الحراك الشعبي: بوادر الأمل نحو التغيير المنشود

 نكاد نقترب من نهاية شهر الصيام شهر رمضان المبارك الذي تميز هذا العام في ماسمي ب “الجزائر الجديدة” بطوابير طويلة وعريضة في شوارع المدن الجزائرية  بحثا عن مواد غذائية مثل الزيت والحليب والسردين و غيرها من المستلزمات التي تحتاجها العائلات الجزائرية في هذا الشهر الذي وصلت فيه الاسعار الى مصاف الخيال والجنون؟!

لم يصدق بلد البترول والغاز والثروات المعدنية الثمينة الى جانب الوفرة الكبيرة في المحاصيل الزراعية الفلاحية ناهيك عن الطاقة البشرية الواسعة التي تزخر بها الجزائر , لم يصدق هذا التغير الذي طرأ وبشكل مفاجيء على حياة الناس وتدهور كبير في اوضاعهم المعيشية والاجتماعية , وكيف انهار الدينار الجزائري  بسبب الوضع الاقتصادي الصعب والمتردي الذي آلت اليه البلاد.؟  سيولة تكاد تكون شبه منعدمة والرواتب والأجور الشهرية متأخرة في الوصول الى أصحابها  في الموعد ,  فأين هو مكمن الخلل ياترى؟  يتساءل المواطن الجزائري وهو يستمع للخطب والعبارات الرنانة التي تتردد على السنة وأفواه المسؤولين من رئيس الدولة الى وزراء حكومة قضت طوال فترة وجودها في البحث عن كيس حليب ودلو من الزيت وتتساءل أين ذهب السردين؟  ومالذي تغير بين الامس واليوم ؟

لا أحد يجيب ولكن الجزئريين في غالبيتهم يعرفون حقيقة الأمر والاسباب التي تقف وراء هذا الوضع المأساوي ويدركون جيدا كما تردد عبر المسيرات والتظاهرات الشعبية السلمية المطالبة بالتغيير من هو المتسبب في ذلك. وتدريجيا بدأت تتضح الرؤية والصورة لبقية شرائح المجتمع الذين رفضوا المشاركة في الحراك الشعبي و حاولوا افشاله  منذ انطلاقته التاريخية في 22 فبراير 2019.

اليوم تواجه السلطة الحاكمة حراكا من نوع آخر كان متوقعا منذ فترة ويتمثل أساسا في خروج القطاع الوظيفي الى الاحتجاج في الشوارع مطالبا بحماية لقمة العيش. اعوان الحماية المدنية واساتذة قطاع التعليم وعمال البريد والمواصلالت والقائمة ستطول وتزداد ي الايام المقبلة , يخرجون الى التظاهر في اشارة واضحة على ان النظام لم يعد في استطاعته شراء الذمم والسلم المدني لأن الخزينة العومية التي نهبت من قبل العصابة بشطريها السياسي  والعسكري افرغت ولم تعد قادرة على تسديد الطلب.

نذكر هنا أن خبراء الاقتصاد والمالية حذروا منذ سنوات خلت بأن الجزائر تسير فوق فوهة بركان قد ينفجر في أي لحظة . انه بركان الشعب الغاضب على مسؤولييه ومسيريه ومن رفضوا القبول بان ساعة التغيير الجذري لمنظومة الحكم الذي  سارت عليه البلاد منذ الاستقلال لم تعد تجد نفعا بعد قرابة ستين عاما من استقلال اتضح الآن بانه مزيف وليس حقيقيا على الأطلاق.

الفساد كظاهرة اجتماعية تسرب وتغلغل  الى كافة المستويات و الأجهزة و لم تعد اي مؤسسة حكومية سياسية أوادارية مثل الولاية او الدائرة او البلدية  او مؤسسات تجارية واقتصادية  حيوية وغير حيوية ذات طابع ثقافي او مهني بمنئى عن هذا الفساد الذي خرب كل مقومات الدولة . وها نحن نقف اليوم أمام هذا الواقع الاليم.  هنا اتذكر عبارة رددها احد الاساتذة الاقتصاديين في الجزائر في الثمانينيات عندا قال:  lorsque le Sahara cessera de pisser dans le bidon de la Sonatrach ce jour la nous aurons nos illusions entre nos mains’

“عندما تتوقف الصحراء عن التبول في اناء سوناطراك حينها سنعرف اوهامنا امام ايادينا”

انها الحقيقة المرة بالنسبة للغالبية الساحقة من الجزائريين الذين سيواجهون سنوات عجاف اذا استمر الوضع القائم على حاله , واذا استمر تعتنت السلطة وعدم قبولها بالامر الواقع بان التغيير الذي ينشده الحراك الشعبي وهنا نقصد الغالبية الساحقة من الشعب الجزائري بنسبة  99% من هذه الشعب في  داخل البلاد وخارجها هو تغيير لانقاذ الجزائر من مصير مجهول فعلا و لا تحمد عقباه.

السلطة كعادتها تراهن على اجراءات كوزمية تجميلية مثل تنظيم اانتخابات جديدة وانتخاب برلمان في ظل انعدام ادنى معايير الشفافية والنزاهة, وتراهن على معارضة من صنع الاجهزة الاستخبارية وتريد بيعها للشعب من جديد على أنها الحل الامثل لجزائر الغد او ما سمي بالجزائر الجديدة.

هناك تحديات كبيرة تواجهها البلاد ولابد من  تضافر جهود كل المخلصين الوطنيين الغيورين على هذا الوطن في كافة الاماكن والمستويات ان يفكروا مليا في مصلحة الوطن قبل فوات الأوان .  هناك دعوة شعبية صريحة ونزيهة من أجل التغيير المؤدي الى احلال:

دولة القانون فوق الجميع

العدالة المستقلة كليا عن اي تأثيرات او تجاذبات سياسية او عسكرية او مالية او حتى ذات طابع اجنبي خارجي وبعيدة كل البعد عن تأثير + السلطتين التشريعية والتنفيذية .

اقامة النظام الديمقراطي الحر والنزيه والشفاف في ادارة شؤون الدولة حيث تكون السيادة العليا فيه للشعب عبر ممثلين منتخبين بكل نزاهة وشفافية على المستوى الوطني والمحلي

الغاء كل ممارسات النظام البائد من فساد ونهب واختلاسات للمال العام ومحسوبية ورشوة والغاء مظاهر الحقرة والاستعباد

الحفاظ على كل مظاهر التعددية الثقافية والحضارية في كنف الوحدة والحرية والاحترام التي ميزت الجزائر عبر العصور والتاريخ

الحرية بكل ما تحمله هذه العبارة في طياتها من حرية الرأي والفكر والمعتقد والأعلام والصحافة و الابداع بكافة اشكاله وانواعه

الاولوية للشباب في قيادة المرحلة القادمة وفقا لتصورات حضارية عصرية تتماشى ومتطلبات التحولات الفكرية والعلمية والتكنولوجية التي يشهدها عالمنا اليوم. ولا بد من الألتحاق بالركب الحضاري بعقل منفتح نير و ذكي يواكب هذه التحولات ويتعاطى معها يأخذ بايجابياتها ويتفادى سلبياتها .

انهاء كل مظاهر القمع والاعتقالات التي تستهدف النشطاء سياسيين او مفكرين كانوا بمعنى انه يجب على مفهوم الحرية ان يتجسد شكلا و عملا في جزائر الغد التي ينشدها الحراك.

دولة مدنية بأتم معنى الكلمة أي لا تتجلى فيها مظاهر الحكم العسكري في تسيير شؤون البلاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

دور الجيش كما هو منصوص عليه او سينص عليه دستوريا سيظل حاميا للوطن والمواطن من اي اخطار تحدق بالبلد داخليا او خارجيا , ولا دخل للمؤسسة العسكرية في الشأن السياسي الا  في حالات نادرة جدا قد يتم تحديدها لاحقا تتعلق بالمصلحة العليا للوطن.

الجزائر لها مكانة خاصة بسبب رصيدها التاريخي والثوري والديبلوماسي الذي ميزها عن كثير من دول المنطقة عربيا وافريقيا وحتى على المسرح الدولي , ولذلك يجب ان تحافظ على هذه المكانة وعلى هذا الدور الذي سيتعزز أكثر عندما تكون الدولة الجزائرية قائمة على اسس الحكم الديمقراطي الرشيد حيث تصان حرية المواطن وكرامته  وتنعدم فيها مظاهر تسيء لسمعة الوطن مثل القمع والاعتقال والتعذيب والتهجير و غيرها من الممسارات التي تتنافى كليا مع سجل حقوق الانسان العالمي .

قد تبدو هذه قائمة  صعبة المنال والتجسيد لكنها ليست مستحيلة اذا توفرت الارادة الصادقة لدى المخلصين للوطن والشعب والوقوف في وجه الاصوات التي تتردد هنا وهناك من قبل شخصيات تدعي أنها مؤيدة للحراك الشعبي في المظهر ولكنها في الوقت ذاته تنشر سمومها بمحاولة تشويه الحراك وافراغه من محتواه ومن مساره الرامي الى بناء جزائر جديدة  قولا وعملا. هذه المحاولات عديدة يلجأ اليها النظام البائد عبر هذه الشخصيات لافشال مسيرة التغيير في كنف الحرية والوحدة في كل شبر من ارض الجزائر.

الطريق طويل وشاق لكن التغيير قادم لا محالة خاصة بعد انخراط شرائح في المجتمع في مناصرة الحراك الشعبي الذي يتوجب عليه ان يظل سلميا. والجزائر تنادي المخلصين من ابنائها في كافة المستويات خاصة في المؤسسات الفاعلة ان تتحرك من أجل هدف نبيل هو جزائر العدل والمساواة والوحدة والكرامة للجميع من دون استثناء يذكر.

والله ولي التوفيق في شهر الخير شهر رمضان المبارك  مع اقتراب عيد الفطر الذي نأمل من الله ان يحمل في طياته الأمل للجزائريين كافة والشباب منهم بوجه خاص.

حسن زيتوني - اعلامي جزائري حر

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال