آراء مغاربية - المغرب | موسم الهجرة بين الأحزاب بحثا عن مقعد بأي لون

 الرحيل والترحال السياسي بين الأحزاب أصبحت رياضة حزبية مغربية بدون روح رياضية تتفشى وتزداد سرعةُ وتيرتها وممارسوها، في المغرب، مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، وقد تحولت الساحة السياسية المغربية، منذ أيام، إلى سوق نخاسة يرقى إلى مستوى اتجار مكشوف بالبشر (وليس في البشر فالفرق بيِن واضح عكس الهلال الهجري الذي لا يظهر إلا في آخر لحظة أكثر من الثعلب الذي يظهر ويختفي).

.. والخطير أن بعض الأحزاب التي ظلت، لعقود انتخابية، تكفر بهذه الممارسة وتنتقدها وتحاربها أضحت تمارسها وتُنظِر لها وتفتي في ختم خاتم ” حلال” على “جبهتها”.

بل إن الهجرة بين الأحزاب، جيئة وذهابا (aller et retour)، ارتقت إلى مستويات يستحسن أن تقاس بسلم “ريشتر” لقياس درجات الزلزال الانتخابي الصاخب الذي، للأسف، يصاب بالشلل والخرس داخل قبتي البرلمان طيلة سنين الولاية النيابية كما يُصاب به تجار الأصوات ممن لا علاقة لهم بالنضال السياسي، فعلاقتهم هي أشدُ حبا وهياما باللقب البرلماني ومشمولاته غير السياسية.

والغريب أن هذه الممارسة المغربية اللصيقة بــ “مَغرَبة” الديمقراطية، منذ سنوات، أضحت تسير في كل الاتجاهات من اليمين إلى الوسط ومن الصح إلى الغلط ومن الوسط إلى اليسار ومن يسار اليمين إلى يمين الوسط ومن الأسفل إلى الحضيض …. إلى مجاري وادِ الديمقراطية الحار حين يطفح بالقاذورات…..

ترحال حزبي تحولت دروبه إلى طرق سيارة بالأداء، ولا يقبل التعامل عبر الأبناك، بل ارتفعت حرارة العملة المعتمدة في الأداء النوعي المتفق عليه أو المكتوم أو السري أو liquide، والجميع يحمل سكاكينه لاقتطاع هذه الدائرة أو تلك واحتساب الأصوات المؤكدة أو المحتملة، أو الموعودة، وتلك المؤدى ثمنها مُسبقا… بعد أن انتهت “حيحة” القاسم الانتخابي ومسلسلها، وقُضِمت كعكة اللُعبة التي نالت مباركة المحكمة الدستورية، في انتظار نجاعة أو وضاعة أحكام صناديق الاقتراع وما يتخللها من تقنيات اصطياد الداعمين والمصفقين وصفقات الدعم والأخذ والعطاء، فالكل يؤمن بالرحيل والترحال الذي لم تغلِ( من الغليان) بورصته أكثر من طنجرة الديمقراطية المغربية القحة، المزيدة والمُنقحة.

وهناك أحزاب سياسية مغربية تنتعش وتزدهر خلال موسم الترحال السياسي في المغرب (الذي تحول إلى سوق عشوائي)، عن طريق جلب الأعيان والكائنات الانتخابية، ومن لهم “حظوظ” خاصة للظفر بمقعد برلماني أو جماعي، لأن أساس تواجدها أصلا واستمرار تمثيلها في المؤسسات يقوم على الترحال واصطياد الكائنات الانتخابية من “سوق نخاسة اللعبة الديمقراطية المغربية”. لذا وفروا علينا (من الآن) دموع التماسيح حين تنكشف نسبة المشاركة المتدنية والهزيلة ويتباكى عليها من طعنوها في الظهر أوفي صميم الفؤاد.

فالترحال الحزبي له علاقة بكل شيء إلا بالديمقراطية، فليس بينهما أي شيء ولو من قبيل شعرة معاوية أو نسيج بيت العنكبوت (أوهن البيوت)، لكنه يصنع شباكه ويصطاد بها كل شيء في أعماق “القادوس الديمقراطي” الانتخابي المتلاطم الأمواج، عشية كل استحقاق تشريعي أو جماعي/ ترابي…

وهي ممارسات تتناقض كليا مع ما ينص عليه الفصل 7 من الدستور المغربي حين يؤكد على أن “تعمل الأحزاب السياسية على تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي، وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية، وفي تدبير الشأن العام، وتساهم في التعبير عن إرادة الناخبين، والمشاركة في ممارسة السلطة، على أساس التعددية والتناوب، بالوسائل الديمقراطية، وفي نطاق المؤسسات الدستورية”. غير أن ظاهرة الترحال السياسي المرتبطة أساسا بالانتخابات (حيث تستفحل عشية كل استحقاقات تشريعية وجماعية) لا تدخل ضمن مشمولات الفصل 7 وتبقى ضمن ما ينظمه قانون الأحزاب وأنظمتها الداخلية، وتشير الفقرة 6 من الفصل 7 إلى أنه “يجب أن يكون تنظيم الأحزاب السياسية وتسييرها مطابقا للمبادئ الديمقراطية”. وغالبا ما يصرح الهاربون من أحزابهم بأن ترحالهم يتطابق مع المبادئ الديمقراطية، ولهذا يختارون الوقت بدل الضائع للترحال.

كما أن الدستور في فصله 61 وكذا القانون التنظيمي للأحزاب السياسية منعا الترحال السياسي في المغرب، والذي أصبح يشمل جميع المهام الانتدابية وليس فقط البرلمان، بل إن قرار المجلس الدستوري (المحكمة الدستورية حاليا) الصادر في 20 أكتوبر 2011، ملف عدد: 11/1172، قرار رقم:11/ 818 م.د، أرسى مبدأ الوفاء السياسي، واعتبر “أن حرية المنتخب في تغيير انتمائه السياسي مقيدة بحقوق الناخبين وحقوق الهيئات السياسية التي رشحته لمهام انتدابية، في نطاق تعاقد معنوي بين الطرفين”. ولكن الراحلين لا يكترثون بهذا الشرط، حيث لا يعيرون أي اعتبار لأي شيء ولأي كان، وهمهم الأساس هو السباق نحو مقعد مضمون العوائد والريع.

ونص ذات الفصل 61 من الدستور على أنه “يُجرَّد من صفة عضو في أحد المجلسين، كل من تخلى عن انتمائه السياسي الذي ترشّح باسمه للانتخابات أو عن الفريق أو المجموعة البرلمانية التي ينتمي إليها”.

وقد ساهم الفصل المذكور، نسبيا، في الحد من ظاهرة الترحال السياسي في البرلمان المغربي، فخلال الولاية البرلمانية الحالية 2016ـ 2021، عرفت تجريد 7 برلمانيين من صِفتهم من قبل المحكمة الدستورية بسبب الترحال، مقابل تسجيل 111 حالة تجريد خلال الولاية البرلمانية 2011-2016.

لكن هذه المعطيات لا تؤشر على محدودية الظاهرة لأن المعنيين بالترحال الحزبي/ السياسي يعرفون من أين تؤكل الكتف وكيف ومتى يحتالون على المقتضيات الدستورية والنصوص القانونية والتنظيمية المعتمدة، بحيث تتحرك جحافل “الرحالة الانتخابيون” في واضحة النهار وأطراف الليل، ويُقبِلون على فعل الترحال عشية الاستحقاقات الانتخابية، أو كما يقول الضالعون في دهاليز لعبة كرة القدم ” في الدقيقة 90″ أي نهاية المباراة التي لا يبقى فيها للجزاءات المقررة أي مفعول سياسي ومالي (إذا تم التجريد من الصفة الانتدابية).

لقد أصبح الترحال رياضة لصيقة بكل استحقاق انتخابي يمارسها محترفو الانتخابات بوجوه مكشوفة آمنين مطمئنين ونفوسهم راضية مرضية، لا يخشون مساءلة ولا محاسبة، بمباركة من هنا وهناك، وشعارهم “عاشت الديمقراطية المغربية”، أما الديمقراطية tout court فهم منها براء، وهي طبعا لا تعترف بهم ولا بممارساتهم ومناوراتهم وباستهتارهم بالناخبين وبحقوق الناخب.

بوشعيب دوالكيفل - موقع لكم

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال