الفاتيكان.. من يقرأ أخباركم؟

 لم يسبق للبابا أن عمل محررا في غرفة الأخبار كي يقيس أهمية الخبر وطبيعة تأثيره، لكنه عندما يفكر بجدوى إنفاق أموال على إذاعة لا تُسمع وصحيفة لا تُقرأ، تكلفان الكرسي الرسولي أكثر من نفقات جميع سفراته في أنحاء العالم مجتمعة، فإنه يدعو الصحافيين إلى الاستيقاظ.

كان البابا فرنسيس يمارس دورا نقديا إعلاميا بامتياز هذا الأسبوع، فعقله اللاهوتي التحليلي جعله يستعير السؤال الأهم عندما يتعلق الأمر بجوهر الرسالة الصحافية.

عندما زار البابا مبنى العاملين في الهيئة الإعلامية التي تدير إذاعة الفاتيكان التي تبث منذ تسعين عاما، وصحيفة لوسيرفاتوري رومانو اليومية الناطقة باسم الفاتيكان التي مر على إصدارها 160 عاما، أطلق السؤال الذي ينبغي أن يطلقه أي صحافي على نفسه: من يقرأ أخباركم؟

لم يسبق للبابا أن عمل محررا في غرفة الأخبار كي يقيس أهمية الخبر وطبيعة تأثيره، لكنه عندما يسأل عن مصير نشر الأخبار فهو بمثابة ممول لوسائل إعلام الفاتيكان، ويفكر بجدوى إنفاق أموال على إذاعة لا تُسمع وصحيفة لا تُقرأ، تكلفان الكرسي الرسولي أكثر من نفقات جميع سفراته في أنحاء العالم مجتمعة.

ومع أن البابا تعهد بعدم إيقاف بث الإذاعة أو إنهاء إصدار الصحيفة لكنه حذر أمام فريق من الصحافيين بموضوعية تستحق الاهتمام، من وقوعهم فريسة لوظيفة “قاتلة” عندما يتحركون ويحاورون ويكتبون وينشرون، لكنهم لا يحققون شيئا في الواقع.

وحقيقة الأمر أن تساؤل البابا بوصفه عقلا لاهوتيا يعني صحف العالم برمتها ولا يقتصر على صحيفة وإذاعة الفاتيكان فحسب، بغض النظر عن هدفه، لأن التفكير في هذا السؤال يدفع الصحافي إلى ألا يسمح لنفسه بأن يصفعه الواقع، وهو بمثابة دعوة للاستيقاظ الدائم. فمجرد السماح بوجود قطيعة بين الصحافي والمجتمع يعني أن السبات قد تمكن من الصحافة.

قيمة تساؤل البابا فرنسيس تكمن أيضا في أنه يأتي في وقت تهدد الصحافة أزمة وجودية متعلقة باستمرارها في العصر الرقمي. لذلك يحرضنا على أن نركز على المحتوى الصحافي أكثر من أي سبب خارجي آخر ونحن نبحث عن حل يتم بموجبه إخراج الصحافة من السوق المريضة.

لقد سبق البابا في هذا السؤال ألان روسبريدجر، رئيس تحرير صحيفة الغارديان السابق، في كتابه “كسر الأخبار” مطالبا الصحافة بالاستفادة من دروس تطور عالم الأعمال وتقديم نماذج مختلفة، من دون أن تفقد قيمها أو حريتها. لكن إذا أدارت وسائل الإعلام ظهرها للمجتمع من أجل أنانية تجارية أو سياسية والاكتفاء بفكرة ليس ثمة ما يمكن أن نتعلمه ونعمله، فإنها فقط ستكون معبرة بحق عن إجابة “لا أحد” وتخيب ظن البابا في سؤاله من يقرأ أخباركم؟

عندما نطالب بتعريف جديد للصحافة في عصر رقمي متغير علينا ألا ننسى كصحافيين وضع مفردة “الحرية” في متن مميز من الإجابة، لنكون قادرين على تحديد والإعلان بوضوح عن قيمنا وأهدافنا واستقلالنا، لا أن نكون مجرد أداة بيد الأغنياء والحكومات.

لذلك يحذرنا جاي روزن أستاذ الصحافة في جامعة نيويورك ومؤلف كتاب “لهذا تم اختراع الصحافيين” من الممولين عندما يلقون بثقلهم للتأثير في محتوى وأهداف الأخبار. فالصحافة ليست مجرد كيس من المال تضع فيه الحكومة أو الأثرياء تبرعاتهم.

لم يكن البابا فرنسيس أول شخص من خارج غرف الأخبار يضع الصحافة أمام تحدي الدفاع عن استمراريتها، فالمواطن الصحافي يمارس “غطرسته” على الصحافة منذ سنوات عندما أنزل الصحافي من برجه العالي وتواجد قبله غالبا في موقع الحدث، إلا أن البابا رفع مستوى التحدي إلى مرتبة القسوة، الأمر الذي دفع أحد الصحافيين العاملين بإذاعة الفاتيكان إلى وصف تساؤله عمّن يستمع إلى راديو الفاتيكان ويقرأ صحيفته بـ”الصفعة” من أجل أن يجعلنا نتفاعل بقوة ونتغير.

من المفيد أن نعرف ونحن نتحدث عن الأزمة الوجودية التي تعاني منها الصحافة، أن جريدة لوسيرفاتوري رومانو توزع عشرين ألف نسخة يوميا، بينما يتصفح موقعها على الإنترنت عدد مقارب لذلك، ويتضاعف هذا العدد من المستخدمين عندما يتم إصدار نسخ بلغات مختلفة. بينما يبث راديو الفاتيكان إرساله عبر ألف شبكة إذاعية في جميع أنحاء العالم وبعدة لغات.

وتحظى البوابة الإخبارية الرئيسية للكرسي الرسولي على الإنترنت “فاتيكان نيوز” بعشرين مليون متصفح شهريا.

وتمثل هذه الأرقام نسبة متراجعة بالقياس إلى عدد المسيحيين في العالم، أو على الأقل قياسا بالمهتمين بشؤون ونشاطات الفاتيكان.

كان الحديث قبل أكثر من عقد عن الليبراليين الذين لم يكونوا تجاريين بما يكفي لإنتاج صحافة لائقة يتوق الجمهور إلى قراءتها، ولكن اليوم، وفي مواجهة القوة التجارية الهائلة المحركة لعمالقة وادي السليكون، هناك صرخة عبر وسائل الإعلام ضد الفوضى التي ألحقتها الأسواق الحرة بالصحافة التقليدية. لذلك وصل الحال بالبابا فرنسيس أن يسأل عن جدوى إصدار صحيفة تمثل الكرسي الرسولي لا يقرأها حتى المخلصون للمسيحية!

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال