الرجل الذي أسعد الجميع واكتأب منفرداً.. صلاح جاهين الذي قتله أمله

 حين يكتب البعض عن سيرة الراحلين يكتبون أرقاماً وإحصائيات لإنجازاته، الميداليات والأوسمة، ولكن سيرة الإنسان -في نظري- ليست أرقاماً، الحكايات لا يمكن أن نعبر عنها في معادلات جبرية من مجهول أو اثنين، الإنسان رواية تشمل مجموعة قصصية، وخيوطاً مترابطة تربط الأمس بالغد، وتربط الصديق والعدو، وتتداخل وتتشابك لتكوّن هذا الجسد، فيذهب الجسد وتبقى الخيوط والخطوط والحكايات.

صلاح جاهين، أو أبو صلاح كما كان يُحب أن يقال له، تقف عاجزاً أمام شخص مثله، السهل الممتنع، يتحدث ببساطة وتفهمه، ولكن عندما تتحدث عنه لا تستطيع إلا أن تقول: "صلاح جاهين صانع البهجة.."، الأب الروحي للعديد من صانعي الفن الحقيقي، وصديق عزيز للكثيرين بالأمس واليوم، فيلسوف عظيم بفكر بسيط، ورسام كاريكاتير سياسي من الدرجة الأولى، ومع ذلك لن يتركك تشعر بالتعقيدات السياسية، فقط تجد نفسك تذهب كل أسبوع تشتري جريدة الأهرام لتنظر "ماذا قدم أبو صلاح هذه المرة وكيف سيجعلنا نضحك؟".

كانت مسيرة الضباط الأحرار مصدر إلهامه، وكان العدوان الثلاثي على مصر تشجيعاً عظيماً للأمل في روحه، راح وكتب العديد من الأغاني، فسمعنا عبدالحليم حافظ يغني له "صورة للشعب الفرحان تحت الراية المنصورة"، وأيضاً "يا أهلا بالمعارك يا بخت مين يشارك بنارها نستبارك ونرجع منصورين"، و" بالأحضان يا بلادنا يا حلوة بالأحضان".

ولكن كانت النكسة سبباً في مقتل صلاح جاهين، حين غنت أم كلثوم أغنيته "راجعين بقوة السلاح"، وراح جاهين في حالة اكتئاب حتى إنه ترك مصر وذهب للعلاج في مصحة نفسية في موسكو، كان يحمل نفسه ذنب الهزيمة وبيع الأوهام للناس، حتى قابلته ابنته الروحية سعاد حسني، وكعادة روحها المرحة المحبة للحياة شدت أزره، وبعد عودتها بفترة عاد صلاح جاهين لبلده يعيد للناس البهجة.

توجه جاهين هذه المرة للأعمال المرحة، وكتابة الاغاني البسيطة، فكتب لأول مرة سيناريو سينمائياً وكان لفيلم "خلي بالك من زوزو"، الذي حقق نجاحاً كبيراً نظراً لحالة اليأس التي أصابت الشعب وكانوا في احتياج تام لكل ما ينسيهم الألم، وكتب كذلك "أميرة حبي أنا"، ولكن لم يكن هذا محط إعجاب من المفكرين والأدباء والمثقفين من جيل صلاح جاهين، بل إن جميع النقاد أنكروا عليه بعد أن يكتب أغاني الثورة -23 يوليو- أن يكتب "خلي بالك من زوزو"، ولكنه كان نفسه يحتاج لأن ينسى السياسة كذلك، الحقيقة أن جاهين لم يكن قد شفي بالكامل من اكتئابه، بل إنه كان يهرب من ألمه النفسي بالأعمال التي وصفها النقاد بـ"سينما العوالم"، ولكن ظهر حزنه الحقيقي في الرباعيات فقال:

أنا شاب لكن عمري ألف عام

وحيد لكن بين ضلوعي زحام

خايف ولكن خوفي مني أنا

أخرس ولكن قلبي مليان كلام

كان جاهين من محبي جمال عبدالناصر، لا أجزم أنه كان يسارياً، ولكن حاله من حال جميع الشعب حينها، يرون الرئيس الراحل رمز العزة والنصر -حتى إن هُزموا- كان جمال محبوباً عنده وقال فيه جاهين:

حتى رسول الله مات وأمر الله لا بد يكون

بس الفراق صعب واحنا شعب قلبه حنون

وحشتنا نظرة عيونك للبلد يا جمال

والحزم والعزم فيها وحبها المكنون

وحشتنا عبسة جبينك وأنت بتفكر

ونبرتك وانت بتعلمنا وتفسر

وبسمة الود لما تواجه الملايين

وقبضة اليد لما تدق ع المنبر

كان رحيل جمال عبدالناصر بمثابة نكسة أخرى في نفوس العديد من الناس، عبدالحليم حافظ، أم كلثوم، محمد عبدالوهاب، إسماعيل ياسين، بليغ حمدي، وصاحبنا صلاح جاهين، فكانت جنازة مهيبة، وكان حداداً في كل بيت مصري حينها.

قدم جاهين العديد من الرموز المؤثرة في السينما والإذاعة المصرية مثل الفنان الراحل أحمد زكي، الذي رشحه أكثر من مرة لأكثر من مخرج في أكثر من دور، فلم يحالف زكي الحظ وكاد ينتحر بتهشيم كوب زجاجي في رأسه، حينما رفض موزع فيلم الكرنك تواجده في البطولة أمام سعاد حسني، واصفاً إياه: "ده أسمر وشكله وحش أوي". حينها تلقى الدعم من سعاد والمخرج علي بدرخان وحتى نور الشريف، وكان بطبيعة الحال اجتماع الدعم هذا في مكتب صديق الجميع أبو صلاح، حينها قال له جاهين: "يا تقف على رجلك وتنسى كل الهبل ده، يا تنسى التمثيل خالص"، ولم يستطع جاهين أن يترك السياسة كثيراً، فعاد ومثل الحكاية الشعبية مُحملاً شخصياتها رموزاً سياسية ليتبنّى جاهين "أحمد زكي" في فيلمه "شفيقة ومتولي" وتكون أول بطولة مطلقة لزكي أمام سعاد حسني، وبعد ذلك رأينا الفنان القدير في أفلام عديدة ليصبح فتى الشاشة الأول.

دعم جاهين الكثيرين بكلماته وأعماله مثل عبدالحليم حافظ، فكان يجتمع "أبو صلاح " و"حليم" والملحن كمال الطويل ويقدمون روائع للإذاعة المصرية، وكذلك الفنانة سعاد حسني، فكان مستشارها الفني والأب الروحي لها، كانت تلجأ له -كما ذكرت في مذكراتها- في جميع أمور حياتها.

فتتشكل أيقونة أبو صلاح في حياة الجميع من حوله، ويكون الملجأ لمن تتخبطهم الحياة ويتخبطونها، فيرحل بعد أزمة صحية في 21 أبريل/نيسان عام 1968م، ويتأثر الجميع بوفاته، حتى إن الراحلة سعاد حسني اعتزلت التمثيل بعدَه 4 سنوات، وعانت من اكتئاب رحيل أبيها الروحي وصديقها العزيز حتى وفاتها الغامضة.

خيوط وخطوط كثيرة شكلت جاهين وشكلها جاهين، لم يكن مجرد صديق أو شاعر، كان بسيطاً بقدر عمق تفكيره ومعانيه، كان سهلاً بقدر صعوبة اكتئابه واضطرابه الوجداني، كان شاعراً وطنياً من الدرجة الأولى، يسخر من الدنيا بقلمه ويسخر من الاكتئاب، المهم أن يرى شيئاً واحداً في عيون الناس، وخاصة شعبه؛ الأمل، الأمل الذي قتل صلاح جاهين.

رضوى موسى - كاتبة مصرية

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال