التطرف الديني وراء تنامي ظاهرة الاغتراب

 كثيرة هي الظروف التي شابت القرن العشرين والتي كانت نتيجتُها إنسانًا عربيا مغتربا يعيش الألفية الثالثة بروح مهزومة ورغبة دائمة في الهروب. فهو إنسان متعب مما حوله ولا يملك حيلة لتغيير مصيره، فأصبح غريبا عن نفسه ومكانه وزمانه، وهذا ما عالجته الرواية العربية المعاصرة بدقة. "العرب" كان لها هذا الحوار مع الناقد المصري أيمن حماد حول هذه الظاهرة.

تبدو الرواية العربية المعاصرة مرآة لتحولات وتغيرات مجتمعية لافتة. يلاحظ الإبداع الروائي ظواهر المجتمع المتنوع ويتابع تقلبات أفراده ويفحصها بتدقيق وتبصر ويعيد قراءتها بعمق مؤرخا من خلالها لجانب مهم من التاريخ الاجتماعي غير المكتوب.

وتعتبر ظاهرة الاغتراب الإنساني من الظواهر التي عالجها الفن الروائي في العالم العربي، وكانت محل دراسات عميقة من قبل نقاد وكُتاب ومفكرين في  السنوات الأخيرة. والدكتور أيمن حماد، الناقد الأدبي المصري، مهتم بالظاهرة ومتعمق في تحليلها اعتمادا على الرواية العربية المعاصرة، وله دراسات عديدة في هذا المجال، وصدر له مؤخرا عن مركز الكتاب الأكاديمي بعمّان كتاب جديد يحمل عنوان “الاغتراب في الرواية العربية المعاصرة”.

أيمن حماد: منذ الستينات والرواية العربية معنية بالاغتراب بسبب الاستبداد أيمن حماد: منذ الستينات والرواية العربية معنية بالاغتراب بسبب الاستبداد

تأجيج الاغتراب

يؤكد أيمن حماد لـ”العرب” أن متابعة فن السرد العربي الحديث تكشف أن ظاهرة الاغتراب اتسعت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة كرد فعل مباشر على اتساع ظاهرة التطرف الديني، فهو نوع من الاغتراب الإنساني يتجاوز فكرة غربة المكان إلى الزمان، حيث يشعر المتطرف ببعده عن الزمن الذي يعيش فيه، ويتعامل مع أفكار ونصوص تراثية عديدة تخالف منجزات التطور التكنولوجي وتصطدم كثيرا بالعلوم الحديثة.

ويوضح أن شخصية الإرهابي تعد تجسيدًا للشخصية المغتربة بامتياز؛ فهي شخصية رافضة للمجتمع بمؤسساته وقوانينه وأعرافه ومتمردة عليه، بما يعني أنها فاقدة للمعايير، فالغاية لدى الإرهابي تبرر الوسيلة وهي القتل أو غيره. كما أن شخصيته تنطوي على تناقض كبير في فكرها وسلوكها، أو في ما تعتنقه من أفكار وما تفعله من سلوك نتيجة لعوامل كثيرة، منها الجهل والقمع والأمراض الاجتماعية والنفسية، كالشعور بالاضطهاد ووجود عقد النقص والفقر، وتلك صفات وسمات ونتائج سلوكية للاغتراب كظاهرة تتجاذبها بالدراسة والتحليل علم النفس وعلم الاجتماع والفلسفة.

ويقول في حواره مع “العرب” إن “الرواية العربية تخبرنا بأن وقائع ما تشهده بعض الدول من حروب أهلية وصراعات دموية وثورات فوضوية، جاءت بعد معاناة أهلها من اغتراب طويل لعبت التيارات الدينية دورا في تأجيجه”.

وكانت الرواية العربية في الستينات والسبعينات من القرن الماضي معنية بالاغتراب بسبب ما واجهته الدول من استبداد سياسي وتضييق وقمع خلال حكومات ما بعد التحرر الوطني، مثلما هو الحال في روايات “تلك الرائحة” للروائي المصري صنع الله إبراهيم، و”قدر الغرف المغلقة” للمصري عبدالحكيم قاسم، و”مُدن الملح”  للسعودي عبدالرحمن منيف.

 ويوضح حماد أن الشعور بهذه الظاهرة نما حتى تحول الاغتراب تدريجيًّا إلى شعور طاغ بضدية المكان مثلما هو الحال في رواية “الحي اللاتيني” للروائي اللبناني سهيل إدريس. ومع صعود المد الديني بنسخته السلفية تأجج الشعور بالاغتراب أكثر وأصبحت الظاهرة ثيمة واضحة وشبه مشتركة في معظم الروايات العربية الحديثة.

ويذكر الناقد المصري بعض الروايات العربية التي التفتت إلى الإرهاب كخطر داهم يهدد بنى المجتمعات مثل “الفاعل” (2008) للمصري حمدي أبوجليل، و“فرانكشتاين في بغداد” (2013) للعراقي أحمد سعداوي، و“أصابع لوليتا” (2014) للجزائري واسيني الأعرج، و“فئران أمي حصة” (2015) للكويتي سعود السنعوسي، و“أفاعي النار” (2016) للأردني جلال برجس، وغيرها.

نموذجان للاغتراب

يوضح حماد لـ“العرب” أن “معظم الروائيين العرب قاموا، باعتبارهم غير منعزلين عن مجتمعاتهم، بالتعبير عن الظاهرة بوضوح شديد من خلال نموذجين، الأول: اغتراب الشخصية الروائية ذاتها، والثاني: الاغتراب المكاني”.

ورسمت روايات عربية حديثة شخصية المغترب الذي يعاني من كبت حريته وتفكك أسرته وانحلال قيم مجتمعه وصداماته المتكررة مع السلطة القاهرة في المجتمع، سواء أكانت هذه السلطة سياسية أم دينية، ما يدفعه في النهاية إلى العزلة التامة والاغتراب المعلن، وهي الخطوات الأولى للانتحار بمعناه المادي أو المعنوي عبر الوقوع في براثن الإرهاب والتحول إلى العمل الإجرامي.

ويذكر الناقد المصري أن المكان في الاغتراب المكاني يتحول إلى مصدر حزن وكآبة دائمين وتصبح الغاية المثلى للمغترب هي محاولة مغادرة المكان، سواء أكان قرية أم مدينة أم وطنا بأكمله أم مجتمعا أشمل، وظهر ذلك في أعمال روائية عديدة لمع أصحابها بعد ما عرف بثورات الربيع العربي، ونجحت في إثارة شغف الجمهور بالقراءة.

ويضيف أن الشخصية المغتربة تعاني بشكل كبير من تأرجح علاقتها بالزمان، فهي تشعر دوما بثقل وطأة الزمن عليها ووقوعها فريسة له، ما يدفع بعض المبدعين إلى تغييب الزمن أو إلغائه تماما وكأن الشخصية الروائية تعيش خارج إطار الزمن فتبدو شاردة وتائهة وكثيرة الصمت.

هروب مستمر

يقول حماد في حواره مع “العرب” إن “المغترب في حالة هروب دائم، وأحيانا يأخذ الاغتراب مسارا عكسيا فيهرب البعض من ماضيهم الذي سبب لهم الحزن والأرق الدائم إلى الحاضر الذي قد يعتبرونه خلاصًا من الماضي، وهناك مَن يهربون من حاضرهم الكئيب المُزعج إلى الماضي تحت وهم خادع يتصور جمال اللحظات الماضية ونقاءها”.

ويتابع “البعض يهرب من الحاضر والماضي إلى المستقبل بحثا عما يتمناه من يوتوبيا مفتقدة في ظل صراعات أيديولوجية واستقطابات موسعة تعاني منها الكثير من المجتمعات العربية”.

شخصية الإرهابي تعد تجسيدًا للشخصية المغتربة بامتياز شخصية الإرهابي تعد تجسيدًا للشخصية المغتربة بامتياز

ويلاحظ الناقد في تحليله لظاهرة الاغتراب تركيز الروايات على مصطلح “الليل” كجزء من الزمان، وفي الغالب يكون ليل المغترب هنا طويلا وثقيلا وخانقا ويبعث على الخوف والشعور بالوحدة والكآبة، وثمة وسائل لكل مغترب للتعبير عن اغترابه يلخّصها الناقد في الحلم والمونولوغ والأغنية والمناجاة والحوار والأمثال الشعبية.

ويشير إلى أن وسائل الاغتراب قد تظهر منفصلة أو مُجتمعة، وهي في الغالب غير مقصودة لكنها صارت إحدى السمات اللصيقة بالسرد الحديث.

وإحدى أبرز الصعوبات التي تواجه النقاد في هذا الشأن الاتساع الكبير في حجم المعروض من الأعمال الروائية وصعوبة الإلمام بها جميعا، فضلا عن

قلة عدد المصادر المعبرة عن مفهوم الاغتراب واختلافها في التعريف، بجانب ضرورة الإلمام بالحقب التاريخية التي تعبّر عنها الأعمال الروائية باعتبارها دافعا إلى الاغتراب أو ملجأ لمقاومته.

ويتصور حماد أن النقد الأدبي في العالم كله يتجه إلى المزيد من التخصص، ومدارس النقد في العالم العربي لم تستفد بالقدر الكافي من الحركة النقدية الحديثة، وأخطر عيوب الحركة النقدية المعاصرة حسب رأيه هو انعزالها عن حركة الإبداع.

ويلفت إلى أنه عمل خلال العامين الأخيرين على نقد النقد ليرصد ملامح التجديد والتغير في حركة النقد العربي ويعيد التفكير في الكثير من الطروحات التي ينظر إليها باعتبارها من المسلمات، ما دفعه إلى دراسة أعمال عزالدين إسماعيل وصلاح فضل وجابر عصفور، وغيرهم.

ويذكر أن أيمن حماد ناقد مصري ومحاضر ومُحكم أدبي، حصل على شهادة الدكتوراه في الأدب العربي من كلية دار العلوم – جامعة القاهرة عن رسالة بعنوان “الاغتراب في الرواية المصرية الحديثة”. وله دراسات موسعة عديدة في المسرح النثري العربي، وآثار الموروثات الشعبية على المسرح، وفنون الفرجة، والأسطورة والحبر الشعبي. وله تحت الطبع كتاب بعنوان “الاغتراب في الشعر المصري المعاصر”، وآخر بعنوان “اتجاهات النقد منذ بداية الألفية الثالثة”، وهو يكتب في عدد من الإصدارات الثقافية العربية.

مصطفى عبيد - كاتب مصري

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال