آراء مغاربية - ليبيا | رئاسيات ليبيا والمادة 12 وصراع الإرادات

 هل سيستسلم الدبيبة وفريقه؟ لا أحد يستطيع التنبؤ بما سيحدث خلال الساعات والأيام القادمة ولكن الثابت أن هناك صراعا للإرادات وأن الانتخابات قد تكون منطلقا لأزمة جديدة أصعب مما سبق.

سيكون على متابعي الشأن الليبي أن ينتبهوا جيدا لتطورات الأحداث خلال الأيام القادمة، وأن ينتظروا مفاجآت قد تعلن عن نفسها في أي لحظة، ولاسيما في ما يتصل بالانتخابات الرئاسية التي شرّعت أبواب الترشح لها الاثنين الماضي، على أن تنتظم جولتها الأولى في الرابع والعشرين من ديسمبر القادم.

فرض مجلس النواب خياره بتقديم الرئاسيات على التشريعيات، ونحن هنا أمام فرضيتين: الأولى، أن يحقق أحد المرشحين للسباق الرئاسي أغلبية مطلقة أي بـ50 في المئة من الأصوات زائد 1، منذ الشوط الأول، وبالتالي يعلن رئيسا للبلاد، على أن يتم تحديد موعد للانتخابات التشريعية.

والثانية، ألا يفرز الشوط الأول أي فائز بالأغلبية المطلقة، وهو ما يفرض الاتجاه إلى شوط ثان، ترجّح مفوضية الانتخابات أن يكون متزامنا مع انتخابات تشريعية بعد حوالي 52 يوما من الشوط الأول، وقد يكون الهدف تحديد ذكرى السابع عشر من فبراير لتكون موعدا للحدث، في حال حدوثه.

 رغم التستر على النتائج حتى لا يتم خلط الأوراق قبل الوصول إلى موعد الانتخابات، إلا أن المجتمع الدولي قرر بشكل غير معلن تعليق أعمال وصلاحيات ملتقى الحوار قبل الانتهاء من مهمته

مبدئيا، يمكن تقدير نتائج الدور الأول بعد عرض اللائحة النهائية للمترشحين للرئاسيات، فالشخصيات المحورية القادرة على المنافسة الحقيقية على المنصب ليست كثيرة، وهي محور جدل وصراع وتحذيرات وتهديدات، وقد تكون أهليتها للترشح محلّ طعون قضائية، وربما محلّ تدخلات خارجية مباشرة.

علينا أن ندرك أن ليبيا لا تزال تعاني من حالة انقسام أفقيا وعموديا؛ انقسام في المجتمع وانقسام في السلطة وانقسام في المؤسسة العسكرية، وغياب لأي إرادة حقيقية لتحقيق المصالحة الوطنية وتوحيد المؤسسة العسكرية، حتى أن أبرز المترشحين المرتقبين لن يكون بمقدورهم التنقل في مختلف أرجاء البلاد للتعريف ببرامجهم، لا حفتر سيدخل طرابلس أو مصراتة أو الزاوية، ولا باشاغا سينتقل إلى بنغازي أو درنة أو حتى سرت، ولا سيف الإسلام القذافي سيستطيع التجول حتى في شوارع الزنتان ذاتها.

رئاسيات ليبيا، بهذا الشكل، حالة فريدة من نوعها، فالمترشح الذي من المفترض أن يكون جامعا لليبيين، يجد نفسه محلّ خلافات حادة من مواطنيه، حتى أنه غير قادر على دخول مدن أو قرى سيكون بحكم الدستور والقانون المسؤول الأول عنها.

وفي هذا السياق ماذا لو فاز المشير خليفة حفتر بمنصب رئيس ليبيا منذ الشوط الأول للانتخابات؟ هل سيوافق الإخوان وحلفاؤهم وأمراء الحرب وقادة وعناصر الميليشيات على ذلك، وهل سيسمحون له بدخول طرابلس لتسلم مقاليد السلطة؟ إلى حد الآن كل المؤشرات تؤكد أن البلاد قد تدخل من جديد دوامة العنف والفوضى، الميليشيات لا تزال تحافظ على أسلحتها، والمرتزقة الأجانب لا يزالون في معسكراتهم، وأبواق الكراهية لم تغيّر نبرتها في يوم من الأيام.

في هذه الحالة، ربما سيكون الحل الذي سيضطر حفتر إلى اعتماده هو ممارسة مهمته من بنغازي أو من سرت، واعتبار إحدى المدينتين عاصمة بديلة ولو لفترة مؤقتة، بينما ستعلن منطقة الغرب استقلالها عن سلطته. وقد تتجه ليبيا للتقسيم الفعلي، وهو ما سبق أن هدّد به عدد من قيادات مصراتة وزعامات الإخوان وأمراء الحرب.

وماذا لو فاز ممثل عن النظام السابق؟ علينا أن نتأكد أولا من أنه ليس سيف الإسلام القذافي الذي لم يحصل على الضوء الأخضر من الفاعلين الدوليين للترشح، والذي لا يستطيع التحرك خارج مربّع الضمانات التي حظي بها من أعيان الزنتان بغطاء توافقات أطراف خارجية مؤثرة، أما إذا كان المترشح شخصا آخر محسوبا على فريق الاعتدال، فإن عليه أن يجلس أولا إلى طاولة المفاوضات والمساومات، وأن يجد أرضية مشتركة مع بقية الفرقاء لتقاسم المصالح قبل التعهد بتقاسم مسؤوليات خدمة البلاد.

ما يوصف بتيار 17 فبراير، أو التيار الثوري المرتبط بمدن معينة، تأتي في صدارتها مصراتة والزاوية، والذي يمتلك السلاح ومفاتيح الثروة والاعتمادات في غرب البلاد، ورغم أنه ضعيف من حيث الحضور على مستوى الجغرافيا الليبية، حيث يكاد يكون تأثيره منحصرا في مدن الساحل الشمالي الغربي ومناطق الأمازيغ في الجبل الغربي، إلا أنه يصرّ على فرض إرادته وتنفيذ قراراته، وهو يعلن على مسمع من البعثة الأممية والمجتمع الدولي أنه لن يقبل بوصول حفتر أو أحد رموز النظام السابق للحكم عن طريق الاقتراع، ولو كلفه ذلك الدخول في حرب جديدة، والحرب طبعا ليست مستبعدة، ولاسيما أن القوات التركية لا تزال موجودة وجماعات المرتزقة منتشرة في الكثير من المعسكرات، وهناك قاعدة جوية في “الوطية” وقاعدة بحرية في الخميس، وغرف عمليات في طرابلس ومصراتة، وصمت عالمي ليس له ما يبرره إلا القبول بسياسة الأمر الواقع المفروضة على طرابلس منذ العام 2011.

هناك أسماء كثيرة تنوي الترشح لرئاسيات ليبيا. أبرزها هو رئيس الحكومة المهندس عبدالحميد الدبيبة الذي جعل من فترة الحكم التي دشنها في منتصف مارس الماضي مجالا فسيحا لحملة دعائية انتخابية دخلها كممثل عن طبقة أثرياء اعتمادات النظام السابق، واعتمادات السنوات العشر الماضية، وكمتصدر لمراكز نفوذ الحيتان الكبيرة والقطط السمان، وكحليف موثوق به للأتراك، وكمتودد للأوروبيين والأميركيين، وكلاعب أساسي بورقة دبلوماسية الصفقات والوعود.

استطاع الدبيبة الوصول إلى المنصب بالاعتماد على خطة تكلفت الملايين من الدولارات سواء في تونس أو جنيف. أثبتت التحقيقات الأممية صحة الاتهامات التي تم توجيهها لملتقى الحوار السياسي، ورغم التستر على النتائج حتى لا يتم خلط الأوراق قبل الوصول إلى موعد الانتخابات، إلا أن المجتمع الدولي قرر بشكل غير معلن تعليق أعمال وصلاحيات ملتقى الحوار قبل الانتهاء من مهمته بعد أن تحول إلى سوق لبيع وشراء الأصوات وعقد الصفقات ومنها صفقة الامتناع عن إيجاد قاعدة توافقية للانتخابات. لقد كان الدبيبة يهدف بذلك إلى تأجيل الاستحقاق بما يعني التمديد له ولحكومته ليعد العدة للسيطرة على المرحلة القادمة بالشكل الذي يبتغيه، لكن القوى الخارجية أشارت إلى مجلس النواب بالتحرك لإصدار قانونين للانتخابات الرئاسية والبرلمانية ودون أن يلتفت إلى انتقادات مجلس الدولة والإخوان وحلفائهم. وعندما حاول الدبيبة أن يتجاوز حدوده، تم حجب الثقة عن حكومته.

 علينا أن ندرك أن ليبيا لا تزال تعاني من حالة انقسام أفقيا وعموديا؛ انقسام في المجتمع وانقسام في السلطة وانقسام في المؤسسة العسكرية، وغياب لأي إرادة حقيقية لتحقيق المصالحة الوطنية

باءت كل محاولات تأجيل الانتخابات بالفشل، وسقطت رهانات الدبيبة دون أن تجد من يلتقطها، لقد كانت المادة 12 فخا وقع فيه، وهي التي وضعها مجلس النواب على مقاس المشير حفتر، وفحواها أن على من يريد الترشح لمنصب رئيس الدولة ممن يتولون مسؤوليات في الدولة، أن يتخلى عن منصبه قبل ثلاثة أشهر، وهو ما قام به حفتر عندما سلم قيادة الجيش مؤقتا لرئيس الأركان عبدالرازق الناظوري، ولكن الدبيبة استهزأ منه أولا، على أساس أن الانتخابات لن تجري في موعدها، ولكن عندما أصر المجتمع الدولي على تنظيمها في الموعد المحدد، سعى لإقناع مجلس النواب عبر مقترح من مفوضية الانتخابات مدعوم من الأمم المتحدة وألمانيا وإيطاليا، بأن يتم تعديل المادة، ولجعلها تنص على التخلي عن المنصب فقط قبل يوم الاقتراع، وهو ما تم رفضه رسميا، فاتجه إلى استعمال الوسائل المتاحة في إقناع عدد من النواب بقيادة نائب رئيس المجلس فوزي النويري لتوجيه رسالة إلى المفوضية تدعوها إلى تعديل المادة نحو ما يرغب فيه رئيس الحكومة وفريقه، لكن ذلك غير ممكن طالما أن الطلب جاء من خارج قبّة البرلمان والجلسة العامة، كما أن المنطق العلمي والعملي لا يقبل بإدخال تعديلات على القانون الانتخابي أثناء فترة تقديم الترشحات.

لكن هل سيستسلم الدبيبة وفريقه؟ لا أحد يستطيع التنبؤ بما سيحدث خلال الساعات والأيام القادمة، ولكن الثابت أن هناك صراعا للإرادات، ومواجهة مفتوحة بين الفرقاء، وأن الانتخابات الرئاسية قد تكون منطلقا لأزمة جديدة أصعب مما سبق، ولاسيما أن الأطراف الفاعلة على الأرض لا تعترف ببعضها البعض، وكل منها يرى أن بقاءه لا يتحقق إلا بإلغاء الطرف المقابل.

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال