الأطباء الأجانب في فرنسا... كفاأت تعاني تمييزاً في الأجور والحقوق

 مرت ريم التقي، طبيبة الإنعاش التونسية في مستشفى سان مونبيلي، بتجربة معقّدة وطويلة استمرت 5 أعوام من أجل الحصول على شهادة المعادلة من وزارة الصحة الفرنسية..

إذ اجتازت اختبار التحقق من المعرفة والذي يشرف عليه المركز الوطني للإدارة بالتنسيق مع وزارة الصحة، ومن بعده عملت 3 أعوام في المشفى بمسمى مشارك ممارس، ثم قدمت ملفها إلى لجنة التقييم، لكن الأخيرة طلبت منها بعد عام أن تعيد التدريب في اختصاصها، واحتاج الأمر منها عاماً إضافياً قبل أن يتحول مسماها إلى طبيب، وتنال كامل حقوق وامتيازات نظرائها الفرنسيين، وهو ما يحلم به 5418 طبيباً أجنبياً يعملون في المشافي الفرنسية، ويشكلون 30% من إجمالي أطبائها، بحسب إحصائيات المجلس الوطني لعمادة الأطباء الصادرة في عام 2019.

وينتسب الأطباء الأجانب للمجلس بعد الحصول على شهادة المعادلة طبقاً للمادة 4111 من الفصل الثاني في قانون الصحة العامة الفرنسي لعام 1953 والتي تنص على أنه: "لا يمكن ممارسة مهنة الطب في فرنسا دون الحصول على شهادة تعادل شهادة الطب الفرنسية بإشراف وزارة الصحة"، لكن تعقيد الإجراءات واختيار عدد محدود من الأجانب كل عام يفاقمان معاناتهم، بحسب مصادر التحقيق.
عراقيل في وجه الأجانب
يتعيّن على الطبيب الأجنبي أن يتقدم لاختبار التحقق من المعرفة، حتى يتحول مسماه من متدرب مساعد إلى ممارس مشارك، وبعد مضيّ 3 سنوات على عمله في مشفى عام يمكنه تقديم ملفه إلى لجنة تعنى بمنح التفويض للطبيب ليتمكن من ممارسة تخصصه، وبالتالي يتمتع بنفس حقوق الطبيب الفرنسي، أو إعادته إلى وضعه الأول ومطالبته بإجراء جملة من التدريبات، قبل إعادة إيداع الملف من جديد، وفقاً لتوضيح الكاتبة العامة للنقابة الوطنية للأطباء الأجانب في فرنسا وداد عابدي.
ويمكن للمستشفيات أن توظف الطبيب الأجنبي قبل اجتياز الاختبار، بشرط ممارسة المهنة وصرف الدواء تحت مسؤولية أحد الأطباء الحاصلين على حق ممارسة المهنة، وفقاً للمادة 632_2516R من قانون الصحة العامة، بحسب عابدي.
هذا الإجراء ينتقده العديد من الأطباء ويصفونه بـ"المعرقل"، لأن الطبيب يمضي سنوات عديدة للحصول على شهادة المعادلة، ولا يسمح له بإعادة اختبار التحقق إلا 3 مرات فقط، بعدها يصبح معرضاً للطرد والمنع من العمل، وفي كل عام يتم قبول عددٍ ضئيل من المتقدمين لاختبار التحقق من المعرفة، ممن قضوا سنوات يعملون بأجر لا يفوق 2000 يورو، ومنهم من شارف على التقاعد دون الحصول على شهادة المعادلة، وعلى سبيل تم قبول 600 طبيب عام 2015 من أصل أربعة آلاف تقدموا للاختبار وفقاً لعابدي.
لكن وزارة الصحة تبرر ذلك بأنه إجراء ضروري للحفاظ على المستوى العلمي والطبي لفرنسا عالمياً، وتوضح كارين دلبي؛ الممثلة الإعلامية لمكتب وزارة الصحة الفرنسية، في ردها على "العربي الجديد"، أن فرنسا يوجد فيها طبيب أجنبي واحد من بين كل 4 أطباء، وتضيف أن الوضعية تختلف بينهم، إذ يوجد أطباء مولودون في فرنسا لكنهم حصلوا على شهادات من خارجها وهناك أجانب لكنهم درسوا في فرنسا وحصلوا على شهاداتهم من الجامعات الفرنسية، وهناك من قدموا عن طريق اللجوء وهناك أيضاً من أكملوا دراستهم العليا في فرنسا، وهذه الأنماط جميعها ينظمها القانون.
تمييز في الأجور
ظلت أجور الأطباء الأجانب على حالها منذ سنوات رغم المطالبات النقابية برفعها، إذ يتقاضى الطبيب الأجنبي تحت اسم متدرب مساعد قبل حصوله على شهادة المعادلة 1500 يورو، مقارنة بنظيره حامل الشهادة الفرنسية الذي يحصل على 3500 يورو شهرياً. ويحصل الطبيب الممارس المساعد الأجنبي على 2000 يورو شهرياً، وقد يصل الراتب أحياناً إلى 2600 يورو، في حين يتقاضى زميله الفرنسي 5600 يورو، وفق إفادة الطبيب الفرنسي ماتياس وارجون، رئيس قسم الطوارئ في مستشفى ديلافنتان العام في سان ساندني.
وتتركز مجالات عمل 85% من الأطباء الأجانب في اختصاصات لا يقبل الفرنسيون عليها، مثل الشيخوخة، وطب الطوارئ والطب النفسي والتخدير والإنعاش والتصوير الإشعاعي، و15% منهم جراحون، بحسب بيانات مجلس عمادة الأطباء.
ولكن غالبية هؤلاء الأطباء لا يتمتعون بوضع مستقر، كما هو الحال بالنسبة لفراس الطالبي، الاختصاصي في التصوير بالأشعة في مستشفى أنطوان شونتان غرب باريس، والذي قدم من المغرب بعدما عمل في مستشفى جامعي، ثم أتيحت له فرصة القدوم إلى فرنسا بموجب اتفاقية عمل مع المستشفى الفرنسي.
ويؤكد الطالبي أنه يؤدي نفس المهام التي يقوم بها زملاؤه من الأطباء الفرنسيين، من حيث ساعات العمل والمناوبات الليلية، ويتحمل كل مسؤوليات اختصاصي الأشعة، لكنه في المقابل لا يحصل على نفس الراتب مثلهم، ولا يتعدى ما يحصل عليه 1550 يورو. معتبراً أن "الطبيب يهان حين يقدم له راتب متدنٍّ، بينما يتلقى نظيره الفرنسي من ثلاثة إلى أربعة أضعاف ما يتلقاه".
يتقاضى الطبيب الأجنبي قبل حصوله على شهادة المعادلة راتباً متدنياً
ويشاطر سامي عبيد؛ طبيب الطوارئ الجزائري برتبة ممارس مشارك، زميله فراس الرأي، ويصف الوضعية التي يمر بها الأطباء الأجانب بـ"الاستغلال"، لكن وضعه لا يسمح له إلا بالعمل، وإن كان ذلك براتب لا يتجاوز 2000 يورو، ولا يقف الأمر عند ذلك، بل يبقى غير معترف بتوقيعه على تصريح بخروج مريض، أو شهادة وفاة، لأنّه غير مسجل في المجلس الوطني لعمادة الأطباء، كما يقول.
هذه الحال تؤثر أيضاً على الوضع الاجتماعي للأطباء الأجانب، إذ أجمع من التقتهم معدة التحقيق على وصف حالهم بـ"غير المستقر"، في ظل صعوبة الحصول على بطاقة الإقامة التي يجب تغييرها مع انتهاء عقد العمل، لكنهم يصبرون على كل هذه المشاكل أملاً في الوصول إلى مبتغاهم بنيل شهادة المعادلة التي تمكنهم من تحقيق المستوى المهني والمادي المريح، والعمل في عيادات خاصة تحسن أوضاعهم.
يشكل الأجانب 40% من الأطباء العاملين في المناطق البعيدة عن باريس، وفقاً لرد وزارة الصحة المكتوب على أسئلة "العربي الجديد".
ويرسخ القانون المنظم لوضعية الأطباء الأجانب في فرنسا نزعات إقصائية تقيّد الأجنبي وتحصره في مرتبة أدنى من نظيره الفرنسي، ليصبح طبيباً من الدرجة الثانية، وفق ما يقوله إيمانويل لوب الطبيب الفرنسي من أصل جزائري، ورئيس نقابة الأطباء الشبان، مضيفاً أن الطبيب الأجنبي يخضع لقيود، مثل عدم توفر فرص العمل في المدينة وتركز الأطباء الأجانب في المناطق البعيدة والمهمشة، والعمل بلا ترقيات أو علاوات، ما يمنعهم من الاستقرار المهني والمالي والاجتماعي.
يشكّل الأجانب 40% من الأطباء العاملين في المناطق النائية
وعلى الرغم مما تعانيه المشافي الفرنسية من نقص في الكوادر، بحسب ما تؤكده دراسة نشرت في فبراير/ شباط عام 2020 وأجرتها مديرية البحوث والدراسات والتقييم والإحصاء التابعة للمعهد الوطني للإحصاء، فإن وزارة الصحة لم تجر التعديلات القانونية اللازمة لممارسة الأطباء الأجانب المهنة بما يسد النقص الحالي، "بل تستغل وضع الأجانب غير المستقر لخدمة سياساتها الصحية"، بحسب لوب. وتصل نسبة النقص في الكوادر إلى 20% في كل التخصصات، في حين بلغت نسبة النقص في الطب العام 30%. ويتركز النقص في ضواحي باريس التي شهدت زيادة في الكثافة السكانية بين عامي 2015 و2018 بنسبة 5.8 %، بينما بلغت الزيادة 1.9% على المستوى الوطني، وفقاً للدراسة ذاتها، ويحصل سكان هذه المناطق على أقل من 2.5 % استشارة طبية في السنة لكل فرد، بحسب مؤشر يأخذ بعين الاعتبار ضرورة توفر الأطباء وقربهم من السكان، فضلاً عن ذلك تشهد باريس تفاوتاً بين مقاطعاتها العشرين من حيث توفر الأطباء، وتشهد مقاطعتا سان مار وسان ساندوني في ضواحي باريس نقصاً فادحاً في عدد الأطباء، بحسب الدراسة. ويبلغ معدل الأطباء في فرنسا 3.3 أطباء لكل 1000 شخص، وفق بيانات البنك الدولي الصادرة عام 2018.
ويعود ذلك، بحسب تقديرات الأستاذ السابق بكلية الطب في باريس جوزيف دريز المشرف على إجراء الدراسة، إلى انعدام الأمن والظروف المعيشية الصعبة في عدد من الضواحي الداخلية، الأمر الذي يثني الأطباء عن الاستقرار هناك، وخاصة الفرنسيين الذين لا يحتملون في هذه المناطق أكثر من عامين للتدريب ثم يغادرون للعمل الخاص. بينما لا يجد الطبيب الأجنبي فرصاً متاحة سوى العمل في مشافي المناطق البعيدة والمهمشة.
وتصل نسبة العاملين في أقسام الطوارئ من الأجانب إلى 90%، ويقضي غالبيتهم بين 60 إلى 80 ساعة عمل في الأسبوع ليتمكنوا من توفير نفقاتهم في ظل تدني الأجور، كما يوضح الطبيب التونسي محمد غنام المتخصص في القسطرة والذي يمارس المهنة منذ 40 عاماً في فرنسا.
وترد كارين دلبي بأن الدولة الفرنسية بصدد توظيف الأطباء الأجانب في ظل نقص الأطباء، وخاصة اختصاصيي الطب العام، وطب الطوارئ الذي هجره الأطباء الفرنسيون ويغطيه الأجانب. مشيرة إلى انخفاض عدد الأطباء الممارسين بانتظام في البلاد بنسبة تصل إلى 10% منذ عام 2007.
وبينما يتمتع الأطباء الفرنسيون بالعمل في بيئة وتخصصات لا تجبرهم على معاناة ظروف العمل الصعبة والمناوبات الليلية، كما يتركزون في المدن، بحسب مصادر التحقيق، وتعاني مناطق مختلفة من نقص في الأطباء رغم قربها من العاصمة، لكونها غير آمنة، وفق ردّ وزارة الصحة، لذلك تم إنشاء وكالات صحية إقليمية في عام 2012 من أجل جذب الأطباء لتلك المناطق، بحسب دلبي التي تصرّ على أن السبب وراء تشجيع الدولة للأطباء الأجانب على تغطية هذه المناطق ليس لأنها تعتمد مبدأ التفرقة، بل لأنها بحاجة إلى أن تغطي "الصحاري الطبية" كما تقول.
يوضح رئيس نقابة الأطباء الحاصلين على شهادة من خارج الاتحاد الأوروبي سالم ولد الزين، أنه، :"عقب سنوات من الاتصال مع الوزارة من أجل إلغاء امتحان التحقق من المعرفة، واستبداله بقانون ينظم مرور الأطباء أمام لجان محلية في كل منطقة، يناط بها تحديد حاجة المنطقة من الأطباء وانتدابهم للعمل، صادق البرلمان على هذا القانون في يوليو/تموز 2019". وتؤكد دلبي بأن دور الطبيب الأجنبي تجلى أثناء أزمة كورونا، باعتباره أحد العناصر الأساسية للمنظومة الصحية الفرنسية، وتتابع :"من أجل هذا صادقت الحكومة على قانون تسهيل شروط ممارسة الطبيب الأجنبي للعمل في البلاد".
لكن جائحة كورونا عطلت تفعيل القانون وحالت دون عقد اجتماعات اللجان المختصة، وبالتالي ما يزال الآلاف من الأطباء يمارسون العمل ويعانون حرمانا من حقوقهم، كما يضيف طبيب التخدير ولد الزين، وهو ما تؤكده وداد العابدي مضيفة أن النظام الصحي الفرنسي لا يمكن أن يقوم بمهامه من دون الأطباء الأجانب.
نجوى بن مبارك - العربي الجديد

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال