أمن السلطة يصعد بالضفة وسجونه تعج بالمعتقلين السياسيين

 "تعرض ابني لتعذيب شديد فقد على أثره القدرة على التبول والذهاب إلى المرحاض، ووصل لوضع صحي صعب للغاية كاد يؤدي به للموت" بأعلى صوته صدح المواطن الفلسطيني كايد صبَّاح بهذه الكلمات مطالبا بالإفراج الفوري عن نجله ياسين (22 عاما) وآخرين من أبناء قريته والمعتقلين سياسيا في سجون السلطة الفلسطينية منذ 45 يوما.

عند دوار الشهداء وسط مدينة نابلس شمال الضفة الغربية اعتصم أبو ياسين وزوجته والعشرات من أهالي قريته عوريف (جنوب نابلس) ظهر الأحد رفضا لاستمرار اعتقال السلطة الفلسطينية العشرات من أبنائهم في سجونها والذين يخوض عدد منهم إضرابا مفتوحا عن الطعام منذ بضعة أيام.

ويقول أبو ياسين الذي حمل بيده يافطة كرتونية كتب عليها (الاحتجاجات الشعبية ليست إرهابا ولا شروعا في القتل) إن نجله تعرَّض لتعذيب شديد داخل "مسلخ" (سجن) أريحا خلال التحقيق وبعده، وهو ما أفقده الوعي والقدرة على الذهاب للمرحاض "لقضاء حاجته" وأكد أن العديد من المعتقلين ينقلون يوميا للمستشفيات.

وأوضح في حديثه للجزيرة نت أن ابنه والآخرين لم يثبت بحقهم أي اتهام "رغم تعرضهم للتعذيب الشديد، وأنهم اعتقلوا نتيجة تقارير كيدية". وأضاف أنه هو من "سلَّم ولده بيده للأمن" لأنه متأكد من براءته ورغم ذلك يعتقل ويُعذب.

وأكد أبو ياسين أنهم بعثوا برسائل "لجميع العقلاء" لإطلاق سراح نجله والآخرين، إلا أن أحدا لم يستجب لهم، وتساءل فيما إذا كان عليه تسلم نجله "جثة هامدة".

بين معتقل ومطارد

ومن قرية عوريف وحدها تعتقل أجهزة أمن السلطة حوالي 25 شابا (11 منهم يضربون عن الطعام) ولا تزال تطارد أكثر من 30 آخرين وتتهمهم بإثارة الشغب إبان أحداث القدس والحرب الأخيرة على غزة، وهو ما يرفضه الأهالي وأبناؤهم ويؤكدون أن اعتقالهم بسبب خروجهم بمسيرات مؤيدة للمقاومة بغزة خلال معركة "سيف القدس" الأخيرة.

تقول خلود صباح (والدة ياسين) إنها عرفت عبر معتقلين أفرج عنهم أن نجلها يُعاني ظروفا صحية قاسية للغاية، وإنها وبعد محاولات عدة تمكنت من زيارته من وقت قريب في سجنه لتجد أن وزنه نقص نحو 30 كيلوغراما.

وتقول إنها وعائلتها يعيشون قلقا مزدوجا وبين نار اعتقال نجلها ياسين ومطاردة اثنين آخرين من أبنائها "أحدهم غائب عن منزله وأطفاله منذ أكثر من شهر".

طالب ثانوية

ومثل خلود حضرت والدة المعتقل أسامة حافظ إلى الاعتصام وكانت تحمل بطاقة "رقم الجلوس" الخاصة بامتحان الثانوية العامة حيث من المفترض أن يكون بين زملائه الآن لتأدية الامتحانات.

وتقول للجزيرة نت إن هذا الاعتقال أفقد نجلها سنة من عمره بسبب تغيُّبه قسرا عن الامتحان، كما أن الأجهزة الأمنية لا توفر له بسجنه ظروفا تساعده على الدراسة "وهي تحتجز معه 13 معتقلا بالغرفة".

وتعتقل السلطة في سجونها عشرات الفلسطينيين "سياسيا" كما يقول ذووهم وتؤكد مؤسسات حقوقية، ولكنها عادة ما تنفي ذلك وتقول إن اعتقالهم لأسباب أخرى أو "أمنية".

من جهتها اعتبرت منى منصور النائب السابق بالمجلس التشريعي أن المواطن الفلسطيني بالضفة الغربية يفتقد فعلا لحرية الرأي والتعبير "لأنه يعيش بين سندان الاحتلال ومطرقة السلطة التي تكمم الأفواه".

وتأتي هذه الاعتقالات السياسية في ظل حالة قمع تشنها أجهزة أمن السلطة ضد المواطنين والصحفيين على حد سواء، الذين يخرجوا لليوم الرابع في مظاهرات منددة بمقتل الناشط السياسي نزار بنات على أيدي الأجهزة الأمنية الخميس الماضي.

حتى الصحافة

وتقول الصحفية نجلاء زيتون -التي تعرضت للضرب المبرح ومصادرة هاتفها النقال- إنها كانت تغطي مسيرة تضامنية مع نزار بنات أمس، وتعرضت للضرب المباشر من عناصر أمنية بالزي الشرطي وآخرين بالزي المدني "وتمت سرقة هاتفي بعد ضربي بالعصا على يدي ودفعي أرضا".

وتضيف نجلاء التي تعمل في شبكة "قدس" -في حديثها للجزيرة نت- أنها وصحفيين آخرين كانوا يغطون المسيرة ففوجئوا بمسيرة مضادة لهم و"مؤيدة للسلطة" تخترق فعاليتهم، ويقوم أفراد منها ومن الأمن، يرتدون الزي المدني، بالاعتداء عليهم وضربهم مباشرة ودون تحذير.

وتابعت أن أحدهم لاحقها بين الجموع وحاول اعتقالها بعد رشقها بحجر، وتقول "هذا العنصر كان قد هددني قبل يومين بدوسي تحت قدمه ونعتني بالكلبة".

ومثل نجلاء دونت الصحفية فيحاء خنفر الاعتداء عليها وكيف أنها تعرضت لهجوم أدى لرضوض في يدها، كما رفض الطاقم الطبي بمستشفى رام الله الحكومي تسجيل إصابتها بأنه "اعتداء" من الأجهزة الأمنية وإنما من "آخرين".

إدانة دولية

وأظهرت صور ومقاطع فيديو ملاحقة عناصر الأمن الفلسطيني للمتظاهرين والاعتداء عليهم وسط رام الله بشكل سافر وسحلهم بالشوارع، وهو ما دعا مؤسسات حقوقية وأخرى دولية لرفض ذلك، وقال بيان لمكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وصل الجزيرة نت إنهم يشعرون "بالصدمة" من سلوك الأمن الفلسطيني "الوحشي" ضد المتظاهرين برام الله.

ودعا البيان السلطة الفلسطينية لضمان حرية الرأي والتعبير، وطالب بالتحقيق في "استخدام القوة المفرطة وغير المبررة، ومحاسبة المسؤولين بمن فيهم من أعطوا الأوامر".

كما أعرب مكتب ممثل الاتحاد الأوربي لحقوق الإنسان عن استيائه الشديد للسلوك "الوحشي" للأمن الفلسطيني ضد المتظاهرين برام الله، وطالب السلطة بضمان حرية التعبير قائلا إنه يتابع عن كثب ما يجري ولن يتم التسامح مع انتهاكات حقوق الإنسان.

وفي الوقت الذي مثل فيه 10 معتقلين أمام النيابة العامة برام الله صباح الأحد بتهمة التجمهر غير المشروع، في إشارة للمشاركة بالمظاهرة المنددة بمقتل نزار بنات، نفى طلال دويكات الناطق باسم أمن السلطة وجود أي عناصر أمن بلباس مدني عند دوار المنارة برام الله خلال مسيرة الأحد.

المصدر : الجزيرة

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال