حرب الظل في المنطقة بين ايران واسرائيل: محاولة لفرض معادلات جديدة

 تصاعدت في الآونة الأخيرة وتيرة هجمات حرب الظل البرية والبحرية والسيبرانية المتبادلة بين إسرائيل وإيران في منطقة الشرق الأوسط، في ظل توافر عدد من العوامل، التي قد تساهم في تغيير توازن معادلات الصراع بين البلدين.

قد يكون الانفجار الذي حدث في ناقلة النفط الإيرانية الراسية في ميناء اللاذقية السوري أول أمس الثلاثاء، قد جاء رداً على الهجوم الذي تعرضت له ناقلة “ميرسر ستريت”، المملوكة لرجل أعمال إسرائيلي، قبالة سواحل عمان في ٢٩ من الشهر الماضي. وتم الهجوم على سفينة “ميرسر ستريت” الإسرائيلية في إطار حرب السفن الحالية، باستخدام الطائرات بدون طيار. ويرسخ هذا الهجوم الأخير الميل المتزايد لاستخدام هذا النوع من الطائرات، والتي تشكل تحدياً لأنظمة الدفاع الجوي الحالية. لم يسع ذلك الهجوم  لاغراق السفينة الإسرائيلية، حيث حملت الطائرات المهاجمة حمولة صغيرة، كما أنها استهدفت الجزء العلوي للسفينة وليس هيكلها، على غرار جميع الهجمات السابقة التي استهدفت السفن الإسرائيلية. ويعود تاريخ بدأ حرب السفن إلى صيف عام ٢٠١٩ ، عندما تعرضت سفينة إيرانية تحمل النفط لهجوم أثناء مرورها  شرق البحر المتوسط والبحر الأحمر، حيث اتهمت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية في شهر آذار الماضي إسرائيل باستهداف ما لا يقل عن ١٢ سفينة إيرانية ناقلة للنفط متجهة إلى سوريا.

تصاعدت وتيرة هذا النوع من الهجمات منذ مطلع هذا العام، ففي شهر شباط  الماضي تعرضت سفينة الشحن الإسرائيلية “إم في هيليوس راي” لانفجار أثناء مرورها عبر خليج عمان، كما تعرضت سفينة حاويات أخرى مملوكة لإسرائيليين لهجوم في الشهر التالي، وثالثة في المحيط الهندي مطلع شهر تموز  الماضي، ولا تفصح إسرائيل عن جميع الهجومات التي تتعرض لها سفنها، خصوصاً تلك التي تكشف عوراتها. في المقابل، تعرضت سفينة الشحن “إيران شهركرد” لهجوم في البحر المتوسط في شهر آذار الماضي، كما شن هجوم آخر على السفينة  “إم في سافيس” الايرانية في البحر الأحمر في شهر نيسان التالي، وتحديداً في اليوم الأول من محادثات فيينا.

تأتي حروب السفن في إطار حرب ظل أشمل برية وبحرية وجوية وسيبرانية. ولا تتردد إيران في التصعيد في منطقة نفوذها، والتي لا تمتلك فيها البحرية الإسرائيلية قدرات عالية للتدخل، إذ تسيطر إيران على مضيق هرمز، الممر المائي الاستراتيجي الذي يمر عبرة خمس إمدادات النفط العالمية، وتمتلك أحد أهم أساطيل الناقلات في العالم، ناهيك عن خبرتها الواسعة في إخفاء حركة شحناتها النفطية وتجنب التعقب. كل ما تمتلكه إسرائيل في منطقة نفوذ إيران عدد من الغواصات التي لن تغير كثيراً من توازن القوى فيها. في حين تمتلك إسرائيل السيطرة في منطقتها القريبة من سوريا، لذلك تفضل الرد ضمن حدودها، الأمر الذي يفسر تجنب إيران مهاجمة أهداف إسرائيلية ضمن ذلك الاطار.

يأتي ذلك التصعيد الأخير في ظل عدد من العوامل أولها اقتراب التئام مفاوضات فيينا، والتي توقفت خلال الشهرين الأخيرين، على أساس العودة ثانية بعد الانتخابات الرئاسية الايرانية وتشكيل حكومة جديدة، والتي يفترض أن يعرضها الرئيس الجديد أمام البرلمان خلال الشهر الجاري، في ظل تقارير تشير إلى احتمال توجه الولايات المتحدة  لتخفيف محدود للقيود المفروضة على إيران في سبيل تحقيق اختراق في المفاوضات وتجميد إيران لتخصيب اليورانيوم والعودة إلى صفقة النووية لعام ٢٠١٥.

 ويبدو أن إيران قد تكون قادرة قريباً على صنع رؤوس نووية، بعد أن أعلنت في الأشهر الاخيرة رفع نسبة تخصيب اليورانيوم إلى ٦٠٪، ومنع وصول الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المواقع النووية. يتمحور ثاني تلك العوامل حول قيام إيران والمملكة العربية السعودية بمحادثات بدأت سرية منذ شهر نيسان الماضي وباتت معلنة الآن، بهدف تحقيق شكل من أشكال التقارب بين البلدين، خصوصاً في إطار الحرب المشتعلة في اليمن. ويشكل ذلك التقارب بين إيران والمملكة العربية خطراً على أهداف وطموحات إسرائيل، التي تستثمر بحالة العداء بين البلاد العربية في منطقة الخليج وبين إيران، لخلق حالة التقارب بينها والمبرر الأول  لحدوث التطبيع. ولا يمكن اغفال عامل ارتباط تلك الهجمات البحرية بالهجمات التي تتعرض لها قوات الاحتلال الأمريكية في العراق وغرب سوريا، وقلق إسرائيل من انسحاب أميركي متوقع من المنطقة قريباً.

جاء التطور المهم في أعقاب الهجوم الأخير الذي تعرضت له ناقلة “ميرسر ستريت” الإسرائيلية وذلك بانفجار الجبهة الشمالية لإسرائيل، ولأول مرة منذ بداية حرب السفن التي دشنت منتصف عام ٢٠١٩. جاء هذا التطور، بعد هدوء امتد منذ حرب عام ٢٠٠٦ على تلك الجبهة، وحرص حزب الله اللبناني عدم اشعالها من ذلك الوقت. ويأتي ذلك الاشتباك العسكري هذه المرة في خضم حرب الظل بين إسرائيل وإيران، وحرص الطرفين اللبناني والإسرائيلي على عدم تأجيجه باسقاط ضحايا خلال القصف المتبادل بينهما. وكانت السفارة الإيرانية في لبنان قد أطلقت تغريدة في السادس والعشرين من شهر حزيران الماضي، أكدت خلالها على عدم حاجة إيران لموافقة أميركية في سبيل إرسال الوقود إلى لبنان، على الرغم من اعتياد إيران على إرسال بوارجها النفطية باتجاه سوريا فقط، الأمر الذي قد يفسر ذلك التطور اللاحق، وتطورات أخرى قد تتبع.

وطلبت إسرائيل من مصر تدخلها لدى حركة حماس في غزة لتخفيف حدة التصعيد باطلاق البالونات الحارقة، خلال اطلاق حزب الله صواريخه باتجاه إسرائيل، وذلك لعدم الانجرار لمزيد من التصعيد على الجبهة الجنوبية أيضاً. ويبدو أن إسرائيل لم تنس بعد تجربة حرب غزة الأخيرة والتي جاءت في شهر أيار الماضي، وأطلقت خلالها حركة حماس حوالي ٤٠٠٠ صاروخ خلال عشرة أيام فقط، ودعمت إيران ذلك علناً، وأطلقت طائرة بدون طيار في المجال الجوي الإسرائيلي في الثامن عشر من ذلك الشهر خلال فترة الحرب، وكان قد أكد جيش الاحتلال في اليوم السابق عن وجود ست محاولات إطلاق للنار من لبنان، والتي رصدت بالفعل في التاسع عشر من ذات الشهر. وذكرت صحيفة الشرق الأوسط، نقلاً عن مصدر دبلوماسي رفيع، أن الولايات المتحدة ضغطت على إسرائيل كي لا تغير قواعد الاشتباك مع حزب الله، قبل دخول الجولة القادمة من المحادثات النووية الإيرانية الشهر المقبل.

فشلت إسرائيل في حشد إجماع دولي ضد إيران في أعقاب الهجوم الأخير على السفينة الإسرائيلية في مياة الخليج العربي، الذي أكدت إيران عدم صلتها به، كما فشلت إسرائيل وحلفاؤها في إثبات تورطها به. وكان الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل قد اتهمت إيران بشن هذا الهجوم. ورغم تهديد أنتوني بلينكين وزير الخارجية الأمريكي برد جماعي على الهجوم، واعتبر البنتاغون إن جميع الخيارات مطروحة، واعتبار بريطانيا إن إيران ارتكبت خطأ جسيما، الا أنه من غير المتوقع حدوث رد قوي من هذه القوى العظمى، بسبب تركيزها على تجديد الاتفاق النووي، خصوصاً في ظل ارسال الاتحاد الأوروبي مبعوثاً عنه للمشاركة في مراسم أداء اليمين وتنصيب الرئيس الإيراني الجديد نهاية الأسبوع الماضي، وهو الأمر الذي انتقده نفتالي بينيت رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد. وتؤكد الهجمات المتعددة المصادر والاتجاهات على أهداف إسرائيلية أو أميركية في المنطقة على واقع النفوذ الايراني والذي يصعب تجاهله. ويبقى خطر المواجهة الإسرائيلية الإيرانية قائماً نتيجة سبق أصرار إسرائيلي تعكسها تصريحات علنية في ظل توجه بينيت الذي يتوق للظهور أو نتيجة سوء التقدير، الا أن ذلك قد يواجه رفضاً أميركيًا وغربياً قوياً.

د. سنية الحسيني - كاتبة فلسطينية

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال