النمو المُفقر

 إن طالعتك الصحف بأخبار النمو المزدهرة، و فتحتك تلفازك علي وجه مزيعة بشوشة مدليه بأخبار تحسن الحالة الاقتصادية، و تلا هذا وذاك أعلانات عن مدن جديدة و منتجعات سياحية، فأنظر حولك. هل ينتظرك الفقر داخل بيتك وخارجه؟.

يطرح التباين الفظ ما بين الحالة الاقتصادية لطبقات مجتمعاتنا الفقيرة و مظاهر النمو المحكي عنها عدد من التساؤلات, علي سبيل المثال:

- هل نحن بصدد مشاهد حقيقية لنمو حقيقي ؟

- هل المظاهر المشاهدة للفقر هي مظاهر عرضية أو مرحليه لقله قليله لا تنقص من ابتهاجات النمو ؟

ماذا لو لم نكن بصدد قله قليله، بل أمام ظاهرة تعتصر قلب مجتمعاتنا، تتزايد حدتها علي الطبقات الفقيرة، وتدفع بالطبقات الأخري نحو الفقر؟

التساؤل هو في صلبه أطروحة لسؤال محوري: هل يضمن النمو الخروج أو النجاة من الفقر؟ ليس ضروري. و هو ما يعرف بظاهرة النمو المفقر Immiserizing Growth.

يمكن القول أن النمو و الفقر ليسا وجهان لعملة واحدة. عادة ما يعُبر عن ظاهرة النمو بالاعتماد علي أحد المقاييس الكلية (مثل الدخل القومي) التي يُختزل فيها العديد من المؤشرات، أما الحديث عن الفقر فيستدعي التنقيب عما هو طي الاختزال، يعتمد الباحثين فيه علي مجموعة من المؤشرات لمحاولة فهم ظاهرة الفقر من حيث مدي انتشاره و حدته ( مثل نسبة افراد المجتمع تحت خط الفقر ، او نسبة دخل الطبقات الأكثر فقرآ مقارنه بأجمالي دخل المجتمع).

إضافه لحده الفقر و مدي انتشاره، نجد عدد من المؤشرات التي تهدف لفحص جوانب آخري من ظاهرة الفقر: مثل المدي الزمني لظاهرة الفقر (فنجد ما يعرف بظاهرة الفقر المزمن "Chronic Poverty" مقارنة بالفقر المرحلي)، أو تحليل ظاهرة الفقر و معاناته من خلال الإعتماد علي مؤشرات لصحة الأطفال، (مثل نسبة "التقزم" و هو ما يشير لقصر الطول نسبة لعمر الطفل، أو "الهزال" لقياس نحافة الطفل نسبة لطوله).

ظاهرة النمو المُفقر ليست إذا بالظاهرة الغريبة، إن ما صاحب سياسات النمو إستخدام لآليات تعتمد علي توزيع ثمار النمو بعيدا عن الطبقات الفقيرة، أو آليات من شآنها الإضرار بالفقراء في الطريق لهذا النمو، لتكون المحصلة تدهور وضع الطبقات الفقيرة رغما عما يبدو من مظاهر للنمو علي بعض الأصعدة الأخري أو لبعض فئات المجتمع.

تشير الدراسات لعدد من الأسباب المفسرة لظاهرة النمو المفقر، منها:

- التقدم التكنولوجي و الاعتماد علي تكنولوجيات موفرة للعمالة.

- الارتفاع النسبي لاسعار السلع التي يعتمد عليها الفقراء.

- تحويل الطلب عن السلع/الخدمات المنتجة بواسطة الطبقات الفقيرة.

غير ان تلك الأسباب ليست كافية لتفسير حال مجتمعاتنا، خاصة أن آليات مثل التقدم التكنولوجي أو تغيير طبيعة الطلب هي بطبيعتها آليات تدريجية تحتاج فترة من الزمن لتتبور نتائجها، و هو ما يصعب معه تفسير المُشاهد من تسارع حدة و انتشار مظاهر الفقر في غضون السنوات القليلة الماضية.

تنم طبيعة تطور ظاهرة الفقر المُشاهدة في بعض بلداننا علي تفعيل لآليات الإضرار بالطبقات الفقيرة.

يمكننا تصنيف تلك الآليات في ثلاثة محاور:

١. آليات إضرار فوري و مباشر للطبقات الفقيرة: مثل هدم بيوت الفقراء، زيادة الضرائب علي تلك الطبقات، إرتفاع لأسعر السلع أو الخدمات التي يعتمد عيها الفقراء (العيش و السكر و أسعار المواصلات العامة…)، و تسريح العماله.

٢. آليات إعاقة الطبقات الفقيرة: تعمل تلك الآليات علي تحطيم قدرة الفرد من تكويين وصياغة قدراته و إمكانياته من الارتقاء بنفسه، فتكون إعاقته من خلال تقليص فرصه في الحصول علي التعليم الكفء، الرعاية الصحية المناسبة، فرص العمل الكريمة…إي أصابته في جوهرة كفرد (هو ما يمكن الإشارة له برأس المال البشري).

مقارنة بآليات الإضرار الفوري و المباشر، تصيب آليات الإعاقة مستقبليات الطبقات الفقيرة، و كثيرا ما ينتج عنها ما يعرف بمصيدة الفقر Poverty Trap (عجز الفرد عن الخروج من حالة الفقر، لعدم تمكنه من أدوات النجاة مثل التعليم)، و تأصيل للتمييز الطبقي ضد الفقراء.

٣. آليات ضرر ممارساتي/ بيئي/ مؤسسي: يمكننا هنا الإشارة لعدد من الآليات التي تؤثر علي البيئة الحياتيه و المؤسسية للمجتمع مثل عدم المساواة، غياب الديمقراطية، أو الفساد و التي تتسبب في غياب آليات تمكن تلك الطبقات من تمثيل مصالحها والدفاع عنها. كذلك نجد أليات ضرر نتاج تدهور بيئي أو كوارث طبيعية ( مثل إصابه الأراضي الزراعية نتاج عن جفاف أو فيضانات).

وهنا وجب علينا ثلاثة ملاحظات:

أول ملاحظة: ان الطبقات الفقيرة، بطبيعتها أقل قدرة علي التعامل مع وقع آليات الضرر، لقله البدائل المتاحة لهم. علي سبيل المثال، ما هي بدائل الفقير أمام ارتفاع أسعار المواصلات العامة؟ ما هي بدائل الفلاح في شحه مياة الري؟ ما هي بدائل الاسر الفقيرة امام ارتفاع أسعار رغيف العيش؟

ثاني ملاحظة: علينا الإشارة ان السياسات الاقتصادية هي مجموعة من السياسات التي يجب الحكم عليها في مجمل تأثيرها. علي سبيل المثال في حين قد نشاهد ارتفاع اسعار بعض السلع في عدد من الدول نجد توازن هذا من خلال استخدام سياسات مكملة مثل إعانات مالية مباشرة للطبقات الفقيرة لمجابهة تلك الزيادة، لتكون المحصلة هي منع الضرر عن تلك الطبقات.

ثالث ملاحظة: حديثنا عن آليات الضرر لا يعني بالضرورة وجود إرادة أو فعل قصدي لإيقاع الضرر علي طبقات مجتمعاتنا الفقيرة، بل انه كثيرا ما تكون عرض جانبي و غير مقصود لإتباع مجموعة من سياسات النمو غير المتوازنة: مثل الاعتماد المفرط علي المعونات/القروض لما يوقع تلك البلدان في معضلة خدمة تلك الديون عبر سياسات تقشفية تقلص من الإنفاق علي الخدمات الأساسية مثل التعليم و الصحة. أو الاعتماد علي العمالة غير مدفوعة الأجر (مثل المجنديين) في المشاريع الاقتصادية المختلفة و التي تتسبب بقطع التدفق المالي عبر القنوات الطبيعية للنشاط الاقتصادي في المجتمع (في هيئة أجور/مرتبات للطبقة العاملة التي يعاد ضخها في الدورة الاقتصادية)، إضافة لأعراض اقتصادية أخري مثل التأثير علي المناخ التنافسي.

خلاصة حديثنا: لا يضمن النمو تحسيين في وضع طبقات مجتمعاتنا الفقيرة. بل ان استفحال مظاهر الفقر هو المحصلة الطبيعية لغياب رؤية تنموية متوازنة وراعية لمصلحة مختلف فئات المجتمع، في بلدان تعاظم فيها نسبة الفقراء و ضعف بها الإطار المؤسسي الديمقراطي.

إن محاولة البعض من التملص من مسئولية مجابهة الفقر، أو تحميل الفقراء مسئولية فقرهم، أو الحديث عما يشبه أطروحة "البقاء للأقوي" لا يعبر إلا عن خلل في البوصلة القيمية، مع قصور في الرؤية الاستراتيجية لمستقبل أوطاننا.



0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال