دور الاعلام بتضليل الرأي العام الفلسطيني

 بعد نشر تقرير ديوان الرقابة المالية والادارية الفلسطينية، والذي انتشرت تقاريره المتعلقة بالتجاوزات الإدارية والفساد المدوي بأجهزة السلطة الرسمية، حيث تناول اكثر من ١١٠ تقرير في قطاعات ومؤسسات مختلفة، جاء تصريح وزيرة خارجية السويد بعد زيارتها للرئيس الفلسطيني ورئيس الوزراء مدويا ومؤرقا وكارثيا على السلطة التي لم يعد حتى المدافعين الشرسين عن الفلسطينيين يستطيعون السكوت ومجاملة النظام الفلسطيني، عندما صرحت ان “الفساد الذي يعم فلسطين يقف عائقا امام الدعم الأوروبي”.

كان المشهد مرة أخرى مشهدا سرياليا كارثي الطابع، فمن جهة تعلن السلطة ممثلة برئيسها ورئيس وزرائها وتوثق بالصور اللحظة التاريخية لزيارة الوزيرة، ومن جهة أخرى يعلن الاعلام السويدي مقابلة الوزيرة التي لم تبد زيارتها بتلك الحفاوة التي هلل بها الجانب الفلسطيني.

طبعا، لو كنت مكان الرئاسة والحكومة لملأت الاعلام والصفحات عن هذه الزيارة الرفيعة، فمؤخرا صارت الزيارات ان حصلت، تتمثل بمساعد نائب لوزير خارجية ينتظرها أصحاب السلطة بفارغ الصبر. كما حصل قبل أسبوع كذلك بتدفق برقيات رؤساء الدول وملوكها للرئيس الفلسطيني التي لم تتعد في حقيقتها الا اجراء دبلوماسي متبع في تقليد تعيين السفراء والممثلين لدى الدول.

المهم، خرج الاعلام الفلسطيني الرسمي ممثلا بوزير التنمية احمد المجدلاني ليكذب الخبر والاعلان عن فبركته واللعب فيه. وصار الشعب متخصصا في علوم الترجمة واحتدم النقاش بين ما إذا ما قالت الوزيرة: الفساد الذي يعم فلسطين هو في العموم ام انه فساد السلطة فقط.

ليس بالغريب ان تفوح رائحة الفساد الفلسطيني بقاع العالم. فالفساد يسود منذ سنوات وتحول الى وسيلة قمع وقتل مواطنين. وهذه الجرائم تعدت كونها محلية. قد تكون جريمة مقتل شهيد الرأي نزار بنات هي التي هزت طمأنينة العالم الذي يمول السلطة من اجل بقائها، ولكنها بالتأكيد لم تكن الجريمة الأولى بمسألة قمع الحريات التي تتفاقم منذ سنوات. فصار وضع أوروبا محرجا امام شعوبها التي تقتطع هذه الأموال من ضرائبهم. تمويل فساد وقمع شعب تحت الاحتلال من قبل سلطته بأموال رصدت بالأصل لصمود هذا الشعب وحمايته من الاحتلال.

وبين كل هذا تم تداول “تقرير” عن موقع قدس نت لما يسمى بالمدونة العالمية لمكافحة الفساد، وسرعان ما تصدر هذا “التقرير” عناوين الاعلام الفلسطيني بمواقعه المختلفة.

للوهلة الأولى استغربت لسرعة التقارير الأجنبية التي يمكن ان تكون قد ظهرت متزامنة مع تقرير ديوان الرقابة الفلسطينية وتقرير امان. ولكن فكرت… هذا ما تعنيه كلمة “تفشي”، فكما الفساد تبدو التقارير الخاصة به.

حاولت كعادتي الرجوع الى التقرير الأصلي. فلم اسمع من قبل عن جهة رسمية تطلق على نفسها اسم “مدونة”. فالمدونة بالنسبة لي هي أقرب لما أقوم انا به. بالعربي- بالإنجليزي- بْلوغْ- ولأن فكرة “بلوغ- مدونة- كما افهمها لم تخطر ببالي لاسم اعتمد الاعلام الفلسطيني على نشر تقريره، صرت أفتش فيما هو أكثر أقرب للمنطق، ولم أجد من المدونة العالمية لمكافحة الفساد عبر محرك جوجل الا نشر مواقع الاعلام الفلسطينية بولاءاتها المختلفة لهذا التقرير كل علي حسب الفصيل والانقسام الذي ينتمي له.

عندما حاولت البحث باللغة الإنجليزية، لم يخطر ببالي بالبدء استخدام كلمة “بلوغ” للبحث، بالنهاية نحن نتكلم عن تقرير دولي بحالاته العادية سيتبع اليات المراقبة والفحص المتعارف عليها دوليا خصوصا في نظام المراقبة. ولم أجد أي تقرير من أي مؤسسة او جمعية، ولكن عندما كتبت الكلمات بحرفيتها بالترجمة، تبين ان هناك “مدونة”-بلوغ- العالمية لمكافحة الفساد. وشعرت ببعض الصدمة، والكثير من الأهمية عندما رأيت اننا في نفس البيت!! كانت ردة فعلي الأولية: نحن زملاء”، فالمدونة العالمية تقع في وورد برس وهو “البيت” الذي اشغل انا به مدونتي!

المدونة العالمية لمكافحة الفساد تحتوي على مقالات\اراء تبدو بحثية اكاديمية الطابع لأن رئيسها استاذ قانون بجامعة هارفرد.

المقال- التقرير- المكتوب لباحث\ة باسم مجد بدون عائلة واضحة فقط بعض حروف لا تشكل كلمة مفهومة (لح). يبدأ التقرير والذي نشر ب ٢٦-٧-٢٠٢١ بعنوان “من اجل قطع الفساد في السلطة الفلسطينية، اقطعوا مساعدات التنمية” ،الذي لا يعتبر الأول لنفس الباحث ، والذي سبق هذا التقرير بشهر ولم تنشره قدس برس في فتحها الكبير بإيجاد هذا “التقرير” المهم!

التقرير\ البحث\ المدونة السابق للباحث\ة بتاريخ ٢٨-٦-٢٠٢١ كان بعنوان “نظرة أقرب للفساد: حماس والعنف في قطاع غزة“.

التقرير الموثوق والمعتمد الذي اعتمدته قدس برس وكأنه سبق صحفي، هل كانت ستدخل سباق السبق الصحفي في التقرير السابق الذي تناول حماس؟

بكل تأكيد، انا مع نشر كل معلومة مهمة ومفيدة وحقيقية. ولكن باللحظة التي تخرج المعلومة من الفضاء الفلسطيني وتكون خاصة بالشأن الفلسطيني من الخارج يجب التأكد من كل تفصيل بها، فليس كل ما يحمل اسم عالمي ويتكلم بالإنكليزية هو عالمي. فنحن محاطون من كل جانب بماكينة الاعلام الإسرائيلي من الداخل والتي تشكل في معظمها وبكل اسف مصادر الاعلام الفلسطيني عند البحث عن “اليقين في شأن السلطة”، وهناك ماكينة يشغلها اللوبي الصهيوني بكل الأسماء والألوان واللغات والجنسيات، تملأ الفضاء العالمي في كل مكان. تقارير كثيرة تحمل الكثير من الحقيقة في ظاهرها وتبطن الغبن والغش والكذب في كلمة او سطر. كحق يراد به باطل.

عودة الى التقرير الذي انتشر كالنار في الهشيم في فضاء الاعلام الفلسطيني. وسط التقارير المرعبة لما خرج من ديوان الرقابة الإدارية والذي يتطلب فرقا استقصائية ومطالبات حقيقية بالمساءلة والتوضيح من كل الجهات التي ذكرت بهذا التقرير والتي تؤكد على استشراء الفساد والتجاوزات الإدارية المقوضة لأي فرصة للإصلاح واجتثاث الفساد، يبدو ان هناك محاولة لإبقاء الانسان الفلسطيني في هذه الحفرة الموحلة من الفساد الذي يبدو انه متأصلا بهذه السلطة ولا يقتصر على هذه المرحلة فقط.

ما جعلني التفت لهذا “التقرير” والذي عنونته قدس برس ب “مسؤولو السلطة انشأوا شركات وهمية لسرقة المساعدات الدولية” والبحث عن أصله كان العبارة الاولى بالفقرة الثانية والتي نصت على إن “الفساد في السلطة الفلسطينية مترسخ بعمق، وللتوضيح فقط من خلال عدد قليل من الأمثلة: بين عامي ٢٠٠٨و ٢٠١٢ فقط، تم اختلاس أكثر من ٢.٣ مليار دولار من أموال مساعدات التنمية المقدمة من الاتحاد الأوروبي إلى السلطة الفلسطينية””.

فكرت لوهلة، كيف يمكن للاتحاد الأوروبي بالسكوت عن “اختلاس” كل هذه المبالغ والاستمرار بالعمل مع السلطة.

٢.٣ مليار دولار هذا مبلغ يفوق حتى حجم الأموال المخصصة لمساعدات الاتحاد الأوروبي للسلطة، وتختلط به ارقام المساعدات، إذا ما فكرنا بالمساعدات المرتبطة بالمشاريع وليس بالمساعدات التي تتم عبر الاونروا وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي وغيرها. ولفهم ما بدا وكأنه على حسب هذه التقارير اليقين، حيث لم يفكر أحد بوضع منطق حسابي بديهي للأرقام، والتي اعترف انني بالعادة لا اقترب منها، ولكن عندما افهم انا، تلك التي تنتهي مقدرتها الرياضية بعد عملية حساب بسيطة بالجمع والطرح والضرب والقسمة، بأن هناك لا منطق في الأرقام المتداولة فهناك بالتأكيد ما هو مريب بهذه المعلومات- اليقينية- لأن هذه المؤسسات يهمها التركيز على ما جرى بالفترة ٢٠٠٨ لغاية ٢٠١٢ بالاعتماد على بعد المعلومات وتزاحم الكوارث الحالية. ولكن بينما ركز التقرير الأمريكي (المدونة) هنا على خبر مصدره تايمز اوف اسرائيل ولم يهتم بتقصي أصل الخبر ومآل التقارير المحكي عنها. لم يهتم مثلا بتقرير رسمي ليورو ميد مونيتر وهو عضو مراقب رسمي بأوروبا والذي تناول هدر أموال المساعدات الاوروبية سنة ٢٠١٦ من قبل إسرائيل بهدمها تخريبها وتنكيلها بتلك المشاريع، والذي تناول بالأرقام تدمير إسرائيل للمشاريع الأوروبية بفلسطين منذ ٢٠٠١-٢٠١٦.

المهم، التقرير الأصلي، والذي نقلت قدس برس حرفيا باستثناء العنوان، استخدم الكلمة -اختلاس- ووضعها برابط للمصدر الأصلي – هايبرلينك- بعد ان استخدم بالجملة السابقة “مترسخ” برابط كذلك.

كلمة رابط رافقها تقرير امان لسنة ٢٠١٣، والذي يتحدث عن فساد السلطة منذ تأسيسها. لترسخ للقارئ بتضليله ان مرجعية المقال هي تقرير امان.

 اما كلمة اختلاس، والتي بني عليها اختلاس أموال بقيمة ٢.٥ مليار دولار من الاتحاد الأوروبي فكان مصدرها صحيفة تايمز اوف إسرائيل بسنة ٢٠١٣ والذي يحمل عنوان ” الاتحاد الأوروبي يتهم السلطة بهدر ٢ مليار باوند إسترليني بالمساعدات.

هنا رفعت حاجبي امام “تقرير” يعتمد في معلوماته على مقال لتايمز اوف إسرائيل!!!! ولكن هنا كلمة “تايمز” تجعل الانسان (الأمريكي الذي يظن ان القارئ العربي جاهل) يفكر ان كل ما يحمل كلمة تايمز سيكون خبره بمسؤولية صحيفة التايمز. وهنا، من تايمز إسرائيل الى تايمز اوف بريطانيا التي اخذت تايمز إسرائيل خبرها منه في حينه.

في خبر تايمز اف إسرائيل الذي نقلته عن تايمز اوف بريتان (بريطانيا) ان “المحكمة الأوروبية للمراقبين، وهي عضو أوروبي أنشئت في ١٩٧٥ من اجل رقابة دخل الاتحاد الأوروبي ومصروفاته، وجدت ان أوروبا تملك القليل من التحكم على أكثر من ١.٩٥ مليار باوند إسترليني تم انفاقها بالضفة الغربية وغزة بين السنوات ٢٠٠٨-٢٠١٢، مع ملاحظة “تقصيرات ملحوظة”. ويكمل الخبر ” محققون أوروبيون زاروا القدس، غزة والضفة وأخبروا انهم لم يستطيعوا التعامل مع أمور ذات طابع “أخطار عالية” مثل ” الفساد او مساعدات لا تستخدم للأهداف الواردة”. ويكمل: “المتحدث باسم محكمة الرقابة قالت لتايمز اوف إسرائيل بردها: ” لا يوجد تقرير كهذا قد اتم”، مضيفة ان هناك تقرير للاتحاد الأوروبي عن السلطة الفلسطينية سيتم نشره نهاية هذا العام.”

حتى التايمز اوف اسرائيل اليمينية المتطرفة والتي يتنبه حتى الإسرائيليين من قراءتها، تناولت الخبر بمسؤولية بمحتواه، على الرغم من تلميع العنوان بما لا علاقة له بالمحتوى.

في محاولة عقيمة للبحث عن التقرير الذي خرج عن الاتحاد الأوروبي بهذا الصدد، ولم اجد، ولم تتناوله النزاهة العلمية والبحثية لمدونة الباحث الذي يعنون اسمه جامعة هارفرد، استطعت بعد بحث الوصول للتقرير الذي لم تهتم تايمز اوف إسرائيل الحديث عنه بعد نشره من قبل محكمة الرقابة الأوروبية المنتظر، والذي لم يأت بأي حديث عن أي اختلاس او فساد، ولكنه وضع اقتراحات لكيفية العمل.

يجدر التذكير هنا، ان ما تذمرت منه تايمز اوف بريتان وتايمز اوف إسرائيل ورأوا فيه اختلاس هو عدم تقييد الشروط في الصرف في حينه والذي صار اليوم تحت عنوان ” التمويل المشروط” لأي مشروع بالاتحاد الأوروبي، والذي أدى لرفض المنظمات الاهلية -التي تحترم نفسها- في فلسطين هذا الدعم.

هنا، ارجع الى السبب الذي جعلني ارجع لكل هذا البحث على مدار اليومين الأخيرين، وهو سؤال إذا ما كان دور الاعلام نقل الحدث الحقيقي والتأكد منه؟ ام هو مجرد تطقيع مدوي يرفع أعلام الخطر بهدف السبق – الذي لا أستطيع ان اسميه صحفيا- (لأن السبق الصحفي له قواعد استقصائية ذاتية لا مجرد نقل ما يتم كتابته بالمواقع الأجنبية وترجمته حرفيا الي العربية واضافة عنونا جديد) لا ينقل إعلاما.

استغلال عدم معرفة الكثيرين للغات أخرى ونقل المعلومات على انها يقين بلا تأكد من مصادرها ومدى صحتها يعتبر فسادا بقدر الفساد الذي تتناوله هذه العناوين.

في حالتنا المأساوية الكارثية التي يجتاحها وسط تطور تكنولوجي جعل من الفيسبوك مصادر معلومات لا نفهم صحيحها من افترائها، نحن بحاجة الى اعلام يرصد الحقيقة لا يروج للشائعات والاخبار المنقوصة وغير العلمية لمجرد انه كتب بالإنجليزية ونقل عن موقع أجنبي، يهدف بالأصل لتضليل الرأي العام لا وعيه.

هذه كارثة أكبر من كارثة الفساد الذي نتكلم عن محاربته.

الفساد ليس فقط بسرقة أموال ونهبها واختلاسها ومحاباة وغش.

الفساد يحركه اعلام لا يتروى ولا ينقل المعلومات بنزاهة وبحث وتقييم إعلامي مبدئي.

السبق الصحفي ليس ترجمة خبر وتغيير عنوانه. فهذا لا يختف عن نهج البحث العلمي المسروق الذي نعاني به في جامعاتنا وتعليمنا وصحافتنا.

العمل المبني على جهل الاخر بالمعلومة، وكأننا لا نعيش في فضاء معلومات تتحرك نحوك ببحث مطواع لخدمتك باي لغة وكل لغة ومصدر.

هذه الأبحاث والتقارير هي جزء مهم من مصيبتنا التي تساهم في تضليل الرأي العام وتشتيته في وقت نحن في أمس الحاجة به الى من يضيء لنا بعض النور في هذه الظلمة المضللة والمشتتة.

نادية عصام حرحش - كاتبة فلسطينية

http://nadiaharhash.com


0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال