لماذا إذا كان المستهدف اليوم أوروبيا هو المغرب قد تصبح غدا الجزائر هي المستهدفة؟

 اختزل البرلمان الأوروبي الأزمة القائمة بين المغرب وجارته الشمالية إسبانيا اختزالا شديدا ومُشوِّها للحقيقة، ففي القرار الصادر عنه يومه الخميس الماضي اختصر البرلمانُ الأوروبي الموضوعَ المتشعبَ والمعقد وحصره في هجرة القاصرين المغاربة نحو مدينة سبتة، وأدان المغرب بسبب هذه الهجرة، وعبّر البرلمان الأوروبي من خلال موقفه هذا عن انحيازٍ سافر لفائدة الدولة الإسبانية.

هجرة القاصرين المغاربة صوب سبتة لم تكن السبب وراء تدهور العلاقات المغربية الإسبانية، إنها كانت نتيجة وتتويجا لهذا التدهور، والبرلمان الأوروبي حاكم المغرب وأدانه من خلال النتيجة دون أن يتطرق إلى الأسباب الكامنة وراءها والتي أودت إليها. إذا كان سماح السلطات المغربية بهجرة قاصرين صوب سبتة أمرا مرفوضا، فإن التصرفات الصادرة عن الدولة الإسبانية تجاه المغرب لا تقِلُّ سوءً وإيذاءً للمغاربة عن الهجرة إياها، وهذا ما تحاشى البرلمان الأوروبي الإشارة إليه، بل إنه قدّم الدعم والمساندة لإسبانيا في تعديها على حقوق المغرب…

لقد أعلنت الدولة المغربية في شخص عاهلها الملك محمد السادس عن استعدادها لإعادة جميع الأطفال القاصرين المغاربة الموجودين في إسبانيا، وأعربت عن رغبتها في تنسيق كيفية إعادتهم مع السلطات الإسبانية، وبهذا القرار الذي أعلنت عنه أعلى سلطة في المغرب التي هي المؤسسة الملكية فإن ملف هجرة القاصرين يفترض أنه في طريقه إلى المعالجة، الأمر الذي لم يكن يستوجب، إدانة للرباط من طرف البرلمان الأوروبي.

 فلماذا جرت هذه الإدانة التي لم يكن هناك ما يستدعيها؟ ألا تبدو الإدانة كأنها كانت مبيتة وتنتظر الدافع فحسب الذي ُيظهرها ويبررها؟ بل لماذا إقحام البرلمان الأوروبي في نزاعٍ حاصلٍ بين بلدين جارين بإمكانهما العثور لخلافاتهما على الحلول المناسبة؟ ألا يُزكي هذا الإقحام شكوك المغاربة في النوايا الأوروبية غير البريئة تجاه الدولة المغربية؟

ما يعطي لمثل الأسئلة السابقة راهنيتها ويجعلها مطروحة بإلحاح، هما البندان المتضمنان في نفس القرار الصادر عن البرلمان الأوروبي، فالبند الأول يجعل حدود أوروبا تبدأ في سبتة ومليلية، والثاني يساند إسبانيا في موقفها المناوئ بطرق ملتوية لمغربية الصحراء..

فرغم أن المدينتين مغربيتان، ومعروف أنهما محتلتان من طرف إسبانيا، وأن المغرب يتطلع لاستردادهما إلى حوزته الترابية، ورغم أن المدينتين توجدان في قارة إفريقية، ورغم أن الغالبية العظمى من ساكنتهما مغربية، ورغم أن التاريخ يشهد أن إسبانيا استولت عليهما بقوة السلاح ونزعتهما من أصحابهما الشرعيين الذين هم المغاربة، رغم كل ذلك، فإن البرلمان الأوروبي صنَّفهما إسبانيتين، وأعلنهما مدينتين أوروبيتين..

ولم يكتف البرلمان الأوروبي في قراره بتأييد احتلال إسبانيا لمدينتين مغربيتين وجعلهما حدودا له داخل إفريقيا، وإنما  أظهر ذلك البرلمان، أنه يناور، كما تفعل إسبانيا، في تجنب الاعتراف بمغربية الصحراء، رغم الشراكة في العلاقات السياسية، والتجارية، والثقافية، والاجتماعية القائمة بين المغرب والاتحاد الأوروبي. ويمكن المجازفة بالقول إن أوروبا، عبر نوابها البرلمانيين، ومسؤوليها الدبلوماسيين، وخبرائها العسكريين، تعاكس في العمق الوحدة الترابية المغربية، وتناهضها، ولعل هذا ما كشفت عنه الأزمة الراهنة بين المغرب وإسبانيا..

أوروبا تتحرك في منطقة المغرب العربي  بحرصٍ على إضعاف دولها، وإنهاكها بمشاكلها البينية، والطريقة القهرية التي تعامل بها أوروبا حاليا الدولة المغربية، هي نفسها التي ستعامل بها كل دولة من الدول المغاربية الأخرى عندما يأتي دور أي واحدة منها، وواهمٌ من يعتقد أن لديه خصوصية ما في التعامل معه من طرف أوروبا.

إذا كان هناك من يبتهج للضغط الذي يتعرض له المغرب، ويتهيأ له أنه يصبُّ في مصلحته، وإذا كان هناك من يتصور بأنه سيكون المستفيد من المشاريع الأوروبية التجزيئية في المنطقة، فإنه مخطئ على طول. كل المشاريع التي تشتغل من أجل إنجازها، وتتحرك في إطارها الدول الأوروبية، هدفها الأساسي هو المصلحة الأوروبية لا غير، وإذا كان المستهدف أوروبيا اليوم هو المغرب الذي يتعرض لضغوط هائلة من أجل التخلي عن أقاليمه الصحراوية، فغدا قد تصبح الجزائر، أو تونس، أو موريتانيا هي المستهدفة، ولا تنقص الغرب المبررات التي يعتمدها لاستهداف أي دولة من دول المغرب العربي، إذا اقتضت مصلحته ذلك. فإن لم تجد أوروبا مبررات واقعية فإنها ستختلق مبررات افتراضية، وتروجها، وتجعل منها (( حقيقة)) صلدة، لتنال بواسطتها أغراضها.

لقد دمَّر الغربيون ليبيا لنهب ثروتها المالية التي كانت مودعة في بنوكهم، وهاهم يعملون من أجل فرض سيطرتهم على نفطها وغازها. وكان الأمر يقتضي من قادة المغرب العربي استخلاص الدروس، ووضع خلافاتهم جانبا، وبناء وحدتهم المغاربية، على أسس ديمقراطية، بما يكفل أمنهم، واستقراراهم، وتعاونهم لتحقيق تنميتهم وتطورهم، لكن لا أحد من الحكام اتعظ مما جرى، بل ها هم يتصرفون وكأن لا شيء وقع، وكأنهم الثيران، الأبيض، والأسود، والأصفر..

عبدالسلام بنعيسي - كاتب مغربي

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال