آراء مغاربية - الجزائر | متى تخرج الجزائر من القطبية المزمنة؟

 الجزائريون وجدوا أنفسهم بين نارين، عسكر يقولون لهم نحن وحدنا نستطيع أن نخلصكم من الإسلاميين الإرهابيين، وإسلاميون يقولون لهم نحن وحدنا بإمكاننا أن نحرركم من حكم العسكر.

جماعة وِجْدَة التي استولت على الحكم بالقوة سنة 1962 نصبت فخا جهنميا للجزائر سقطت فيه ولم تتخلص منه إلى اليوم. هو ذلك الحكم المزدوج الهجين المتناقض؛ حكم عسكري فعلي، وحكم إسلامي ثقافي معنوي. ترسخ ذلك بقوة مع هواري بومدين طيلة 13 عاما (من 1965 إلى 1978) واستمر إلى اليوم مخلفا كوارث اقتصادية واجتماعية وأمنية أخطرها عشرية كاملة من الإرهاب الإسلامي راح ضحيته حسب الرواية الرسمية أكثر من 200 ألف قتيل وأكثر من 500 ألف جريح ومليارات من الدولارات كخسائر مادية (من 1993 إلى 2003).

احتفظ العسكر بتسيير الشأن الإداري والاقتصادي والسياسي ورموا بالشأن التربوي والإعلامي والقضائي إلى المحافظين الإسلاميين. وكان الهدف هو تهدئة المجتمع وطمأنته بعد أن اتهمت القوى المحافظة النظام بالشيوعية والإلحاد لأنه اختار الوقوف في صف المعسكر الشرقي.

أنتجت المدرسة الجزائرية المؤسلمة جيلا من الإسلاميين وظف النظام العسكري عنفهم وتطرفهم في إسكات القوى الديمقراطية، وعلى رأسها اليسار في الجامعات خلال السبعينات والثمانينات، وكانت أول جريمة إسلامية ترتكب سنة 1980 راح ضحيتها الطالب الجامعي كمال أمزال في الحي الجامعي بن عكنون بالجزائر العاصمة.

وانقلب السحر على الساحر وتشكلت جماعة إسلامية مسلحة من هؤلاء الإسلاميين المدللين تحارب النظام وتدعو إلى إقامة دولة إسلامية في بداية الثمانينات كان على رأسها مصطفى بويعلي وهو من المشاركين في ثورة التحرير الذين كانوا يتهمون النظام بالكفر منذ الاستقلال. وكانت أولى الجماعات المسلحة في الجزائر.

ولما اشتد على النظام الخناق الشعبي مطالبا بالتغيير والإصلاح عبر انتفاضة سنة 1988 الدامية التي قتل فيها البوليس 500 شاب جزائري، أَخرجَ الإسلاميين من المساجد والجمعيات التي أغدق عليها الأموال ليخلط الأوراق، ونفخ فيهم وسمح لهم بتشكيل أحزاب سياسية ضاربا بالدستور الجزائري عرض الحائط، وشجعهم حتى على تزوير الانتخابات والفوز بأغلب البلديات سنة 1990.

في 1992 نظم انتخابات تشريعية وتركهم يعبثون بالدين ويرهبون الجزائريين بالخناجر وبجهنم “أصواتكم أمانة تسألون عنها يوم القيامة”، حتى استحوذوا على أغلب المقاعد منذ الدور الأول، وكما كان مخططا ألغى النظام تلك الانتخابات ضاربا بهذا عصفورين بحجر واحد؛ أبعد جل الديمقراطيين وأرهبهم بالإسلاميين واستدرجهم لصفه ودفع بالإسلاميين إلى الصعود إلى الجبال واستعمال العنف ثم إقصاؤهم من منافسته على الحكم. وبعد أن هزمهم بتجنيد كل فئات الشعب، عاد وعقد معهم صلحا وقدم لهم المجتمع هدية فأسلموه ونشروا فيه دروشة لا مثيل لها في أية دولة إسلامية.

ومع انتفاضة الـ22 من فبراير 2019 ظهر نتيجة لكل تلك الترسبات انقسام واضح في المجتمع بين ثلاثة اتجاهات متناقضة تماما؛ عسكريون يعتقدون أن الجيش هو الذي يجب أن يحكم بسبب ضعف السياسيين المدنيين، وإسلاميون يحلمون بتطبيق الشريعة وهم الأغلبية بسبب أسلمة المجتمع، وعلمانيون يؤمنون بإقامة دولة القانون والحريات، وانتهازيون لا يهمهم سوى ما يجنون مقابل الخدمات التي يقدمونها للنظام.

لا يشارك العسكريون ولا الانتهازيون في الحراك فحسب بل يمتهنون دعم النظام وشيطنة ثورة الابتسامة. أما العلمانيون الديمقراطيون فقد غرقوا في المظاهرات وسط جموع الإسلاميين الذين سيطروا شيئا فشيئا على الشارع كما يبدو من خلال الشعارات والهتافات كل جمعة وثلاثاء ومحاولة تخويف من لا يتفق معهم داخل الحراك. تم الاعتداء على ناشطات وناشطين عبروا عن رفضهم لدولة الشريعة، وقد تم تداول مقطع يظهر اعتداءهم على ناشط علماني في مسيرة الطلبة يوم الـ23 من مارس الماضي في مدينة بجاية فقط لأنه هتف ورفع شعارا ضد الإسلاميين مطالبا بدولة علمانية.

ويعمل النظام على دفع الشارع إلى التطرف الإسلامي أكثر فأكثر، وهو ما نجح فيه كثيرا لأن الإسلاميين من بقايا جبهة الإنقاذ الإسلامية المحظورة الذين لم يشملهم كرم الرئيس المخلوع بوتفليقة، اغتنموا فرصة الحراك ليظهروا من جديد على الساحة السياسية وليقدموا أنفسهم على أنهم هم المعارضة الحقيقية للعسكر، وهذا ما كان ينتظره النظام وهو اليوم يعمل بطرق كثيرة، خاصة إعلاميا، على وصم الحراك بالإرهاب الإسلامي ليسهل التخلص منه دون أن يثير ضجة إعلامية دولية، وهو ما يحلم به الإسلاميون أيضا ليلعبوا دور الضحية المطالبة بالديمقراطية ومن ثم التلويح بإحياء ملف العشرية السوداء وتخويف العسكر بالمحكمة الدولية.

وهكذا يجد الجزائريون أنفسهم بين نارين؛ عسكر يقولون لهم نحن وحدنا نستطيع أن نخلصكم من الإسلاميين الإرهابيين، وإسلاميون يقولون لهم نحن وحدنا بإمكاننا أن نحرركم من حكم العسكر. يتغذى كل منهما على حساب الآخر، وتربطهما علاقة وجودية مصيرية، فلولا العسكر لما تغوّل الإسلاميون، ولولا الإسلاميون لما استمر حكم العسكر.

وتبقى جزائر الحداثة هي الخاسر الأكبر أمام هذه الثنائية القطبية العسكرتارية الإسلامية، إذ يجد العلمانيون صعوبة كبيرة في كسر هذا الثنائي وإحداث القطيعة المزدوجة معه وإقامة دولة حديثة ككل دول العالم المتقدم. لا إسلامية ولا عسكرية. فمتى يتجاوز الجزائريون هذا المرض المزمن؟


0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال