آراء مغاربية - تونس | جمهورية أولى، ثانية وثالثة في تونس.. من يضيف؟

 تصدير: "تونس أصبحت مسرحًا أين يتلاكم الشيطان والرب الصالح، أين يتجادل القدر والحرية. قفص لتلاقي الرغبة والجفاف" -توفيق بن بريك- (1).

تعرف النظم السياسية تغيرات وتحولات إما استجابة لواقع يحتم ذلك كالحاجة إلى تحديث سياسي يلي تحديثًا اجتماعيًا، أو نتيجة رغبة فوقية لفرد أو أقلية نخبوية. تحدث هذه التحولات تغييرات جذرية في المؤسسات، الممارسات والتمثلات السياسية لكيان الدولة. في العالم المعاصر، يعتبر تعليق العمل بالدستور بالنسبة للجمهوريات، أو خلع الملوك والأسر المالكة، اللحظات الفارقة لهذه التحولات، سواء كان ذلك لأسباب من خارج منظومات الحكم (انتفاضات شعبية...) أو من داخلها (انقلابات...). 

منذ اللحظات الأولى التي تلت إجراءات 25 جويلية، انجرف عدد من هواة السبق التنظيري وتسجيل الأهداف في الوقت بدل الضائع إلى الدعوة إلى إعلان الجمهورية الثالثة. يقول أحد المستشرقين تهكمًا: "إن العرب إذا تحدثوا عن شيء، ظنوا أنهم فعلوه".

منذ اللحظات الأولى التي تلت إجراءات 25 جويلية، انجرف عدد من هواة السبق التنظيري إلى الدعوة إلى إعلان الجمهورية الثالثة

الحديث عن جمهورية ثالثة، يفترض أن تكون هناك جمهورية أولى وثانية. يشار عادة إلى دولة ما بعد الاستقلال بالجمهورية الأولى. ودولة ما بعد ثورة 17-14 بالجمهورية الثانية، رغم أنها بإجماع هؤلاء في تشخيصهم للمشكل، امتداد للأولى مع تفصيل واحد: الانتقال من "الحزبوقراطية" إلى "الأحزابوقراطية". أي من دولة الحزب الواحد إلى دولة الأحزاب الحاكمة: المؤلفة قلوبهم. اختلاف شكلي أما المضمون بقي نفسه، يعني يمكننا أن نسمي الدولة بعد 14 جانفي بـ "جمهورية أولى-مكرر (Bis)". نفكك فيما يلي ما سبق. 

المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب (2): 

فيما يعرف بتزاوج "الحديد والحنطة"، وعندما تحالفت البرجوازية الناشئة في مملكة بروسيا مع أوتوقراطية طبقة ملاك الأراضي نهاية القرن 18 وبداية القرن 19، نجح المستشار أوتو فون بيسمارك في توحيد مملكة بروسيا مع الولايات الجنوبية الناطقة بالألمانية، ليعلن من قصر فرساي سنة 1871، عن تأسيس الاتحاد الألماني، الرايخ الألماني Deutsches Reich ، والذي يعني الإمبراطورية الألمانية، في محاولة رومنسية سياسية للإيحاء بوراثة وانبعاث الإمبراطورية الرومانية المقدسة. ولضرورات السردية السياسية، وإثر انهيار هذه الإمبراطورية نهاية الحرب الأولى، أعلن الديموقراطيون الجدد سنة 1918 عن تأسيس الرايخ الثاني، في شكل جمهورية ديمقراطية.

وكذلك سينسج النازيون على هذا المنوال ليعلنوا عن الرايخ الثالث، أو ما يعرف بألمانيا النازية سنة 1933. نلاحظ هنا ثلاثة أشكال للدولة: ألمانيا الملكية الدستورية، وألمانيا الجمهورية الديموقراطية، وألمانيا الأوتوقراطية، وصاحب كل واحدة منها أشكال ومؤسسات مختلفة للحكم. 

في نفس سياق المركزية الأوروبية، يوم 3 جوان/يونيو 1958، صوت السينات الفرنسي (البرلمان) على تفويض صلاحياته لشارل ديغول، رئيس حكومة آنذاك، لغاية 1 أكتوبر/تشرين الأول من نفس السنة، بهدف كتابة دستور جديد للبلاد، والتي رأسها دي غول نفسه. وبهذا انتهت الجمهورية الرابعة، وتشكلت الجمهورية الخامسة. 

الحديث عن جمهورية ثالثة، يفترض أن تكون هناك جمهورية أولى وثانية. يشار عادة إلى دولة ما بعد الاستقلال بالجمهورية الأولى. ودولة ما بعد ثورة 17-14 بالجمهورية الثانية، رغم أنها امتداد للأولى مع تفصيل واحد: الانتقال من "الحزبوقراطية" إلى "الأحزابوقراطية"

سبق هذين الاثنتين: الجمهورية الأولى هي التي عقبت الملكية الدستورية (1792-1804) إثر الثورة الفرنسية وهي تشبه إلى حد ما عرفناه طيلة العشرية الفارطة للانتقال الديمقراطي إذ شهدت فرنسا حينها عدة التفافات وتمخضات بين الملكيين والوافدين الجدد. انتكس إثر ذلك المسار الجمهوري حين أعلن بونابرت نفسه إمبراطورًا، ملكًا في حلة جديدة، سنة 1804. 

إثر الانتفاضات الشعبية التي شهدتها أوروبا 1848، عاشت فرنسا مرة فترة انتقالية، سميت بالجمهورية الثانية بين 1848 و1851 قبل أن يعلن نابليون الثالث نفسه إمبراطورًا مرة أخرى، إثر انقلاب 2 ديسمبر 1851، ليعارضه حينها الكاتب فيكتور هيغو بعد أن كان قد ساند "نواياه" الديمقراطية، ما دفعه للفرار إلى بروكسيل في 5 جانفي 1852. 

سنة 1870، وإثر الهزيمة مع مملكة بروسيا بقيادة بيسمارك، والتي كانت إحدى محركات كومونة باريس 1871، سيقع إنهاء الإمبراطورية الثانية وانتهاج مسار انتقالي بـ10 سنوات إلى غاية 1879 عندما سيصوت البرلمان الفرنسي على دستور الجمهورية الثالثة والتي ستستمر إلى غاية دخول القوات النازية إلى باريس سنة 1940. ثم الجمهورية الرابعة بعد الحرب الثانية إلى غاية إعلان دي غول كما قلنا سابقًا. 

نفس المؤسسات مستمرة على ما يبدو، نفس التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية، مع تجلي التوجه نحو توسيع صلاحيات رئيس الجمهورية وإرساء نظام رئاسي من جديد، أي نسخة محدثة من دولة ما بعد الاستقلال تحت نظام جمهوري

بين 1789 و1870، أكثر من 80 سنة، عرف الفرنسيون 7 أنظمة سياسية مختلفة: 3 ملكيات دستورية، جمهوريتان وإمبراطوريتان. والأهم أنه مع كل تجربة هناك طرح سياسي مختلف ومؤسسات جديدة كإحداث وإلغاء البرلمان وتعويضه بجمعيات وطنية، أو إلغاء مجلس الدولة ثم إعادته، محكمة المحاسبات، المحكمة العليا، فترات حكم فردية مطلقة وفترات جمهورية تمثيلية. والأهم: مخاضات اجتماعية، حقوقية وفكرية كالحركات النسوية والاحتجاجات النقابية.  

رافق هذه التمخضات السياسية في كلا البلدين، ألمانيا وفرنسا، كثير من الجدل العام، شعبي ونخبوي، ما ساهم في مراكمة التجربة السياسية لدى النخب والمواطنين. والأهم من هذا، هو الوصول إلى التوليفة السياسية الملائمة للجذور الثقافية والحركية الاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها أوروبا في تلك الفترة. طبعًا بالتوازي مع تواصل التحديث الصناعي والاقتصادي. 

تونس: لا جديد يذكر: 

يقول الجاحظ: "المعاني ملقاة على قارعة الطريق". كما قلنا، يسارع هواة السبق التنظيري الأجوف للنداء بالجمهورية ثالثة والتي لا نرى لها ملامح عدا تموجات الأفواه التي تنطق بها. حكم القانون، المؤسسات، المحاسبة وغيرها... كلها أفكار تدور في الفلك الديموقراطي منذ العصور القروسطية، من أيام جون لوك ومونتسكيو، بل وكانت محركات الثورات في أوروبا وأميركا.

حكم "الشعب"، الديمقراطية المباشرة، المجالسية، وباقي أطروحات أشكال الفعل السياسي، مورست في أثينا، وقبلها الهند، ولا تزال بواقي ديمقراطية مباشرة تستعمل في سويسرا (فقط 7% من القوانين التي يقترحها البرلمان تعرض للتصويت المباشر).

الحكم المحلي ليس جديدًا في تونس، فهو موجود منذ الفترة البورقيبية إثر التصويت على مجلة الجماعات المحلية سنة 1975، وتدعمت المدونة التشريعية سنة 1988 إثر استكمال قوانين التنمية المحلية. طبعًا بين النصوص القانونية والتشريعات والواقع، فجوة تطبيقات وممارسات. وإلاّ لما قامت الاحتجاجات أواخر سنة 2010. فما الجديد في الجمهورية الثالثة المزعومة؟ هل نأمل في أن ينجح النظام المرتقب في رتق هذه الفجوات؟ تبقى إجابة هذا السؤال رهينة الوقت.

 يبقى الإشكال التقني الذي يطرحه رئيس الجمهورية هو التجربة المجالسية المرتقبة التي يفترض إرساءها، والتعديلات المفترضة في النظام الانتخابي، وهذا يمكن أن يكون إعلان نهاية مسار الانتقال الديمقراطي لصالح النظام الرئاسي

عدا هذا، نفس المؤسسات مستمرة على ما يبدو، نفس التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية، مع تجلي التوجه نحو توسيع صلاحيات رئيس الجمهورية وإرساء نظام رئاسي من جديد، أي نسخة محدثة من دولة ما بعد الاستقلال تحت نظام جمهوري. يبقى الإشكال التقني الذي يطرحه رئيس الجمهورية هو التجربة المجالسية المرتقبة التي يفترض إرساءها، والتعديلات المفترضة في النظام الانتخابي، وهذا يمكن أن يكون إعلان نهاية مسار الانتقال الديمقراطي لصالح النظام الرئاسي. 

في الختام، يبقى التساؤل حول مآل مكتسبات الحريات. التساؤل حول هل هناك حقًا نية إصلاحية للمنظومة الحالية والانحياز أكثر نحو الديمقراطية؟ أم سننزلق نحو الاستبداد من جديد؟ في هذا المستوى، هل تكون إرادة المنادين بالجمهورية الثالثة تلافي إخفاقات نظام بن علي الاستبدادي والتي أدت إلى زواله، والعمل على مزيد إحكام قبضة النظام حول الحناجر. بصفة عامة، في التاريخ عبر وله أحكام، أهمها أن هناك دومًا من هم ملكيون أكثر من الملك.

المؤشرات: أغنية لطيفة العرفاوي، عودة الصور الكبيرة في الشوارع والمناشدات... ونكتفي بهذا البؤس. 

المصادر: 

(1): توفيق بن بريك. نيويورك ضاحية تونس. دار الجنوب 2015. ص 9.

(2): عبارة تورد مختصرة تنسب لابن خلدون

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال