عند منتصف الطريق إلى ابن سينا

 ضاع الكثير مما حَبّر ابن سينا (980 - 1037 م) خلال حياته. لكن من حسن الحظ أن ما بقي منه تضمّن ميراثاً معرفياً تناقلته الأجيال والشعوب فأنقذ الكثير من الأرواح من الموت المبكّر وهي تصارع الأمراض والأوبئة. وها أن جائحة كورونا التي تضرب العالم منذ أكثر من عام قد أعادت ابن سينا إلى الضوء، ولو لم ننتبه لذلك كثيراً، فقد تعطّلت لغة العلم الحديث وتكنولوجيات العناية الطبية، ولم يبق بيد البشرية غير تلك الإجراءات البسيطة التي كان ينصح بها ابن سينا الناسَ منذ أكثر من ألف عام حين انتشر الطاعون.

كان ابن سينا مثل مفترق طريق مرّت عبره معارف القرون البعيدة إلى زمانه ومن ثمّ إلينا. ولقد كانت حجّته في تأليف الكتب أنه يجمع فيها النافع ويترك ما تُسقطه التجربة أو الحسّ السليم، فكان كلما نصح في أمر يهم صحّة الناس اعتمد على التجريب واستند إلى الذاكرة التاريخية فيما دوّنه علماء بلاد فارس والهند والإغريق والعرب ليضخّها في الحياة العملية. وفي ما يتعلّق بـ الوباء كان يشير إلى البعد عن التجمّعات بإغلاق الأسواق والمساجد، وتعقيم الملابس بالخل، وغسل الأيدي والوجوه، فكأنه يخاطبنا اليوم بلسان اللجان العلمية والحكومات.

لكن، قبل كل ذلك كان ابن سينا ينصح بعدم الخوف من المرض، ومجابهته بنفوس راضية مُسلّمة بمشيئة الله وواثقة في عدالة أحكامه، وهو الذي طالما ردّد بأن "الوهم نصف الداء والطمأنينة نصف الدواء"، وهو قول ليس من الطبّ وحده بل هو فرع من شجرة الحكمة التي كان يحبّ أن يقطف من ثمارها، ولنا أن نلاحظ أن كل طرف من طرَفيْ معادلته، الطب والحكمة، يظلّ عاجزاً عن بلوغ الشفاء دون الآخر.

ولعلّ البشرية اليوم - وهي تحت كلاكل الهيمنة الغربية - لم تتعلّم إلا نصف درس ابن سينا، فهي تتوسّل الحلول بالتقنية والمخترعات والآلات، أو بالإجراءات المشدّدة، ولا تضع الشيء الكثير في كفّة الميزان الأخرى. وذلك ما عبّر عنه كاتب الخيال العلمي إسحاق عظيموف حين أشار إلى أن تفاوت السرعة بين إنتاج المعرفة وإنتاج الحكمة يؤدّي إلى طرق مسدودة إن لم يوصل الحضارة البشرية إلى نهايات أليمة.

هكذا نعرف أن ما ضاع ليس مخطوطات ابن سينا فحسب، بل بعضٌ من روحه، وبعض من حكمته وخبرته ورؤيته للعالم، وأن التخبّط الذي نرى فيه البشرية اليوم هو جزء من ثمنِ ذلك التفريط. وبشكل أوسع، تدفع المجتمعات وستدفع أثماناً باهظة جرّاء إهدارها للكثير من ميراثها المعنوي والمعرفي.

كان تحصيل المعرفة عند ابن سينا أشبه برياضة يومية

لم تكن مؤلفات ابن سينا التي ضاعت إلا مقدّمة تشير إلى سلسلة الإهدارات اللاحقة، على مدى قرون إلى يومنا هذا، فقد ذهب قسط أوّل من كتاباته مع احتراق مكتبته ضمن مكائد القصور في زمنه، ثم اختفت وأُتلفت كتب ورسائل مع إهمال العلوم في البلاد الإسلامية لاحقاً، وقد تكون بعض مخطوطاته قد قُذفت لإضرام نار في موقد بيت أو ألقاها بعضهم في الشارع متخلّصاً من محتويات مكتبة ورثها.

لعلّ ما تعيشه المجتمعات العربية، والمشرقية عموماً هذه الأيام من اختناقات وانسدادات وقد ضاعفتها يوميات الوباء، تبدو مثل لعنة؛ لعنة ابن سينا. بدأ ذلك بقراءات الفقهاء، فكُفّر أو عُدّ في أحسن الأحوال ممن يُفضّل اجتناب قراءته، وتطوّرت هذه العدوانية إلى ما هو أشمل من ابن سينا؛ فضرَبت كل نزعة للتأليف في العلوم العقلية، ثم تراكمت الطبقات أكثر فزهدت الأمة في العلم برمّته وانشغلت بالتفسير والتكرير إلا ما ندر، إلى أن استفاقت على مدافع الغزاة نهاية القرن الثامن عشر.

ليست الجائحة العالمية إلا رجّة جديدة، لعلها وجدت هي الأخرى القوم نياماً أو مضطربين. هم ورثة ابن سينا لكنهم لا يعرفون عنه إلا أنه حكيم زمانه، وأشهر أطباء القدامى، وأن الإنسانية قاطبة تعترف بمساهماته، والغرب الحديث منها خاصة.

يتخبّط هؤلاء وبينهم "كتاب الشفاء" الذي يوحي عنوانه أنه في الطب وما هو كذلك. هو عمل في المنطق والفلسفة والإلهيات قبل كل شيء، فيما خصّص ابن سينا للطب كتاب "القانون"، فكأنه وضع "الشفاء" ضمن ما نصطلح على تسميته اليوم بالعلوم الإنسانية ووضع "القانون" ضمن العلوم التجريبية، وهو في ذلك يقول مرّة أخرى بأنه لا غنى عن معرفة الإنسان قبل معرفة العالم، فكل المعرفة ليست سوى محاكاة للكون كمنظومة يؤثّر كل عنصر فيها على بقية العناصر حتى لو احتجبت عن الأنظار العلاقات الخفية بينها، فلا نستغرب بعد ذلك أن نرى ابن سينا وهو ينتقل في الكتابة عن العقيدة أو عن الحب، وبعد ذلك عن الطيور أو نظم الحكم.

في كتاب خصّصه لابن سينا ضمن سلسلة "فلاسفة العرب"، يشرح يوحنا قمير إسترتيجيات صاحب كتاب "التنبيهات والإشارات" في التعامل مع المعرفة وتلقّيها، حيث يذكر أنه فهم مبكّراً أن المنطق هو عاصمُه من الخطأ في العلم، فانهمك يُحصّله دون أن يسدّ الباب على بقية المعارف، ومنها الدينية والطبيعية، والأخيرة تمثّل مجال انهماكه حين بلغ أوجّه في تلقي العلم؛ أي في عقده الثاني من عمره، وهنا التفت للطب كعلم نافع سرعان ما فتح له أبواب القصور بعد أن شفى - وهو دون العشرين - الأمير نوح بن منصور بعد أن عجز عن علاجه أكبر أطباء عصره.

كأنه يخاطبنا اليوم بلسان اللجان العلمية والحكومات

لكن قمير يشير إلى أن المكانة الاجتماعية الرفيعة التي حققها الطب لابن سينا لم تمنعه من العودة لتأسيس معرفي جديد، حين عاد إلى دراسة المنطق مجدداً، والفلسفة والرياضيات والإلهيات، وكأنه شخص جديد يتلقاها أوّل مرة. ومن الطرائف التي يذكرها قمير عن ابن سينا أنه كان يستعين بالحفظ حين يتعسّر عليه الفهم، كما فعل مع كتب أرسطو، ولم يكن ذلك يعني سقوطاً في النقل على حساب العقل، وإنما كانت طريقة ابتدعها للتحصيل، حيث تخلق المادة المحفوظة في ذاكرته انتباهاً إلى المفاتيح التي تمكّنه من تجاوز ما استغلق عليه.

كانت المعرفة عند ابن سينا أشبه برياضة يومية، فهو إما قارئ أو كاتب أو ممارس لها. كما كان يدرك أنه من أجل أن يكون مقتدراً على إفادة الناس - طباً أو هندسة، وحتى مشورة بسيطة في الحياة اليومية - ينبغي أن يتأهّل بمعرفة موسوعية تجمع خبرة السابقين وتستفيد من الفحص المتجدّد الذي على كل جيل أن يتعهّد به ميراث المعرفة.

دون هذا الاجتهاد في "ملاحقة" المعرفة، كيف يمكن مجابهة أخطار العالم؟ من التخلّص من التبعية والاستغلال الاقتصاديين إلى مواجهة كوارث الطبيعة، ومنها فيروس كورونا، هذا إذا افترضنا أنه من كوارث الطبيعة ولم يكن - كما يذهب كثيرون - مؤامرة مخبرية مدبّرة.

مهما يكن من أمر، حين تمرّ عواصف الأوبئة تكون ملامح العالم قد تغيّرت، وحينها ينتظر الفناءَ كل من أضاع بوصلته، إما لافتقار إلى الأسلحة الطبية والمعرفية، أو لعدم القدرة على الانضباط الجماعي، أو لخمود يضرب النفس فتسقط روح المقاومة كورقة من شجرة ميتة. ويلٌ للمجتمعات التي تخلو من ورثة ابن سينا.

شوقي بن حسن - العربي الجديد

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال