عدالة القضاء.. حلم الإنسانية الأبدي

 قراءة تراثنا الشعري من جديد تعيد إلينا ذاكرة الشباب وذكرياته، ونتوقف طويلا عند تجاربهم التي اكتسبوها في حياتهم، وهذا أبو الطيب المتنبي- مالئ الدنيا وشاغل الناس- ما زال يسمعنا كثيرا من أبيات الحكمة. ولأن وباء الفساد منتشر في عصرنا أكثر وأخطر من كورونا، والقضاء العادل هو الهيئة الوحيدة القادرة على علاج هذا الوباء، إذا كان مستقلا فعلا. يقول أبو الطيب في مدح أحد القضاة:

قاضٍ إذا التبس الأمران عنَّ له

رأيٌ يخلّصُ بين الماءِ واللبنِ

تأملت طويلا في هذا البيت وأخذني التفكير إلى كثير من القضايا الفردية والجماعية التي تبقى تدور من محكمة إلى محكمة أعلى بدون أن يتخذ فيها حكم قضائي مبرم، ويرحل المطالبون بالعدل والإنصاف قبل أن يصلوا إلى بر الأمان. وأقف اليوم عند الانفجار الكبير في مرفأ بيروت وأستمع إلى العديد من أهالي الضحايا وهم يطالبون في التحقيق على أمل أن تظهر الحقيقة ويتم إنصاف المظلومين، لكني لا أدري أي قاض نزيه يستطيع أن يصل إلى كشف الحقيقة المرة التي سببت هذه الكارثة البشرية والاقتصادية الفظيعة، وأين سيجد الحقيقة؟ وهل يمتلك الإرادة الحرة والقوة القانونية المستقلة لكشفها، وهو محاط بكل هذا التناقض السياسي والاجتماعي الموجود على أرض الواقع؟

وضعت نفسي للحظات، بل لساعات من التفكير مكان قاضي القضاة الذي يستطيع أن يقف مع ضميره وعلمه واستقلاله، بعيدا عن ضغوط الأحزاب والإديولوجيات والمصالح الأنانية الضيقة بكل أنواعها وأمراضها، لكي يأخذ قرارات غاية في الصعوبة، بدءا من التحقيق مع شخصيات لا يجرؤ أي قاضٍ على استدعائها أو مساءلتها إلا إذا كان من صانعي المعجزات أومن طالبي الاستشهاد. سنة كاملة مرت على هذه القضية بكل ملابساتها من وقت الدخول إلى المرفأ إلى التخزين وإلى وقوع التفجير الفظيع. وفي هذا السياق، رحت أستعرض في الذاكرة عددا من القرارات التاريخية التي اتخذتها الأمم المتحدة في أشياء مصيرية تخص العالم، وقرارات تنصف العديد من الضحايا، أفرادا وشعوبا تعرض أصحابها لمظالم فاجعة ولإبادات جماعية، لا تقل فظاعة عن مصير الهنود الحمر، وظلت وسائل الإعلام وهيئات حقوق الإنسان وأهالي الضحايا يطالبون ويطالبون، ولا من جواب.

كم هو قرار صعب ومصيري يفرض على القاضي أن يكون منصفا ودقيقا وشجاعا فيه، سواء في التخليص بين الماء واللبن – كما يقول أبو الطيب- أو في الحصول على المعلومات الدقيقة البريئة من جميع التحزبات والانتماءات الإديولوجية والمصلحية الطاغية في عصرنا هذا، كم على القاضي عليه أن يكون شفافا ودقيقا في تحليل المعلومات التي تصله في تفاصيل أي قضية مهما كانت كبيرة أو صغيرة، تضع بين يدية مصير إنسان فردا كان، أو جماعة، وكذلك مؤسسات اجتماعية أو رسمية كما يحدث الآن في تونس، لذلك أعتقد أن الحكم في قضية هي مسؤولية كبيرة جدا لا يضاهيها أية مسؤولية أخرى في الحياة. لله در القضاء وليكن الله مرفقا لكل من بيده قضية مصيرية تخدم الإنسانية وتحفظ الحقوق وتحقق العدا

كان صديق الزمن الجميل مستغرقا في عالم أبي الطيب المتنبي- مالئ الدنيا وشاغل الناس- وأنا أحاول بجهد مرهق، وبمساعدة المهندس ماريو، أن أتمكن من فهم بعض أسرار هذه اللغة الرقمية الغامضة، وخاصة في مجال التوفيق بين الكلمة والصورة، أعني “الفيديو”، هذه الكلمة المأخوذة من لغة لاتينية ميتة لم يعد يتكلم بها أحد، رغم أن العم غوغل يخبرنا بأنها تعني الصورة المرئية، بدون أي حاجة لترجمتها لأن الفنيين العاملين في ستوديوهات التلفزة يعرفونها ويتعاملون معها منذ أكثر من ستين سنة…

توقف الصديق عن القراءة وقال: اسمعي ما يقوله جدك أبوالطيب في مدح أحد القضاة:

قاضٍ إذا التبس الأمران عنَّ له

    رأيً يخلّصُ بين الماء واللبنِ

ومن هذه الحكمة المدهشة والمثل الأعلى في نزاهة القاضي وسمو خبرته، جالت في خاطري أنواع شتى من القضايا التي خسرها أصحابها لأن الحكم لم يكن عادلا في حسمها لسبب بسيط هو أن محامي الخصم كان أشطر من محاميه، أو لأن الوساطة – حتى لا أقول الرشوة – لعبت دورا حاسما في قرار الحكم النهائي. ومن هذا المثل الصغير، يمكن أن نطير بعيدا في التاريخ وعالمنا المعاصر من شريعة حمورابي حتى نصل إلى المحكمة الدولية ودهاليز الأمم المتحدة وحقوق الإنسان، ومن مصرع يوليوس قيصر حتى قانون قيصر وأسرار مصرع ديانا.

                        فاطمة عطفة

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال