الهاجس البيئي يهيمن على مهرجان كان والقطاع السينمائي

 مسألة مراعاة البيئة باتت رائجة في عالم السينما وقد اختار مهرجان كان السينمائي هذه السنة أن يضع حماية البيئة "في صميم اهتماماته" لأهمية القضية.

تشكل البيئة موضوعاً سينمائياً، عابراً أو رئيسياً، يجتذب الكثير من المشاهدين، كما في أفلام الكوارث بما تمنحه من قدرة على الفرجة والتسلية وإثارة غرائز الخوف والرعب لدى المتفرجين، فيما يتعلق بالأفلام الروائية. كما نجد الكثير من الأفلام الوثائقية الهامة التي تهتم بالبيئة والتي يمكن اعتبارها موضوعا سينمائيا أثيرا رغم التناقض الذي تقع فيه أفلام من هذا النوع. يطبع الهاجس البيئي بصمته على مهرجان كان السينمائي هذه السنة، إذ أن هذا الحدث الذي يختزل الصناعة السينمائية المعتادة على البهرجة والأجواء الاحتفالية يعتزم الحدّ من بصمته الكربونية عبر مجموعة إجراءات، بينها الامتناع عن استخدام القناني البلاستيكية وفرص “تعويض” مالي على كل مشارك يأتي بالطائرة.

ومع أن نجوماً عالميين كثراً، من ليوناردو دي كابريو إلى جولييت بينوش، اتخذوا في السنوات الأخيرة مواقف تحضّ على حماية البيئة، وكذلك صبّت أفلام عدة في خانة هذه القضية، تفتقر هذه الدعوات إلى الفاعلية في الواقع نظرا إلى أن الفن السابع لا يشكّل نموذجاً صالحاً في هذا المجال بفعل استهلاكه موارد كثيرة خلال عمليات تصوير الأفلام عبر القارات.

المهرجان يضع هذه السنة حماية البيئة في صميم اهتماماته نظراً إلى الضرورة الملحة في عالم مهدد بالكوارث

تجسّد المهرجانات السينمائية التناقض، بين الدعوة إلى حماية البيئة والمساهمة في الإضرار بها، إذ تلوث البيئة بطائرات النجوم المشاركين فيها والسيارات التي تستخدمها لنقلهم، وجبال النفايات التي تخلّفها في بضعة أيام، رغم إقبالها على عرض أفلام تتبنى القضية البيئية، كأفلام نائب الرئيس الأميركي السابق آل غور عن كارثة المناخ التي سبق أن عرضت ضمن مهرجان كان.

تحديات بيئية

أكد أهم مهرجان سينمائي في العالم هذه السنة أنه يضع حماية البيئة “في صميم اهتماماته”، نظراً إلى “الضرورة الملحّة” في هذا الشأن. ومن هذا المنطلق اتخذ المهرجان سلسلة إجراءات تهدف إلى الحدّ بحجم غير محدد من تسببه في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون ومخلفاته من النفايات، إضافة إلى تخصيص قسم لعرض أفلام عن هذا الموضوع.

وفي هذا الإطار ستكون معظم السيارات الرسمية للمهرجان كهربائية، وسيكون الاعتماد أكثر على وسائل النقل العام، أما الإجراء الأكثر رمزية فيتمثل في خفض الوزن الإجمالي للسجادة الحمراء المستخدمة إلى النصف، أي أنه سيكون أقل من المعتاد بـ 950 كيلوغراماً.

ولم يخفّض المهرجان حجم الرحلات الجوية المرتبطة به والتي تعتبر أهم نقطة بيئية سوداء فيه، إذ تشكّل مع الإقامة 89 في المئة من بصمته الكربونية، ولكنّه فرض على كل مشارك فيه يأتي بالطائرة على دفع مساهمة مادية، على أن يسدد المهرجان الريع المتأتي من هذه المساهمات لمشاريع “تعويض موثوق بها ومناسبة” تختارها “لجنة علمية من خبراء مستقلين”، على ما أوضح المفوض العام للمهرجان تييري فريمو الذي قال “نحن نسعى جاهدين إلى أن نكون قدوة”.

ورغم كل شيء، يدرك المنظمون أنفسهم أن تنظيم مثل هذا الحدث العالمي أصبح يشكّل “تحدياً بيئياً”، لا يمكن حله “على الفور” ولكن من خلال إجراءات “متوسطة وطويلة الأجل”.

عمل ضخم

لاحظ المخرج والناشط سيريل ديون الذي يُعرض له في المهرجان فيلمه الوثائقي “أنيمال” والذي يتحدث عن انهيار التنوع البيولوجي أن “ثمة عملاً ضخماً ينبغي القيام به”، لكنه اعتبر أن النهج المتبع “مشجع جدا”.

ورأى أن المهرجان “يطلق إشارة وعلى الآخرين جميعاً أن يحذو حذوها”. ويأمل في أن “يشعر الممثلون أيضًا بأنهم ملزمون بالاهتمام وبالانتباه إلى بصمتهم البيئية”. وأشار إلى أن “هذه الإجراءات تعكس بدء عصر جديد في السينما”.

فمسألة مراعاة البيئة باتت رائجة في عالم السينما برمّته، إذ على سبيل المثال لحظة تصوير أحد أجزاء سلسلة أفلام “سبايدرمان” تمت إعادة تدوير أطنان من المواد المستخدمة فيه، في حين نسج مهرجان برلين سجادته الحمراء من شباك لصيد السمك أعيد تدويرها، أما في فرنسا فستكون بعض المساعدات للقطاع مشروطة بتدابير بيئية بحلول سنة 2024.

ولكن في خضم أزمة المناخ هل من الجائز الاستمرار في جمع فرق عمل سينمائية ومنتجين وصحافيين من كل أنحاء العالم وسط أجواء احتفالية لحضور مهرجان؟

سبايك لي رئيس لجنة التحكيم لمهرجان كان السينمائي في دورته الرابعة والسبعين سبايك لي رئيس لجنة التحكيم لمهرجان كان السينمائي في دورته الرابعة والسبعين

لاحظت كارول سكوتا من شركة “أو أي كور” الفرنسية المستقلة للإنتاج شديدة الالتزام بالمسألة البيئية أن “ثمة تغييراً حقيقياً في العقلية، ولكن الأمر معقد بالنسبة إلى مهرجان كان الذي يجب أن يحافظ على مستوى احتفالي معين كأهم مهرجان سينمائي في العالم”.

وأقرّت بأن تجوّل العاملين في قطاع السينما كل سنة في أنحاء العالم من كان إلى البندقية إلى ساندانس وبرلين “ليس جيداً للكوكب”، وخصوصاً أن الجائحة “علّمتنا أن في الإمكان القيام بذلك بطريقة مختلفة”، من خلال اعتماد صيغة غير حضورية لبعض اللقاءات أو الجلسات.

أما مدير مهرجان “ليزارك” السينمائي في جبال الألب غيّوم كالو الذي يعمل على وضع ميثاق للمهرجانات الدولية في هذا المجال، فرأى أن “تنظيم أي شيء يؤدي حتماً إلى تلوث”، لكنه شدد على أن للسينما “قوة إيجابية”، كما مثلاً “عندما يأتي 20 ألف شخص لمشاهدة فيلم ويغادرون مقتنعين”.

واعتبر الخبير في منظمة “ذي شيفت بروجكت” المتخصصة سيمون فالنسي أن ثمة “انفصاماً في الشخصية” في الوسط السينمائي الذي يحاول إنتاج أفلام “تحمل رسالة” بيئية، ولكن باستخدام وسائل مستهلكة للطاقة.

وشدد على أن الإجراءات التي أعلنها مهرجان كان تشكّل خطوة “مشجعة” لكنها غير كافية في ضوء الوضع الراهن، فنظام المهرجانات الكبرى القائم راهناً سيواجه استنفاد الوقود الأحفوري والتزامات اتفاق باريس للمناخ.

ميادين الحرية - وكالات

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال