من قال أن أمريكا ستترك الشرق الأوسط.. وما يجري على الأرض هو تكريس للاحتلال بعناوين مخادعة

 على الرغم من اعلان الولايات المتحدة الامريكية تبني ادارتها برئاسة جو بايدن استراتيجية جديدة فيما يخص منطقة الشرق الأوسط وهذا ما كرره مستشاريه في اكثر من مناسبة، إلا ان هذا الإعلان بما حمله من عناوين رسمتها هذه الادارة لا يرقى لمستوى التغيير الاستراتيجي في منطقة استراتيجية بالغة الأهمية من حيث الصراع الدولي عليها وما حدث من متغيرات كبيرة على مستوى الملفات في دول   كان قد هندس لحرائقها كبار البيت الابيض بساسته وامنييه وعسكرييه لعقود قادمة .

غير أن المتغيرات التي طرأت في أكثر الدول أهمية في جدول أعمال الخبراء والمنظرين الأمريكيين والغربيين والصهاينة أتت عكس ما تشتهي هذه القوى الاستعمارية لتفشل مسيرة عقود مضت وترخي بظلال أحداثها على جدول أعمال الامريكي وشركائه لعقود قادمة .

هذه المتغيرات بدأت بفشل مشروع واشنطن من خلال رعايتها وادارتها لما عرف بالربيع العربي وبذا فشلت استراتيجيتها بالادارة من الخلف لمجمل ملفات هذا الربيع مما دفعها للتقدم بالقيادة من الامام بشكل مباشر وعلى الرغم من هذا التقدم لم تستطع واشنطن التقدم لتحقيق ابسط أهدافها من هذا التحرك العدائي في عدة ملفات واهمها الحضور مرة اخرى بوجه آخر وذريعة أخرى كانت قد خلقتها وهي محاربة الارهاب لتدخل ادارة العدوان في حربها على سورية، واعادة هيبتها الاقليمية من خلال عودتها الى العراق الذي كانت قد طردت منه مذلولة بفعل العمل المقاوم لابناء العراق .

ومع وصول بايدن للحكم وجد نفسه وفريقه امام جملة من الأزمات التي منيت بها كل الاستراتيجيات الامريكية السابقة االتي عنونت بالفشل ابتداءا من  الاستراتيجية الامريكية التي تبعت احداث الحادي عشر من سبتمبر وغزو افغانستان والعراق وصولا الى استراتيجيتهم التي عرفت بالفوضى الخلاقة والتي عبرت عنها احداث الربيع العربي وانتشار الارهاب الدولي المدعوم من واشنطن  في دول هذا الربيع  الذي حكم عليه ايضا بالفشل . لتأتي هذه الادارة بحاجة لمشروع يعيد لها هيبتها المفقودة نتيجة صمود الدول المستهدفة في منطقة الشرق الاوسط ابتداءا من فلسطين المحتلة وصولا لمحور المقاومة الداعم الحقيقي للقضية الفلسطينية والمقاومة الفلسطينية .

فكانت الاستراتيجية الامريكية الجديدة في الشرق الاوسط ليس الا عنوانا اعلاميا كبيرا ارادت من خلاله واشنطن ان تقول: ما زلت موجودة ولدي السلطة العليا في  العالم .

وبالنظر الى بنود هذه الاستراتيجية من العودة للاتفاق النووي مع ايران الى مشروع لا حروب ابدية تخوضها واشنطن وما نتج عنه من خديعة خروج القوات الامريكية  من الشرق الاوسط ، وتخفيض عدد القوات وسحب جزء من تراسانات الاسلحة في منطقة الخليج وحماية حقوق الانسان كل هذه العناوين من هذه الاستراتيجية الامريكية الجديدة ليست سوى فقاعات اعلامية تفيد الادارة الامريكية المهدد عرشها الإمبراطوري عبر صعود قوى عالمية منافسة وبشدة لهذا العرش .

تحاول واشنطن من خلال تحركاتها الماضية من سحب بعض القوات والعتاد من بعض دول الخليج الى دول اخرى وفي هذا التحرك استراتيجية امريكية تحتاجها في المرحلة القادمة وتكون بذلك اقرب هذه القوات من الكيان الصهيوني لطمأنته بأنها لن تتخلى عن دعمه وحمايته ، بعد امتعاض الكيان من عودة بايدن الى الاتفاق النووي الايراني واجراء مباحثات فيينا ، ولابد من الاشارة هنا ان الادارة الجديدة مضطرة للسير في اتجاه المفاوضات مع ايران التي مارست ضدها اقسى العقوبات الاقتصادية وشنت ضدها اعمال عدوانية استهدفت منشآتها النووية  وسلسلة تفجيرات واغتيالات واستطاعت ايران ان ترد بقسوة على كل هذه الاعتداءات بل وزادت من وتيرة برنامجها النووي مما دفع هذه الادارة مجبرة لإعادة  العمل بالاتفاق النووي الذي كان الرئيس الامريكي ترامب خرج منه إرضاءا للوبي الصهيوني .

اما عن عامل اعادة الثقة بالولايات المتحدة الامريكية ..عملت واشنطن على اعلان انسحابها وبشكل مفاجئ من افغانستان و بدأت بسحب قواتها منه بعد قرابة  عشرون عاما من احتلالها له لتستخدم هذا الانسحاب والذي لا خيار لديها سواه بعد الهزائم والخسائر الفادحة التي منيت به رسالة للرأي العام بأن هذه الادارة جادة بما تقوله في محاولة لتضليله في دول اخرى مثل العراق وسورية التي تواجه فيهما قواتها رفض شعبي كبير مصحوب بأعمال هجومية من قبل قوى المقاومة في هذه البلدان .

وكانت الخطوة الاكثر اهمية من خلال هذه التحركات الامريكية هي ما تواجهه في العراق واستهداف قواتها من قبل المقاومة العراقية والمظاهرات الشعبية الواسعة المطالبة بخروجها منه لانتفاء الحاجة لهذه القوات بعد هزيمة العراق لقوى الارهاب الدولي .

امام اهمية العراق في السياسة الامريكية والتي سعت جاهدة لعدم الخروج منه بعد العدوان عليه عام ٢٠٠٣  وانها خرجت منه مجبرة عام ٢٠١١  بفعل المقاومة الشعبية سعت واشنطن للعودة اليه من بوابة اخرى وهي مساعدة العراق على مكافحة الارهاب لتعود القوات الامريكية المحتلة للعراق ضمن اتفاقيات ابرمت من بعض المسؤولين وليس مع الشعب .

واليوم مع التسويق للمحادثات التي لعب فيها مصطلح استراتيجي دور مضلل ايضا بين واشنطن وبغداد وبالنظر لمخرجات هذه المحادثات ومن البيت الابيض ايضا تخرج التصريحات  بانتهاء الاعمال القتالية الامريكية في العراق نهاية هذا العام على ان يقتصر التواجد الامريكي فيه بذرائع استشارية وامنية .

وبالنظر لما جاء في العديد من الصحف الامريكية مثل النيويورك تايمز لم تستبعد مصادر  في وزارة  الدفاع  الامريكية والبيت الابيض امكانية ان تحافظ الولايات المتحدة على وجودها العسكري الحالي في العراق من خلال تغيير وظائفهم على الورق .

كما جاء في موقع اتلانتك كانسل الامريكي اعلان الانسحاب الامريكي من العراق هو خدعة دبلوماسية مفيدة لإدارة بايدن واضافت بأن قوات عسكرية خاصة ستبقى في العراق تحت مسمى المهمة الاستشارية .

وبالنظر الى تصريحات كل من رئيس الحكومة العراقية والرئيس بايدن ندرك تماما حجم التآمر بين الرجلين على الشعب العراقي وما هذه الحملة الدعائية التي سبقت اللقاء وأثنائه الا لتضليل الرأي العام الدولي والعراقي على وجه الخصوص بهدف التسويق لهذه المحادثات التي عنوانها الاكبر خروج القوات كل القوات اما مضمونها بقاء هذه القوات ضمن مسميات اخرى .

لتأخذنا هذه المباحثات لدحض كل هذه الاستراتيجية الامريكية الجديدة التي كان احد اهم عناوينها هو حماية حقوق الانسان وهذا العنوان يدفعنا للتساؤل اليس حق تقرير المصير ضمن حقوق الانسان لو كانت الادارة الامريكية وعبر استراتيجيتها تحترم حقوق الانسان وجادة في هذا لكانت خرجت من العراق لان ارادة ابنائه وبرلمانه ومقاومته يرفضونها ولكانت خرجت من سورية والشعب السوري يرفض تواجدها ولخرجت من منطقة الاوسط برمتها لان الشعوب ترفضها وتمقتها .

لكن منطقة الشرق الأوسط بكل ما تمتلكه من  عوامل  قوة جغرافية وبشرية واقتصادية وفيها تتم صناعة النظام الدولي من نظام القطبين الى القطب الواحد والآن تشهد هذه المنطقة على المنازعات الدولية على اراضيها لتعلن عن الفائزين والخاسرين في حرب اعادة تشكيل النظام العالمي الجديد برؤوسه المتعددة وحتى تأتي هذه النتيجة بالحسم ستبقى واشنطن تلاحق ما بقي لها من متنفس لإعادة هيمنتها على هذه المنطقة التي ستعيدها بثبات للكرسي الامبراطوري ، وهذا لم يعد ممكنا .

لربما تختلف هذه الاستراتيجية عن سابقاتها بحمولتها الكبيرة من الهزائم التي دفعت بهذه الادارة لاتخاذ قرار انهاء الحروب الطويلة والانتقال الى الضربات الانتقائية المحدودة الاتساع ومضمونة النتائج وذلك يتم عبر التوافق مع حكومات في الشرق الاوسط عبر اتخاذ استراتيجية التموضع الهادئ والعدوان الخاطف .

الدكتورة حسناء نصر الحسين - باحثة في العلاقات الدولية – دمشق

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال