول الكتاب مقاربات حول العولمة والشعوبية والأصولية والاستشراق والاستبداد والنقد وفصل مكرس لدراسة انعكاسات نظرية التطريس التي يكتنهها خطاب جرار جينيت الخاص بالمحو وغيرها، مفككا لتاريخ وكتابات ومحللا أعمالا على الجانبين الشرقي والغربي، ليطرح الكثير من الإشكاليات والأزمات العميقة التي نشهدها اليوم داخل الثقافة العربية إعلاما وفكرا ونقدا وإبداعا.

أزمة النقد العربي

الكتاب يطرح الكثير من الإشكاليات والأزمات العميقة التي نشهدها اليوم داخل الثقافة العربية إعلاما وفكرا ونقدا وإبداعا

في مقدمته للكتاب، الصادر عن دار خطوط وظلال الأردنية يؤكد الشمعة أن الشك والتساؤل بؤرة كتابه، ويقول إنهما “يموضعان العلاقة الإبستمولوجية المعنية بأصل الكلمة وتاريخها، العلاقة بين كلّ من النقد الأدبي والتنقيد، وبين مفهوم الأزمة ‘Crisis‘. هذه العلاقة ماثلة في اللغة اليونانية، ويمكن القول إنها ماثلة بشكل أو بآخر في العربية كعلاقة مفهومية”.

ويضيف أن “العلاقة اللغوية تحيلنا في هذا السياق إلى أخرى مفهومية. وتخبرنا سيلا بن حبيب أن Krisis اليونانية لا تعيّن الانشقاق وتشكّل المنزع الخلافي فحسب، بل تشير فضلا عن ذلك إلى حكم نقدي مبرم، اللغوي هنا يتقاطب مع صنوه المفهومي العربي”.

وهنا نتوقف عند الفصل الذي حمل عنوان “هكذا تكلم ميداس”، وهو نص أشار إلى أنه كتب منذ أربعة عقود، ولم ينشره في كتاب ويكرس لمقاربة غير مألوفة في النقد العربي عموما، وعنى بذلك التركيز على تقنيتين في السرد القصصي والشعري ويقصد بهما خصيصتي البطء والسرعة. هاتان الخصيصتان “تبرهنان، في هذا النقد الثقافي الكاشف لتقنية مضادة لأف ليلة وليلة، على تلازم الهامش العربي والمركز الغربي تلازما حدسيا لا يستند بالضرورة إلى البرهان النقدي المقارن. لا وجود هنا لإرسال واستقبال أو تأثر وتأثير. ثمة اعتراف في النص بالعلاقة بين الأجيال، واعتراف متحقق بنقد عابر للأنظمة المعرفية، نقد ثقافي يحيل إلى نقض معرفي”.

يشبه الشمعة أسطورة النقد العربي المعاصر بأسطورة الملك ميداس، يقول “كان ميداس ملكا. وتقول الأسطورة إن جشعه قد جعله يتمنى أن ينقلب كل شيء إلى ذهب. وهكذا لم يعد الملك يستطيع أن يقضم تفاحة أو يتجرع كأسا من الماء. وأما الناقد العربي المعاصر فهو في إصراره المسبق على التمذهب يريد أن يكون الأدب كله مصنوعا من ذهبه الذي لا يعترف بوجود ذهب غير زائف سواه، إنما يجعل بدوره القصة تفاحة لا تقضم، والقصيدة جرعة ماء غير قابلة لأن تتجرع”.

ويضيف “كثيرا ما ترددت في النقد الأدبي المعاصر فكرة مفادها أن الثورة على الأشكال الأدبية التقليدية إنما هي في حقيقتها استجابة لحركة التاريخ. وهذا يعني أن ثمة تلازما بين درجة تسارع التطور في المجتمع ودرجة تسارع تطور التقنية في العمل الفني. غير أن هذه الصورة النقدية ذات الأرضية العالية، تفقد الكثير من صدقها عندما نحاول قياس مدى انطباقها على الواقع المحلي”.

 لقد أصبح، في رأي الشمعة، من المألوف جدا أن يقرأ المرء نصيحة ناقد لكاتب شاب، تركز على أهمية تمثل التراث الأدبي العالمي والاستفادة من إنجازاته المعاصرة. وهكذا فإن الكاتب العربي يجد نفسه مجابها بعالمين غير مؤكدين: أولا الصدق الفني والأصالة. ثانيا المعاصرة. وبالطبع ليس ثمة من تناقض جوهري بين هذين العالمين. إلا أن النقد العربي لا بد أن يصطدم ـ في محاولته البحث عن أدوات نقدية تتصل بواقعنا قدر ما تستفيد من حركة النقد العالمي ـ بأزمة بلورة نظرية عربية المنزع للنقد الأدبي.

وقد اتضحت له ملامح هذه الأزمة أكثر من أي وقت مضى لدى مطالعته لكاتبين شابين من مصر هما: جمال الغيطاني ويوسف القعيد. إن هذين القاصين يحاولان خلق تقنية تستمد أصولها من الحياة العربية والتاريخ العربي، والتقليل من الاعتماد على التقنية القصصية في الأدب العالمي قدر الإمكان. ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح من خلال دراسة موقفها من مفهوم البطء والسرعة.

لقد أصبح من البديهيات النقدية الاحتفاء بالتقنيات التي يتم بواسطتها الانتقال من مشهد إلى آخر بسرعة. بل إن الأمر قد وصل إلى حدّ تصوير السأم نفسه بتقنية تولي اهتمامها الكلي للتشويق. وهكذا يقرأ المرء قصة تناول السأم مثلا بشغف وتوق لمتابعة القصة حتى النهاية دون أن ينتابه السأم. ولكن ماذا يعني هذا كله؟ إنه يعني أن التقنية قد وظفت في خدمة التشويق وليس في خدمة جوهر القصة. وبعبارة أخرى فإن المرء يستمتع بقراءة القصة. وقد يقتنع ويتأثر بجوهرها عقليا. إلا أنه لا يعايش سأم الشخصيات وإنما يقرأ عنه.

ويوضح الشمعة “يبدو أن ولعنا بالشمول قد ساقنا دفعة واحدة في طريق البحث عن المطلق في كل شيء. إن الجزئي محتقر وكأن الكلي ليس جامع أجزاء. وها أنت تقف دون حراك أمام قصة أو قصيدة، باحثا عن قناة تبث عبرها برقيتك النقدية دون أن تضع اليد على الجسد الذي يستلقي على سرير التشريح في غرفة العمليات، ودون أن يرضى الجسد بأن يخدش خدشا واحدا. بل إن عليك أن تعطي حكما مبرما بأن كل شيء على ما يرام قبل أن تلقي على الجسد نظرة واحدة”.

 ويضيف “ثم إن الحكم المبرم في نهاية الأمر، لا يحتاج إلى تسويغ نقدي من أي نوع، ولا يتعين الوصول إليه عن طريق البرهان النقدي أو الرياضي. فالإشاعة أهم من كل شيء في عالمنا المسوّر من كل الجهات. يكفي أن يقال ما يقال حتى يصبح حقيقة ناجزة. ويكفي أن يلقي ناقد أو قارئ ما يزال في حدود التذوق الأولي، بحكم من الأحكام، تعاود بثه إذاعة الكاتب المعين من جديد على أكثر من قناة وعبر أكثر من مقهى، حتى تصبح الإشاعة حقيقة والحقيقة إشاعة، ويغدو الكتاب المجيدون في أسفل السلم البياني والكتاب الذين لا نتاج لهم قابضين على دفة الحكم النقدي يعلنون ويلعنون ويقرظون ويقرطون من وضع القرط أي التقدير”.

الأجيال الأدبية

يرى الشمعة أنه ليس ثمة من أجيال أدبية في حياتنا الثقافية المحلية. وليس ثمة من خط بياني لعملية تطور الفنون الأدبية المحلية من خلال العلاقة بين الأجيال. والعثور على ناظم موضوعي يكشف عن أبعاد العلاقة بين جيل أدبي وجيل آخر، أمر شبه مستحيل ضمن شبكة العلاقات التي تسيطر على الوضع الأدبي المحلي.

ويضيف “عندما كان العرب يتحدثون عن الأدب والتأدب، فإنهم كانوا يؤكدون على الارتباط الوثيق بين التأدب والتعلم، بين الإكساب والاكتساب، بين التلقين والاستجابة. ومن هذا المنطلق تحمل كلمة أدب تراثا يلمح إلى تاريخ وطيد من علاقات التواصل والتجاذب والتمرد والانشقاق بين الأجيال الأدبية. غير أن هذا كان يتم ضمن إطار من الحضارة متجانسة العناصر”.

 ويقدم من الأمثلة البارزة على ذلك دور الشاعر البصري والبة بن الحباب الذي عاش في القرن الثالث الهجري، في صنع مستقبل أبي نواس الشعري. فقد اكتشف بن الحباب موهبة أبي نواس حينما كان الأخير صبي عطار يطمح والده أن يفتح له دكانا للعطارة في يوم من الأيام. وسرعان ما تعهده بالرعاية ولقنه خمسين ألف قصيدة خلال ثلاثة أعوام، ثم أرسله إلى البادية كي تستقيم لغته وينسى كل ما حفظه من القصائد، أليس هذا النسيان ضربا من المحو؟

ويتابع “هذه الصورة الرائعة ينبغي أن تفهم ضمن المزاج الفني والنفسي لدى العرب، هذا المزاج الذي كان يمتح من فردية جامحة. إن هذه الفردية الجامحة لم تمنع من نشوء تقليد أدبي فذ من العلاقة بين الأجيال. وأكثر من ذلك فإن هذه العلاقة لم تمنع حدوث انشقاقات أدبية وحوادث عصيان أدت إلى ظهور نزعات من التجديد والابتكار. والأمثلة في تاريخ الشعر العربي الكلاسيكي كثيرة جدا”.

ليس ثمة أجيال أدبية في حياتنا الثقافية المحلية وما من خط بياني لتطور الفنون الأدبية من خلال العلاقة بين الأجيال

ويقول “المهم هنا التأكيد على أهمية التفاعل بين الماضي والحاضر، هذا التفاعل الخصب الذي كان تتويجا لعلاقة جدلية بين قطبين متعارضين يخرج منهما في نهاية الأمر الطباق أو التركيب الذي يفسح المجال بدوره لعلاقة جدلية أخرى. والواقع أن الخلفية الحضارية لهذا التاريخ الأدبي الحافل، يمكن العثور عليها من خلال دراسة القيم في التاريخ الأدبي لدى العرب. إن إحدى هذه القيم هي التي دعت الشاعر العربي العظيم أن يردد كلما ذُكر أبو تمام ‘هو السابق والمتقدم.. ووالله ما أكلنا الخبز إلا بفضله’ ولم يكن البحتري يردد هذه العبارة في وقت كان يحتاج فيه لأبي تمام.. وإنما كان في تلك الأيام الشاعر الآمر الناهي في بلاط الخليفة المتوكل”.

ويؤكد الشمعة أن قيمة الاعتراف المتبادل بين الأجيال، من أعظم القيم الحضارية على الإطلاق. يمكننا أن نعثر على هذه القيمة متجلية بوضوح في هذا القرن، إذا ما تعرضنا للعلاقة الوثيقة بين الشاعر ت. س. إليوت والشاعر عزرا باوند. لقد اكتشف باوند إليوت ونقح قصيدته “الأرض اليباب”. وكان سكوت فيتز جيرالد أستاذا لهمنغواي. أما غرترود شتاين فقد كانت مصدرا للعديد من تيارات الأدب الحديث. والواقع أنه بالإمكان أن نتقرى مثل هذه العلاقة بين الأجيال في الواقع الأدبي في القطر المصري. فكأن ثمة خيطا غير منظور يربط بين التطور الأسلوبي للرواية في مصر، بدءا من محمد حسين هيكل ومرورا بتوفيق الحكيم وعبدالقادر المازني، وانتهاء بنجيب محفوظ.

ويتساءل الشمعة “هل ثمة أزمة نقد حقا؟”، ويقول “يلوح لي أن محاولة رسم صورة للمشهد النقدي في الوطن العربي، لا بد أن تنطلق من ثلاثة محاور رئيسية؛ الأول علاقة تخلف النقد المحلي بتخلف النتاج المحلي. ثانيا أزمة سوء الفهم الشائعة لوظيفة النقد، ثالثا أزمة تبلور منهج نقدي منسجم، يمكن استخدامه في نقد الأعمال الأدبية المحلية دون أن يؤدي ذلك إلى تعسف لا مبرر له في نهاية الأمر”.

ويرى أن العملية النقدية في بلادنا بحاجة إلى تحديد معالم كثيرة تستخرج من خلال التطبيقات الأدبية العربية. فثمة أولا: التمييز بين الدراسة الأدبية والأدب. والكشف عن طبيعة الأدب ودوره، وبلورة نظرية في الأدب يهتدي بها الناقد الأدبي. وهناك ثانيا تناول العمل الأدبي نفسه خارجيا أو داخليا. وبعبارة كما يرى وارن وويليك: تناول العمل الأدبي من خلال المقابلة بين: الأدب وعلم النفس، الأدب والمجتمع، الأدب والأفكار، الأدب والسيرة الذاتية، الأدب والفنون الأخرى.

أما تناول العمل الأدبي من الداخل، فإنه يعني ضرورة: البحث في شكل وجود العمل الأدبي كعمل فني في تقنية العمل الأدبي أي شكله وأسلوبه ـ جوهر العمل الأدبي ـ موقعه من نظرية متبلورة للأجناس الأدبية. تقويمه عن طريق تحديد درجة كماله من خارطة الأدب العالمي. ويستمد هذا الأمر مشروعيته من حقيقة مفادها أن الأعمال الأدبية المحلية ليست نتاج التفاعل مع الواقع العربي فحسب وإنما هي نتيجة تفاعل ثقافي مع الأدبي العالمي في الوقت نفسه.

محمد الحمامصي - كاتب مصري

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال