آراء مغاربية - تونس | اتحاد الشغل ساق في المعارضة وأخرى مع الرئيس

 هناك توجه لإعادة الاتحاد إلى مدار تحركه التقليدي بعيدا عن سردية العظمة والتعامل معه كشريك من حقه أن يتفاوض حول الملفات التي تخصه وليس مع طرف سياسي يريد أن يحدد شكل المرحلة القادمة.

بعد إجراءات الخامس والعشرين من يوليو التي جمد بمقتضاها الرئيس قيس سعيد البرلمان ورفع الحصانة عن النواب وحل حكومة هشام المشيشي اكتفى الاتحاد العام التونسي للشغل بالصمت ومراقبة اتجاه الريح، فلا هو مع المنظومة السابقة التي استفاد من ضعفها وقلة حيلتها وفسادها، ولا هو مع سلطة جديدة لا يعرف كيف يحصل منها على امتيازه القديم “الاتحاد أكبر قوة في البلاد”.

بمرور الوقت، وحين غاب الاهتمام الرسمي بالاتحاد وبكل الفاعلين في المنظومة القديمة، والذين يريد البعض منهم أن يلحق بالركب الجديد، أوحت تصريحات لقياديين في المنظمة النقابية بأن الاتحاد لديه خارطة طريق للخروج من الأزمة السياسية، وأن له برنامجا واضحا يحتاج فقط إلى “حوار وطني” يكون فيه هو المركز كما حصل في 2013، لكن ذلك لم يغير شيئا في اهتمام الرئيس سعيّد الذي رد بالقول ”من يتحدث عن الخرائط فليذهب لكتب الجغرافيا وينظر في البحار والقارات”.

وضغط نشطاء على مواقع التواصل من خلال حملة تطالب بهدنة اجتماعية لثلاث أو خمس سنوات من أجل مساعدة تونس على الخروج من الوضع الاقتصادي والاجتماعي الصعب الذي تركته المنظومة السابقة. ولأن الرسالة كانت موجهة بالأساس إلى الاتحاد، فإن قياديا مثل سمير الشفي الذي يمثل التيار الغالب في الاتحاد قال في ما نقلت عنه مواقع محلية ما معناه “لم تلده أمه من يسعى لفرض هدنة اجتماعية على الاتحاد”، وهي رسالة مباشرة للرئيس سعيد بأن المنظمة ستستمر على نهجها القديم في المطلبية تحت الضغط بقطع النظر عن الأزمة.

وجاءت التصريحات الأخيرة للأمين العام نورالدين الطبوبي لتظهر أن الاتحاد منزعج من الإهمال الذي تظهره مؤسسة الجمهورية تجاه المنظمة التي كانت تأمر وتنهى في الحكومات السابقة، تقترح وزراء وترفع فيتو في وجه آخرين، وتحصل على كوتا ثابتة من الحقائب والوظائف العليا.

وقال الطبوبي، خلال حضوره مؤتمرا لمناقشة “اتفاق التبادل الحر في قارة أفريقيا”، للصحافيين “نريد نظاما سياسيا لا يقوم على اليد المطلقة، لا عودة إلى الحكم الفردي”، وهي سردية تقترب كثيرا من سردية النهضة التي ترى في ما جرى يوم الخامس والعشرين من يوليو انقلابا يؤسس للحكم المطلق.

وفي التصريحات نفسها ترك الطبوبي الباب مواربا أمام التقارب مع الرئيس سعيّد حين قال”لا توجد قطيعة مع الرئاسة ولكن هناك اختلافا في وجهات النظر”.

لكن قيس سعيد الذي بدا أن لديه الوقت الكافي لسماع ماذا يخبئ الأصدقاء والخصوم على حد سواء لم يلتفت إلى تصريحات الطبوبي ولم يعلق عليها وفتح الباب لتصويب العلاقة بين المنظمة والحكومة على قاعدة التعامل مع شريك اجتماعي من حقه أن يتفاوض حول الملفات التي تخصه وليس مع طرف سياسي يريد أن يحدد شكل المرحلة القادمة ويكون محورها كما كان في السابق.

ومن الواضح أن هناك توجها لإعادة الاتحاد إلى مدار تحركه التقليدي بعيدا عن سردية العظمة، وهذا ما يفسر ترتيب لقاء بين الطبوبي ورئيسة الوزراء نجلاء بودن، وهو لقاء لم يتحدث عنه أحد سوى الموقع الإلكتروني لجريدة “الشعب” التابعة للاتحاد والناطقة بلسانه.

ونقلت الصحيفة عن الطبوبي القول إن “رئيسة الحكومة تعول على الاتحاد، في إطار التضامن الوطني، من أجل إنقاذ البلاد من الوضع الصعب على المستويين الاجتماعي والاقتصادي”.

وأضاف الطبوبي، وفقا للصحيفة، أنّه “لمس لدى رئيسة الحكومة نجلاء بودن رغبة في البحث عن حلول، وفي السعي للنجاح ومعالجة القضايا، خاصة على مستوى الديناميكية الاقتصادية والاستثمار من أجل التشغيل والتنمية”.

وتقول أوساط سياسية تونسية إن قيس سعيّد لا ينظر إلى من وقفوا إلى جانبه في المواجهة السياسية مع النهضة منذ استلامه رئاسة الجمهورية على أنهم أصدقاء وأن من حقهم أن يحصلوا على مقابل ذلك الموقف حظوة لهم ولأحزابهم أو منظماتهم، وإنه يرتب الوضع حسب رؤية تقوم على ضرب فكرة توظيف الموقف السياسي للاستفادة من الدولة كما يحصل في السابق، وهذا ما يفسره تحذير نقلته مواقع التواصل الاجتماعي من رئاسة الجمهورية لحركة الشعب بالتوقف عن الحديث باسم الرئيس سعيّد، ومحاولة استثمار صورته وإجراءاته للظهور تحت يافطة حزب الرئيس.

والأمر نفسه مع قيادات التيار الديمقراطي بدءا بالأمين العام المستقيل محمد عبو وزوجته وصولا إلى الأمين العام الحالي غازي الشواشي الذين باتوا يطلقون تصريحات قوية ضد قيس سعيد ومسار الخامس والعشرين من يوليو بعد أن كانوا لفترة قريبة داعمين لمسار تأويل الفصل 80 من الدستور، وقدموا مقترحات تفصيلية للرئيس سعيد، لكن ذلك لم يشفع لهم ولم يعطهم دورا في المرحلة الجديدة.

وبالنتيجة، فإن الرئيس سعيّد بدأ يغادر مربع الردود على من يستفزونه سياسيا، خاصة أن مشروعه قد تجاوز مرحلة ردود الفعل والحاجة إلى الإيحاء أو الإشارة إلى هذا التصريح أو ذاك لوضع الشارع الداعم له في صورة ما يتم ترتيبه للتآمر على الانتقال السياسي الجديد.

في الأيام الأخيرة بدا أن قيس سعيد لم يعد يهتم لمن يفتعل التشويش أو لفت النظر بحركات مسرحية سياسية، وهي مرحلة ضرورية لأن الناس استمعوا بما يكفي للرئيس ونقده لخصومه وفضحه لتفاصيل قضايا الفساد وذكر أغربها. والآن يحتاجون لأن تتقدم البلاد أكثر في حلحلة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، والمناخ بات ملائما سياسيا وشعبيا وإقليميا.

وتقول الأوساط السياسية السابقة إن اتحاد الشغل لا يريد أن يتصدر قائمة المعارضين لقيس سعيد بعد أن تراجعت النهضة وحزامها المعارض، وإن تصريحاته هادفة إلى لفت نظر السلطة الجديدة التي وضعت أطراف المرحلة السابقة في خندق واحد وتنظر إليهم كمنظومة فساد وفشل وقوى شد إلى الوراء حتى وإن لم تقل ذلك بشكل علني.

وقد لا يكون الاتحاد قد اختار هذا الظرف بالذات لإطلاق تصريحات صدامية من بعض قيادييه تجاه الرئيس سعيد كخيار لتوظيف ما يقال إنها ضغوط خارجية واشتراطات من أجل الاستمرار في تقديم المساعدات لتونس، ومن بين هذه الاشتراطات القيام بحوار وطني يضم من بين من يضم اتحاد الشغل.

ربما قرأ الاتحاد الوضع السياسي الحالي على أنه موات للضغط من أجل استعادة دوره السابق، لكن النتيجة أن قيس سعيد يستمر في التعاطي مع الجميع على أساس دورهم في الأزمة الماضية بقطع النظر عن التصريحات سلبا أو إيجابا، وأن تصريحات الطبوبي والشفي قد تباعد بين المنظمة ورئاسة الجمهورية أكثر فأكثر وتجعل الاتحاد في مركب واحد مع حركة النهضة بالرغم من أنه يتبرأ منها في تصريحات ويتهمها بأنها سبب الأزمة خلال السنوات العشر الأخيرة.

في المقابل تسعى النهضة لاستثمار مواقف الاتحاد لتقول للدوائر الخارجية التي تراهن على ضغوطها إنها ليست وحدها في مواجهة الوضع الجديد وإن معها “الاتحاد أقوى قوة في البلاد”.

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال