الاستراتيجية الاسرائيلية تجاه فلسطين المحتلة…هل سيتمكن الدعم الامريكي من انقاذ الكيان الى ما لا نهاية؟

 اكدت احداث الحرب الجارية على الاراضي الفلسطينية المحتلة حقيقتين ثابتتين، الاولى هي ان الولايات المتحدة الامريكية لا زالت مستمرة في نهج الدعم اللامحدود لإسرائيل ومهما تمادت في عدوانيتها.

والثانية ان المقاربة الاستراتيجية الامريكية والاسرائيلية ما زالت مبنية على اساسين الاول هو افشال اي جهد دولي لادانة ما ترتكبه اسرائيل من مجازر حتى لا تترتب عليها التزامات دولية. وهذا ما يمكن أن يفسررفض ادارة الرئيس بايدن منذ بداية الازمة، رغم تصاعد العنف الاسرائيلي، عقد جلسة طارئة لمجلس الامن لبحث العدوان الاخير على غزة وعلى المدنيين الفلسطينين في القدس وحي الشيخ جراح ومناطق اخرى، كنتيجة لمحاولات سلب اراضيهم ومساكنهم. 

وعندما تم عقد الجلسة فيما بعد رفضت الولايات المتحدة اصدار اي بيان او اتخاذ اي قرار يحمل ادانة للهجمات العسكرية والانتهاكات الاسرائيلية حتى وان كان القرار او البيان يحمل ادانة مشتركة للطرفين، المقاومة الفلسطينية والكيان الغاصب. لا بل زادت ادارة بايدن بان صرحت ان (لاسرائيل الحق المشروع في الدفاع عن نفسها)، والرئيس الامريكي نفسه لم يكتف بإدانة حركة حماس فقط، بل اضاف بانه لم يجد في ما فعلته وتفعله اسرائيل من جرائم بانه يمثل (استخداماً مفرطاً للقوة). والاساس الثاني هو رفض الولايات المتحدة لاي وقف لاطلاق النار بعد كل عدوان إسرائيلي، سواء على الدول المجاورة او على الفلسطينين في الداخل، حتى تمنح الوقت الكافي لاسرائيل كي تحقق ما خططت له في أي عدوان بادرت به (كإجراء استباقي – ردعي) من أجل ضمان الامن القومي الاسرائيلي.

 وحتى عندما اضطر بايدن أن يصرح في اليوم الثامن من هذه الحرب عن دعمه لوقف إطلاق النار، طلب نتنياهو منه تأجيل ذلك ليومين أو ثلاث حتى (يكمل خطته تحقيق أهداف حملته) والتي يقف على راسها حلمه في تدمير المقاومة الفلسطينية في غزة. هذا الهدف الذي في حقيقته يمثل محاولة نتنياهو انقاذ نفسه من مصير الاستبعاد عن تشكيل حكومة جديدة.

وفي الوقت الذي تحاول فيه إدارة بايدن وبشتى الادعاءات، ومنذ أن دخلت البيت الابيض، أن تميز توجهاتها عن بقية الادارات الامريكية السابقة، وخصوصاً تلك التي نشرت الحروب وزعزعة الاستقرار وعمقت من نظرية الكراهية حيال الولايات المتحدة في الشرق الاوسط، مثل إدارتي بوش وترامب، عن طريق طرح الادارة الجديدة نفسها بانها تسعى الى نشر السلام وانهاء هذه الحروب، (مثال ذلك اعلان بايدن عن الانسحاب من أفغانستان، تشجيع التقارب المصري التركي لايجاد تسوية في ليبيا، الدفع باتجاه تسوية في سوريا، توسيط سلطنة عُمان لايجاد مخرج للحرب في اليمن، توسيط العراق للتقريب بين المملكة العربية السعودية وايران، وخطوات العودة للاتفاق النووي مع ايران والسعي للدفاع عن حقوق الانسان في المنطقة وفي كل بقاع العالم)، كلها مثلت بداية لتغيير الاستراتيجية الامريكية لتكون دبلوماسية المفاوضات والتمسك بالسلام السبيل الامريكي الاول لحل المشاكل في هذه المنطقة. 

إلا إن ثوابت الاستراتيجية الامريكية حيال اسرائيل تجعل من سلوكيات هذه الادارة هي ذاتها التي انتهجتها كل الادارات الامريكية منذ قيام اسرائيل والمبنية على سياسة الدعم والكيل بمكيالين. ففي الوقت الذي تظهرفيه الادارة الامريكية وقوفها مع التهدئة ووقف العنف إلا أن بايدن وافق على بيع صفقة أسلحة الى إسرائيل بقيمة 735 مليون دولار (حسب البي بي سي عربي) لتمكينها من الأستمرار في العدوان على غزة.

 وهذا يذكرنا بإدارة أوباما التي كانت داعمة لحل الدولتين، إلا أنه وقبل انتهاء ولايته الثانية قدم أوباما أكبر مساعدة عسكرية تلقتها إسرائيل في تاريخها من الولايات المتحدة، وذلك بتوقيع اتفاقية تقضي بتقديم مساعدات عسكرية لها بقيمة 38 مليار دولارا وعلى مدى 10 سنوات، دخلت حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الاول 2018. وعادت نائب الرئيس الامريكي كاميلا هارسن لتؤيد منح من جديد مساعدات عسكرية لإسرائيل للسنوات القادمة، كما أكدت (هارسن) على انها ستعمل بكل ما وسعها لضمان حماية الامن الاسرائيلي وحقها في الدفاع عن نفسها مع محاولة الحفاظ على تفوقها العسكري. ودعت للوقوف بوجة كل من يسعى الى ان ينزع الشرعية عن إسرائيل، وكررت أنه يجب على الولايات المتحدة ان تقف وبقوة معها.

من ناحية التحليل السياسي البحت، لا يمكن لأحد من المتخصصين ان يلوم الولايات المتحدة واسرائيل على موقفهما وتماديهما، لسبب بسيط اساسي ان كلاهما يعلم ان خروج حماس منتصرة من هذه المعركة يعني ضربة كبيرة لهيبة وغطرسة القوتين المتجبرتين في المنطقة. إلا أنه فات الطرفين إدراك حقيقتين أساسيتين: الاولى ان هذا الامر سيحدث عاجلا ام اجلا، والثانية ان اكثر من سبعين عام من الاحتلال والقتل والتهجير ورفض عودة اللاجئين وانكار الهوية الفلسطينية لم تنجح في طمس هذه الهوية او اخضاع حامليها للاحتلال، وان سبعة عقود لم تجعل الابناء والاحفاد من نسيان حقوقهم او التنازل عنها. اللوبي الصهيوني والاحزاب الاسرائيلية، المتعجبة من الاصرار الفلسطيني على التمسك بالارض، لم يسالوا انفسهم لماذا يعطي الصهاينة لانفسهم الحق بالتمسك بادعاءات واهية مبنية على قصص تاريخية خيالية عمرها اكثر من الفي عام بينما يتعجبون  من إصرارالفلسطينيين على حقهم الذي اغتصب قبل اكثر من سبعة عقود بقليل؟ ولهذا يمكن القول إن الهدفين الامريكي والاسرائيلي قد فشلا لحد هذه اللحظة.

 فالايام التسعة الدامية السابقة لم ينتج عنها تحقيق اهداف الطرفين الإسرائيلي والأمريكي. فلا القوة الاسرائيلية المفرطة والمدمرة واستهداف المدنيين الابرياء وتدمير البنى التحتية الشامل قد نجحت في اسكات المقاومة او اخضاعها، أو إيقاف صواريخ حماس والجهاد الاسلامي والفصائل الاخرى التي ما زالت تنهال على مدن واحياء محتلة وخاصة تل ابيب. ولا الموقف الامريكي المنحاز قد زعزع من ثقة المقاومين بانفسهم وقدراتهم.

الاستراتيجية الامريكية المبنية على اساس عدم الضغط على اسرائيل لتوقف عدوانها وقتلها اليومي للفلسطينين كانت واضحة، ليس في اقوال بايدن فقط، بل أن هذه السياسة قد أكدها مبعوثَيه الى المنطقة. المبعوث الاول، هادي عمرو، اللبناني الاصل الذي يشغل مستوى رسمي غير عالي، (نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الفلسطينية والإسرائيلية)، والذي قيل عنه انه داعم للحقوق الفلسطينية، كان همه الوحيد منذ وصله الى تل ابيب أن يجبر حماس على اعلان وقف هجماتها الصاروخية على المدن الفلسطينية المحتلة وتل ابيب بالذات، مقابل وعد (باستئناف مفاوضات السلام) التي لم ينتج عنها اي شيء في السابق. وكذلك فعل المبعوث الثاني، وزير الخارجية الامريكي أنتوني بلينكن.

لا بل ان البيان الذي صدر عن الاخير وعن مكتب نتنياهو بعد لقائهما اكد ان الوزير لم يطلب من نتنياهو وقف العدوان، وكرر عبارة ان إسرائيل لها الحق في الدفاع عن نفسها. المضحك ان بلينكن طلب من رئيس السلطة الفلسطينية ان يعمل على حث حركة حماس على وقف اطلاق الصواريخ من جانب واحد، وهو يعلم جيدا ان لا سلطة ولا قدرة لمحمود عباس على فعل ذلك. ثم زاد على ذلك بأن حث الحكومتين المصرية والقطرية والمغربية على استخدام نفوذهم لاقناع حركة حماس للمبادرة من جانب واحد لوقف اطلاق الصواريخ. وكل هذه المطالب هي إسرائيلية بحتة. (علما بان ما يتسرب من معلومات عن إتصالات جانبية سرية يقول أن أمريكا ليست مع توسيع إسرائيل لعملياتها العسكرية خارج حدود الاراضي الفلسطينية ليشمل القصف المتبادل لبنان وسوريا، ويبدو أن ادارة بايدن مع إيقاف سريع للقتال).

من جانبها، ورغم قساوة وحجم العنف الاسرائيلي، اعلنت حماس ان الجهود الامريكية اصطدمت بعقبتين الاولى اصرار اسرائيل على أن تعلن حماس من جانب واحد وقف هجماتها، والثاني رفض اسرائيل اعطاء اي تعهد بوقف اجراءاتها الرامية الى تهويد مدينة القدس وتهجير العوائل الفلسطينية من حي الشيخ جراح ومناطق أخرى، وايقاف الاعتداءات على سكان هذه التي يمارسها المستوطنون، بمساعدة وحماية القوات الامنية الاسرائيلية. رهان وحسابات اسرائيل على مسألة ان ما تملكه حماس من صواريخ وقذائف سينضب خلال ايام، وستضطر الحركة الى القبول بوقف القتال صاغرة والاعتراف بالهيمنة الاسرائيلية اثبت فشله هو الآخر، كما فشل العنف الاسرائيلي واستخدام القوة العسكرية المفرطة في اجبار حركة المقاومة في غزة على رفع راية الاستسلام. واعترفت جهات اسرائيلية رسمية وصحفية ان ماتقوم به حماس امر غير مسبوق ولم يكن متوقعا، ويمثل ويدلل على فشل استخباراتي إسرائيلي واضح في توقع ما حدث او في معرفة قدرات حماس. الا ان كل ذلك لم يجعل نتنياهو يعترف بفشل ادارته في هذا المجال على الاقل. كما ان ماحدث في الضفة الغربية وفي القدس والاهم ما قام به من يطلق عليهم (عرب 48) من انتفاضة ومواجهات مع القوات الامنية الاسرائيلية اثبت زيف ادعاءات اسرائيل بانها نجحت في خلق جيل من (المواطنين الاسرائيلين العرب) راض بالاحتلال والمستعد للعيش في ظله. حيث اثبتت الاحداث الاخيرة وحدة الصف الشعبي الداخلي والاصرار على التمسك بالهوية العربية الفلسطينية. وهذه الحقيقة التي شكلت اكبر ضربة للاحلام الصهيونية الرامية الى محو كل ما يشير الى فلسطين والى محو وتشتيت الهوية الوطنية الفلسطينية. بكلمة اخرى ان كل محاولات اسرائيل منذ عام 1947 لم تنجح في اجبار الفلسطينين على ترك ونسيان هويتهم الوطنية، او أن تجعلهم يسلمون بوجود اسرائيل كأمر واقع لا يمكن تغييره. الظاهرة الإيجابية الأخرى تمثلت في زيادة وتيرة الحراك الشعبي في اغلب عواصم الوطن العربي، وفي العواصم الأوربية وكل مدن العالم الأخرى والتي رفعت كلها شعارات الحرية لفلسطين وإعادة الحق لأهله. أضف الى أن هذه الحرب غيرت التوجهات الاستراتيجية العالمية والاقليمية ومدركات فهم الصراع الفلسطيني-الاسرائيلي وأجهاض فكري-واقعي لنتائج حركات التطبيع.

ان كل الدلائل تشير الى أن حدة العنف والمواجهات الدامية المتبادلة ستستمر حتى تتحقق أحدى النتائج التالية: ان تنجح أسرائيل في إجبار حماس على التراجع والتوقف عن إطلاق الصواريخ على المناطق المحتلة، وهذا الأمر لا يوجد ما يدعمه لحد الآن، او ان تنجح  المقاومة في أسر جنود إسرائيلين تجبر اسرائيل على التوقف عن القصف، او أن تنجح الإنتفاضة الشعبية الفلسطينية في إجبار المعارضين لنتنياهو أن يحملوه على التخلي عن منصبه وان تطلب من رئيس الكيان ان يسمي مرشحا آخر لتشكيل وزارة جديدة لن تتحرج في إقرار وقف إطلاق النار، على اساس أن ذلك لا يمثل هزيمة سياسية لها عكس ما يفكر به نتنياهو، خاصة وان الاصوات التي تطالب بذلك من داخل إسرائيل بدات تتصاعد وتتكاثر، مما يضع نتنياهو في موقف محرج ويصعد من شراسة الحرب ميدانياً والعنف مدنياً. أما التعويل على المجتمع الدولي وخاصة الامم المتحدة، التي لم تلتزم إسرائيل باي قرار من قراراتها، ولن تتخلى الدول الكبرى عن اعتبارات المصلحية في دعم إسرائيل، وستستمرفي دعواتها للتهدئة دون أي ضغط على إسرائيل لإيقاف تجاوزاتها. وعليه فهل دخل الصراع الفلسطيني-الاسرائيلي مرحلة التوازن في الردع بين الطرفين؟ وهل دخل مرحلة يأزمة أشتدي تنفرجي؟ وهل وصلت دول العالم الكبرى الى قناعة بأن إهمال حقوق الشعب الفلسطيني أصبح أمرا لا يمكن السكوت عنه، وان دعمهم اللآ متناهي لإسرائيل لن يخدم مصالحهم بعد الآن؟ الايام المقبلة ستجيب عن هذه التساؤلات.

د. سوسن إسماعيل العسّاف - أكاديمية وكاتبة عراقية


0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال