أُبَجلك أيها الموت ولكنى أمقتك

 أيها الموت جئت اليوم أناجيك كيف لك أن تكون بهذة القسوة من منحك تلك السلطة لتسلب من نتنفس بأنفاسهم وما مشكلتك معنا هل انت حقا تشعر بما تركته من خلفك كأنقاض حرب استمرت ١٠٠ عام   أعلم انك فسيولوجيا تعنى خسارة كيان حي (عضو أو فرد أو نسيج أو خلية) بشكل نهائي للخصائص المميزة للحياة، مما يؤدي إلى تدميره"..

 فنصبح ميتين عندما لا نعود على قيد الحياة.لكن لا تأبه بهذا كله الأمر لا يتوقف لدينا عند إنطفاء أجهزة بشرية فى جسم بشرى نترجى الذاكرة أن لاتنسينا ملامحة وتارة أخرى نرجو أن تُمحى كل تفصليه متعلقة به هروباً من الجرح الغائر عند أسترجاعه لذاكرتنا..هل تعلم أيها الموت إن تاريخى معك يُكتب بحبر من دموع تختلط بالدماء ..دموع الآلام وجراح غائره يعجز فيها الجراحين المهره ..

 أريد أن أذُكرك بما صنعته بمن أحب...ربما تشعر بقليل من الآلام مثلى فَتُقدر مشاعرى هل تتذكر عندما زت منزلنا حينما اصطحبت معك أخوتى الثلاثة الصغار.. هل تتذكر أرجلى الضعيفة حينما كانت ترتطم ببعضها وانا ذاهبة مسرعة لمنزلنا لأرى وجهوه إخوانى لآخر مرة حينما أخبرنى معلمى المفتقر لآداب الإنسانية والشفقة : إرجعى للمنزل أيتها الفتاة  أخيك الصغير قد توفي ...، أنا لن انس لكما كل تلك الطاقة المؤلمة التى منحتوها إياها في ذلك اليوم ..

ولقد تركتنى ايها الموت لفترة ونسيتك تماما وتعاملت معك كاجار لا يهوى الإختلاط بأحد ، لم أكن أعرف أنك تراقبنى من بعيد ، لم أكن أعلم إنك ستعود بعنفوانك بكل جيوشك وعتادك...، وأنا لا أملك سوى قلمى لأشكوك للناس جئت تلك المرة لتخطف جزء من حياتى ..سلبت ريشتى الرقيقة التى تلون لي الدنيا فكنت مسبقاً أعرف أن هذا ازرق وهذا أخضر أما الآن لم أعد  أرى سوى لونك الممقت فهل الأسود لونك..؟ أعتقد إنك اللاشئ ذاته...

فأنت لك قدرة جبارة لسلب لكل شئ معناه لكل شئ صفته  وكيانه ...فهل ستصمت أيها الموت الآن بعدما سرقت عمي الوحيد ووالدي الثاني هل إكتفيت به ؟؟ سازف لك بشرى نحن جُرحنا جرح لا علاج له ولكن عمي لم يمت فأعماله تتبعه ومحبته باقيه فى أنفس ووجدان من كان يغمرهم بحنانه..، أنت ضعيف أمام المؤمنين فأنت لست بشمشون أنت تُسلب أرواحهم ولكن لن تقوى عن سلب ذكراهم مهما جهزت عتادك بأسلحة باليستية لتمحو ذاكرتهم من قلوبنا...

أنا أمقتك حقاً ولكنى أبجلك هل تعلم لماذا ..؟

لأنك يأيها النفق المظلم معبر للسماء والجنة والملكوت اللانهائى لأنك الجسر الوحيد الذى نعبر منه لله..

ربما يمكننى أن اتصالح معك يوما إذا كان العربون ضمانك لي أنه حينما تصتطحبنى ستكون نهاية رحلتى عند الله عدنى يأيها الخنجر الأسود  أن تكون راحتى الأبدية من خلالك....

تعلم انى ابغضك ولكن أحاول أن اتصالح معك بأن أُعد لك أمرى بالأعمال الصالحة التى تعينك على أخذى أريد أن أُبرم معك إتفاق آيها النفق المظلم لا تزورني حتى أُكمل بيتى على الأرض اليابسة، وابنيه من أساس حب الناس وأُزينه من أعمالى الحسنة التى أقابل بها إلهي وأنا كجندي غالب فى حرباً شرسة ..

أحسنوا لمن تحبون ، فإن الشوق بعد الموت لا يُطاق. - محمود درويش


0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال