في حتمية تحصين الديمقراطية التونسية

 تنشأ التجربة الديمقراطية، وتنمو وتتطوّر، أو تنحسر وتتراجع، بحسب مستجدّات الظرف التاريخي، ومقتضيات الفضاء العمراني، ومستويات الإدراك الثقافي، والتأطير الدستوري، والوعي السياسي للجماعة التي تمارس الفعل الديمقراطي، فلا يمكن للديمقراطية أن تزدهر، وتترسخ وتنتشر في غياب نخب ديمقراطية فاعلة، وسياقات تشريعية، وأطر مؤسّسية وقانونية حامية للحالة الديمقراطية، وضامنة لنجاعتها واستمراريتها.

وتتأكّد هذه المطالب في المراحل الانتقالية من النظام الاستبدادي إلى النظام التمثيلي، ومن الدولة الشمولية/ المغلقة إلى الدولة التعدّدية/ المفتوحة. والواقع في الحالة التونسية، بعد عشر سنوات من الثورة على الدولة القامعة، أنّ ترسيخ النموذج الديمقراطي في البلاد ما زال بطيئا، محدودا، وما انفكّت التجربة التمثيلية/ التعدّدية تعاني من عدّة نواقص، وإكراهاتٍ وتهديداتٍ متأتّيةٍ خاصّة من صعود الشعبوية، والنزعة الزعاماتية، وقوى الثورة المضادّة الحريصة على تبخيس الفعل الديمقراطي، والعودة بالناس إلى الخلف وإحياء الدكتاتورية على كيْفٍ ما. وتحتاج التجربة الديمقراطيّة التونسية الفتيّة، في هذه اللحظة الدقيقة من تاريخها، إلى اتخاذ تدابير جادّة، تهدف إلى حماية المنجز الديمقراطي، وتعزيزه وترسيخه في الوعي الجمْعي، وتحصينه من غوائل التزييف والانقلاب، وجموح الزعامة الفردانية، وقوى الشدّ إلى الخلف. ويقتضي تحصين الديمقراطية التونسية التعجيل بإحداث المحكمة الدستورية، والقيام بإصلاحات تشريعية معمّقة، ونشر الثقافة الديمقراطية، وتحقيق الانتقال الاقتصادي المنشود.

المحكمة الدستورية جهاز قضائي حيوي في الدول الديمقراطية، وهي معنيةٌ بمراقبة دستورية القوانين وتطبيق مضامين الدستور وضمان احترامه من الحاكم والمحكوم، ومن المهامّ المنوطة بعهدتها فضّ النزاعات الناتجة عن تباين في تمثّل فصول الدستور، وتنظيم العلاقات بين السلطات، وضبط صلاحيات كلّ منها على نحوٍ يضمن استمرارية النّظام السياسي ونجاعته. وورد في دستور2014 (الفصل 148ـ 5) أنّ "إرساء المحكمة الدستورية يتمّ في أجل أقصاه سنة بعد تنظيم الانتخابات التشريعية (26 أكتوبر 2014)"، و"تتكوّن من 12 عضوا، يعيّن كلّ من رئيس الجمهورية ومجلس نوّاب الشعب والمجلس الأعلى للقضاء أربعة أعضاء". وانقضت الآن خمس سنوات على فوات الأجل القانوني لإحداث المحكمة الدستورية. وذلك في ظلّ تهاونٍ واضحٍ من الأطراف المسؤولة. وقد أربك تغييب هذا المرفق الحيوي المسار الديمقراطي في تونس، وفتح الباب لنزاعاتٍ لانهائيةٍ على الصلاحيات بين الرئاسات الثلاث (البرلمان، الجمهورية، الحكومة)، وتعدّدت في هذا الشأن قراءة محامل الدستور، وادّعى كلّ طرفٍ أنّه يملك حقيقته، واستثمر أنصار رئيس الجمهورية هذا الوضع ليذهبوا إلى أنّه الوصيّ على الدستور، وأنّه يحتكر تأويله، وهو مذهبٌ لا يسلم لأصحابه ويشرّع لعودة الحكم الأحادي. لذلك التعجيل بتشكيل المحكمة الدستورية ضروري، لأنّها دعامة للديمقراطية التشاركية، ومؤمّنة لعلوية القانون، وفي مقدورها إلزام الجميع بمنطوق الدستور، وعليها المعوّل في فكّ مغالق ما غمض منه، وتخصيص عمومه، وتفصيل مُجمله. كما أنّ من صلاحيات المحكمة المذكورة تنقيح الدستور، وتدارك ما اعتراه من إخلالاتٍ وثغراتٍ أثّرت سلبا على العلاقة بين المؤسسات السيادية، وعلى سيرورة النظام السياسي ونسق إدارة دواليب الدولة.

من الضروري أن يرافق التحوّل الديمقراطي انتقال اقتصادي ناجع، ينعكس إيجابا على حياة الناس

وفي سياق متّصل، من المهمّ إجراء إصلاحاتٍ تشريعيةٍ معمّقة، فمن المفارقات في ظلّ نظام ديمقراطي في تونس أن يُحاكم مواطن مدني أمام محكمةٍ عسكرية، فالأجدر في دولةٍ مدنية، جمهورية أن يحاكم المدنيون أمام محاكم مدنية، وأن يُحال العسكريون في قضايا متعلقة بأمن الدولة أو بإخلال في واجباتهم على محاكم عسكرية. ومن المفيد تطعيم القضاء العسكري بوجوه مدنية، وأن يكون هذا المرفق الجمهوري المهمّ تحت رقابة المجلس الأعلى للقضاء. وهذه مقترحاتٌ تعديليةٌ، تشريعيةٌ يُفترض أن تبادر بها أحزابٌ ممثّلةٌ في البرلمان. وفي التصديق عليها خدمة لمشروع التمدين والدمقرطة. وفي المضمار نفسه، من الضروري مراجعة تشريعات قديمة وضعتها الدولة الشمولية، ولم تعد تنسجم مع روح الدستور وزمن الجمهورية الثانية. وهي تشريعاتٌ صدرت في شكل قوانين مدرجة في مجلّة المرافعات المدنية والتجارية، والمجلّة الجزائية، ومجلّة المرافعات والعقوبات العسكرية، أو في شكل مناشير وزارية، ترتيبية، ذات صبغة آمرة، سالبة للحرّية، وتتعارض مع حقوق الإنسان. من ذلك المناشير المتعلّقة بالتضييق على حرّياتٍ عامّةٍ وخاصّة، وقانون حالة الطوارئ (26 جانفي/ (يناير/ كانون الثاني) 1978)، والمنشور المعروف بإجراء 17S الذي يقيّد حرّية تنقّل الأفراد، ومنشور منع اللباس الطائفي (الحجاب) الذي يتعارض مع مبدأ حرّية اللباس الذي تكفله المواثيق الحقوقية الدولية، فهذه الإصلاحات التشريعية ضرورية لحماية المسار الديمقراطي، وتعزيز دولة العدالة والمواطنة.

من المفارقات في ظلّ نظام ديمقراطي في تونس أن يُحاكم مواطن مدني أمام محكمةٍ عسكرية!

وتستوجب استدامة الحالة الديمقراطية توفّر بيئة ثقافية داعمة للتوجه الديمقراطي، وتشكّل وعيا جمعيا مقتنعا بضرورة الديمقراطية في إدارة الشأن العام. والمشهود بعد عقد من الثورة أنّ تونس خطت خطواتٍ معتبرة على درب التدريب على الديمقراطية التشاركية، من قبيل تعزيز التعدّدية الحزبية والجمعوية، وتنظيم استحقاقاتٍ انتخابيةٍ مختلفة، وتأمين تداول سلمي على السلطة. لكنّ ترسيخ الديمقراطية وتحويلها إلى سلوك يومي يقتضي استبدال الوعي السياسي التقليدي القائم على التعصب، والشمولية، والأحادية، وادّعاء امتلاك الحقيقة المطلقة بمنظومة ثقافية ديمقراطية، تنبني على مقولات التسامح والتنوّع، والحرّية والنسبية. وعلى خلاف ما يعتقد طيفٌ معتبر من التونسيين، ليست الديمقراطية منظومة حقوق فحسب. بل هي منظومة واجبات أيضا، فالسلوك الديمقراطي يعني الالتزام بواجب احترام الآخر، والقبول بغيْريته، واحترام القانون والتسليم بعلويته، وإتقان العمل ومراعاة المصلحة العامّة، والاحتجاج بطريقةٍ سلميةٍ لا فوضوية، وعدم الإضرار بالممتلكات العامّة والخاصّة. والظاهر أن قطاعا من التونسيين اغتنم مناخ الحرية، بعد الثورة، ليروّج خطابات مسكونة بالشعبوية، والكراهية، وإلغاء الآخر، وتبخيس الثورة ومشروع الدمقرطة. لذلك، الحاجة أكيدة إلى إعادة بناء الوعي الجمعي، ونشر الثقافة الديمقراطية المسؤولة في الأسرة، كما في المؤسسات التعليمية، وفي المنابر الإعلامية كما في الوسائط الرقمية، وفي الشارع، كما في دور الشباب، لأنّ الوعي بضرورة الديمقراطية ضامنٌ لاستمرارها، وهو جسر العبور لتحقيق مزيد من الشفافية والنزاهة، ولبناء دولة الحق والواجب، وتأمين العيش المشترك.

تأمين الديمقراطية التونسية يتحقّق بوجود كتلة نخبوية/ اجتماعية/ تاريخية داعمة للخيار الديمقراطي

ومعلومٌ أنّ نجاح الانتقال الديمقراطي يستدعي تحقيق التنمية الشاملة والعادلة. ذلك أنّ قناعة المواطن التونسي، والعربي عموما، بجدوى المنظومة الديمقراطية مرتبطة في ذهنه بمدى قدرتها على تغيير واقعه المعيشي، وتوفير أسباب العيش الكريم. لذلك من الضروري أن يرافق التحوّل الديمقراطي انتقال اقتصادي ناجع، ينعكس إيجابا على حياة الناس، ويجعلهم يشعرون بأنّ الديمقراطية لا تمكّنهم من الحرّية والتعدّدية، واختيار ممثّليهم في المؤسّسات السيادية فحسب، بل تضمن لهم أيضا أسباب الرّفاه. والمشهود في تونس منذ عقود أنّ الوضع الاقتصادي متدهور، ونسب البطالة والفقر مرتفعة، والطبقة الوسطى تكاد تتلاشى بسبب ارتفاع الأسعار، وإهدار المال العام، وكثرة الضرائب، وشيوع الاحتكار، وتراجع المقدرة الشرائية لجلّ المواطنين. واستمرار حالة التعثّر الاقتصادي يؤدّي على التدريج إلى تيئيس النّاس من الديمقراطية. لذلك يفترض أن يبذل النظام الحاكم الجهد لاستعادة الدور الاجتماعي للدولة ببعث مشاريع إنتاجية/ تشغيلية جديدة، والتدّخل لتعديل الأسعار، وحماية المستهلكين من سطوة المحتكرين والمستكرشين. والعمل، بالتوازي مع ذلك، على تنويع مسالك التصدير وتغيير منوال التنمية التقليدي بغاية الانتقال من اقتصاد ريعي/ استهلاكي إلى اقتصاد تنافسي/ إنتاجي، قادر على تحقيق الاكتفاء الذاتي، وعلى اقتحام الأسواق العالمية. والمؤكّد أنّ كسب معركة الانتقال الاقتصادي سيؤدّي إلى توسيع الحاضنة الشعبية للحالة الديمقراطية، ويحميها من محاولات بعض الأطراف الاستثمار في عطالة بعض المهمّشين وفقرهم لزجّهم في أتون العنف ونوستالجيا الدكتاتورية.

ختاما، التأسيس للديمقراطية في مجتمعٍ عانى طويلا ويلات الحكم الأحادي، وهيمنة الزعيم/ القائد والحزب الواحد أمر ليس سهلا، ومشروع يقتضي كثيرا من الجهد والوقت، والبذل والتدبّر. ذلك أنّ ردّ الناس عمّا ألفوا شديد، ودرب التغيير الشامل غير سالك. لكنّ هذا لا يمنع من أنّ تحصين الديمقراطية التونسية حتمية تاريخية/ وجودية لمواجهة ظواهر الشعبوية والتعصّب الأيديولوجي، والجموح الفرداني للسلطة، والسعي المحموم من بعض الأطراف لإحياء الدولة الكليانية الشمولية. وتأمين الديمقراطية التونسية يتحقّق بوجود كتلة نخبوية/ اجتماعية/ تاريخية داعمة للخيار الديمقراطي، ومقتنعة به قولا وفعلا، تفكيرا وتطبيقا. فلا يمكن بناء دولة ديمقراطية من دون ديمقراطيين. كما يتحقّق وتأمين الديمقراطية التونسية بوجود اقتصاد متطوّر ولو نسبيّا، ومؤسّسات مدنية، دستورية، فاعلة، وقضاء مستقلّ، وتشريعات وقوانين تقدّمية، واضحة، صارمة، تحمي الحالة الديمقراطية من عبث خصومها. وإن لمْ تتحقق تلك الشروط مجتمعة، فإنّ الارتداد إلى الخلف يبقى ممكنا لا محالة.

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال