آراء مغاربية - الجزائر | السلطة الجزائرية كسبت طاعة الجيش وخسرت كل شيء

 التداخل بين السلطة السياسية الجديدة في الجزائر وبين المؤسسة العسكرية أخذ بعدا مكشوفا، وضلوع العسكر في المشهد السياسي لم يعد خافيا حتى قبل الانتخابات النيابية.

اختصر تصريح الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، عقب تصويته في الانتخابات النيابية، عائدات الاستحقاق برمته على السلطة، منذ بلورة قرار حل البرلمان السابق، إلى الإعلان عن النتائج وترسميها بعد أيام قليلة. فالمهم بالنسبة إليه هو تجديد الهيئة التشريعية وليس البحث عن شرعية شعبية.

عندما قال الرئيس تبون “لا تهمني نسبة المشاركة في الاقتراع، الأهم هو انتخاب نواب جدد يمثلون من انتخبوهم، ويضطلعون بالمهمة التشريعية”، فإنه بقوله هذا أبرز حاجة السلطة إلى هيئة تكون أولى مهامها النظر في مشروع حكومي يجيز تعدي الجيش الجزائري لحدوده الإقليمية، في إطار العقيدة الجديدة التي وضعها دستور البلاد الجديد.

ولأن المشروع في حاجة إلى تزكية ثلثي الأعضاء بموجب الدستور الجديد، فان السلطة بهذا المخرج الذي انتهت إليه الانتخابات التشريعية تكون أكثر المبتهجين، لأن غياب أغلبية مطلقة وتوزيع الكعكعة البرلمانية على شركائها بشكل متقارب يضعها في حالة طمأنينة على المشروع الذي لم يبق أمامه إلا التزكية المذكورة والغطاء السياسي الدولي أو القارّي.

وبهذا المآل يعود للأذهان تصريح محمد لعقاب مستشار الرئاسة السابق ومدير حملة الرئيس تبون عندما صرّح لوسائل إعلام محلية أن “الدستور الجديد تمت صياغته وفق إملاءات خارجية، وأنه جاء لمواكبة قيم عالمية”، الأمر الذي لا يبعد مراجعة عقيدة الجيش من ضمن تلك الإملاءات.

موقف الأطراف الفاعلة في المشهد الإقليمي، وعلى رأسها فرنسا، من بلورة النسخة النهائية للدستور الجديد يشكل إلحاحا مستمرا على الجيش الجزائري للانخراط العملي في جبهة الحرب على الإرهاب، وعدم الاكتفاء بالتسهيلات والخدمات الأمنية والعسكرية التي قدمها الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة.

ولأن شرعية المؤسسات المستجدة لم تعد تزعج البلاد، بحسب تصريحات كبار مسؤولي الدولة وعلى رأسهم تبون ورئيس سلطة تنظيم الانتخابات محمد شرفي المنتشي بما بات يصفه بـ”الرئيس الحلال، والدستور الحلال، والبرلمان الحلال”، في إشارة لانبثاقهم من إرادة شعبية حقيقية حتى ولو كانت تمثل أقلية المجتمع، فان المهم في الظرف الحالي هو تمرير المشروع دون الالتفات إلى الخلف، خاصة وأن قوى وعواصم إقليمية تدعمها بشكل لا تشوبه أيّ شكوك.

وبين رسم معالم استراتيجية جديدة للجيش الجزائري في المنطقة ليصبح لاعبا حقيقيا في معادلة النفوذ في الساحل والصحراء، وبين مخاوف الاضطلاع بمهمة وكيل حرب، يبقى اللبس يلف المهمة المنتظرة لاسيما في ظل تملص جيوش القوى الفاعلة من مهامها في المنطقة، وظهور بوادر توريط الجيش الجزائري في مستنقع باتت تتحرك فيه الجماعات الجهادية على نطاق واسع.

وإن استطاعت السلطة تحقيق هذا المكسب بعد أن مرّرت استحقاقا انتخابيا لا زال يثير المزيد من اللغط بسبب مقاطعته من طرف ثلاثة أرباع الجزائريين، وإعادة إنتاج أدوات وأذرع السلطة التي ثار الشارع ضدها في فبراير 2019، إلا أنّ طبيعة وتركيبة المؤسسة العسكرية الجزائرية، لم تؤخذ بعين الاعتبار من طرف المنظرين للمشروع المذكور.

وعلى عكس الجيوش الاحترافية الأخرى يبقى حبل الجيش الجزائري السرّي مربوطا بعقيدة جيش التحرير الذي ورّثه رسائل الدفاع عن السيادة الوطنية والحفاظ على استقلال وسلامة الوطن والشعب ورفض التورّط في الأزمات الخارجية فضلا عن طابعه الشعبي، فغالبية تركيبته من أبناء الفئات البسيطة، مما يعزز مخاوف الأسر على مصير أبنائها بسبب هذا المشروع مجهول العواقب.

وتعتبر الشعارات المرفوعة في بعض المظاهرات الشعبية خلال الأسابيع الأخيرة، “الجيش انتاعنا (لنا) ويبقى في بلادنا”، أحد تجليات الوجه الآخر الذي تريد السلطة تجاوزه بالمشروعية البرلمانية وبالعلاقات الاستراتيجية مع الفاعلين في المنطقة، لاسيما في ظل تكاثرهم خلال السنوات الأخيرة.

فبعد فرنسا والولايات والمتحدة، ثم الصين وروسيا، ثم الوافد الجديد تركيا، تكون الجزائر أمام خيارات شراكة متعددة وهامش مناورة واسع، لاسيما وأن موازين القوى تشير إلى اقتسام كعكة المنطقة. والجزائر مؤهلة لشراكة مربحة في المشروع، إذا كانت المسألة تتصل بتخطيط استراتيجي، وتتجاوز هاجس توظيف الجيش المنتظر، في ضمان دعم الشركاء لموقعها أمام أزمة الاحتجاجات الداخلية والشرعية المهزوزة، التي تلاحقها منذ تنحي الرئيس السابق بوتفليقة.

لقد حققت السلطة الجزائرية المكسب الذي كانت تخطط له، لكن الحسابات تبقى مفتوحة فالجيش الذي لا يمتلك مثل هذه التقاليد، والشارع المتخوف من خطورة التجربة المجهولة، قد يتحول إلى صداع جديد. كان الأهالي يستقبلون تضحيات أبنائهم خلال العشرية الدموية بالرايات الوطنية والزغاريد، لكن لا أحد يتوقع ردة الفعل إذا سقط الضحايا خارج الحدود، خاصة وأن جيوش القوى التقليدية تريد تجنب المزيد من الخسائر في صفوفها.

ولا زال الجيش الجزائري الذي حافظ على كسب تقديس الجزائريين طيلة العقود الماضية، يدفع فاتورة التوريط السياسي له في المعترك الداخلي، فمنذ اندلاع أحداث الحراك الشعبي في فبراير 2019 تصدرت قيادة المؤسسة العسكرية واجهة المشهد، وهذا ما جرّ المؤسسة برمتها إلى تجاذبات سياسية، وأثار غضب الشارع بعد ظهور نوايا للالتفاف على مطالبها الأساسية.

وشكّل حمل المحتجين في كثير من المظاهرات الشعبية صور جنرالات وضباط رفيعي المستوى منددين بأصحابها، واتهام المؤسسة العسكرية بقمع الثورة السلمية، بدايات الانكسار في علاقة المؤسسة بوعائها الشعبي، ولو أن هناك من القوى السياسية من وصف المسألة بـ”المؤامرة” دون الإشارة للمبالغة في توريط الجيش في المعترك السياسي ليصل الأمر إلى الدفع به خارج الحدود.

التداخل بين السلطة السياسية الجديدة في الجزائر وبين المؤسسة العسكرية أخذ بعدا مكشوفا، وضلوع العسكر في المشهد السياسي لم يعد خافيا حتى قبل الانتخابات النيابية، والحديث عن المكسب الكبير عندما صرح تبون، أكثر من مرة، أنه “يحظى بدعم الجيش وولائه”، بدل الحديث عن الشرعية الشعبية كما هو معمول به في كل التقاليد الجمهورية.


0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال