كيف نخرج من مأزق الغاء الانتخابات المنتظر؟

 ما جرى خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة يبدو وكأنه ثلاثة سنين، او ربما ثلاثة عقود. طفح من كل شيء. كشف لكل شيء. توقعات واحباطات. امل ويأس. قوة وضعف. خير وشر. تحليلات اخذتنا بكل الاتجاهات. لم يبق ما لم يحلل وما لم يفكفك وما لم يبحث وما لم يخطط له.

كيف ستكون حياتنا في ظل انتخابات.

عشرات القوائم وأكثر من ألف مرشح. حماس حقيقي بين تمنّي حقيقي لتغيير وبين اقتناص فرصة لاقتسام المنقسم من السلطة.

بكل الأحوال الحاجة ملحة بلا أدنى شك.

ولكن ….

كم كنا مستعدين؟

سؤال سألته لنفسي في اول يوم ولا زلت اردده في كل مرة مع جواب أقرب لليقين.

لسنا مستعدين.

 لا يمكن الاستعداد لانتخابات في ثلاثة أشهر ببلد منقسم متدهور تحت احتلال لم يمارس الانتخابات منذ ١٥ سنة. نصف الشعب سيذهب لأول مرة في حياته للانتخابات. الإحباط والصعوبات يفرز حاجة الشعب الى حلول تعطيهم عطايا للحياة لا وعود بدعايات انتخابية بتغيير. التغيير الذي يريده الشعب المحبط هو تحسين احواله المعيشية والعيش ببعض سلام.

الكثير تغير في المجتمع والكثير تغير في العالم حولنا.

الا ان العالم تحرك ونحن بقينا ندور في دوائر محاولة العيش في ظل سلطة منقسمة تتقاسم السلطة منفردة في شقي الوطن.

وهم يعلمون جيدا اننا لا نستطيع فعل الكثير.

فنحن نعي جيدا ان الاحتلال لا يزال يخيم علينا. ومهما صببنا جماح استيائنا على ظلم واقع السلطة، فإيماءه من الاحتلال كفيلة ان تصف الجموع بقوة واحدة ضدهم. فيتحول تركيزنا الى العدو التاريخي الذي يحمل وزر مأساوية حياتنا.

وهم يعلمون كذلك، ان هناك حد ما لتحمل البشر وتحمل الدول المانحة. فتستر الدول المانحة على الفساد والمحاباة والظلم كل هذه السنوات وصل بالتأكيد الى ذروة قدرتهم على التستر. فالحاجة الى إعادة الشرعية امر محتم ومطلب استفدنا نحن الشعب المنتظر لفرصة تغيير منها.

كانت الخطة ان يجتمع حزبي السلطة الحاكمة ويتفقا على اقتسام السلطة بانتخابات تبقيهم بالسلطة الى اجل غير مسمى جديد. وسارت الرياح بغير ما تشتهيه بعض السفن. ما جرى من انقسام وخلاف وانشقاق فتحاوي كان متوقع. ولا اعتقد ان الشأن في حماس اقل سوء. ولكن فتح بها هذا القدر من الاختلاف والقدرة على التعبير، وكل فتحاوي يرى في نفسه زعيم (وهذه صفة تحسب لفتح)، بينما لا أحد يعرف كيف تدار الأمور لدى حماس، ورأينا انشقاقات هنا وهناك سرعان ما تم التعامل معها بلا “شوشرة” (وهذه صفة تحسب لحماس). وبينما كان العدو المشترك بينهما هو دحلان، تبين ان دحلان ليس الا جزء من منظومة الاقتسام، فرأينا أكثر من ٣٠ قائمة تشارك في رحى الانتخابات المنتظرة. وهذا على الرغم من الصعوبات والتهديدات والتعطيلات والضغوطات التي حصلت ضد كل من فكر ان يخوض التجربة ويستمر حتى يصل الى مضمار السباق.

قد تكون هذه التجربة بحد ذاتها انجاز مهم. مهم للغاية.

فلقد قال الشعب كلمة مختلفة عن كلمة الأحزاب الحاكمة. لم تعد موازين القوة نفسها. ولم يعد الناس يخشون العواقب. فلقد “طفح الكيل” كما جاء في تسمية احدى القوائم.

ولكن، نقف اليوم جميعا امام قرار قادم بإلغاء الانتخابات. قرار متوقع منذ لحظة تيقن الحزب الحاكم عدم سيطرته على النتائج لمصلحته، والأكثر بسبب انشقاق كبار في صفوفه الأولى. وحمى السلطة اصابت كوادره، فالكثيرين كانوا على ما يبدو بانتظار هذه اللحظة. بانتظار ان يقتسموا المقسوم.

نستطيع ان نعترض بالتأكيد ونرفض وننزل الى الساحات بمسيرات احتجاجية. ولكن هل سيتغير من الامر شيء؟

ما يتم التخطيط له في هذه الاثناء إعادة اقتسام السلطة بلا انتخابات، وصاحب القرار واحد. فمن استطاع ان يغير التشريعات ويستنفذ بالقرارات ويتحكم بالقانون، يستطيع ان يغير مرسوم بتأجيل انتخابات. هو لا يحتاج الى مسوغ قانوني لكي يخرج من هذا المأزق. هو القانون.

ولكنه بالتأكيد في مكان أضعف من أي وقت. لأن البيت الداخلي عنده تكشف وهنه. والشعب لم يعد بنفس الضعف.

٣٠ قائمة قامت لتتحدى الواقع، هذه ليست طفرة افراد ولا حراك يمكن اسكاته او قمعه.

يستطيع الرئيس ان يضرب كل شيء في عرض الحائط ويخرج مرسومه وتعود الأمور ادراجها تدريجيا. فردود الفعل لدى الشعب الثائر الغاضب محسوبة دوما. فالشعب عندنا لا يريد اسقاط النظام. الشعب يريد ان يكون هو النظام.

ومن اجل ان نكون النظام يجب ان نتصرف كقيادات حقيقية.

هناك فرصة امامنا مهمة بموضوع التأجيل الواضع السلطة في مأزق. قد يسألوننا عما نريد. او لنقل لهم نحن ما نريد.

نريد انتخابات نعم.

نقبل بالتأجيل بشروط واضحة وبسقف زمني محدد. والشروط تتضمن تعديل القوانين المجحفة والتي لم تلتزم بإلغائها الفصائل، والمتعلقة ببنود شرط العمر، على ان يكون سن الترشح ٢١ سنة بدل ٢٨. الغاء شرط الاستقالة. وإلغاء الرسوم الباهظة للترشح. وإذا ما كان هناك نية لتشكيل حكومة وحدة وطنية يجب ان تكون حكومة وحدة وطنية مؤقتة حقيقية لفترة زمنية محددة وقصيرة المدى لا كسابقاتها من الحكومات الانتقالية المؤقتة الى الابد او الى حين ملل الرئيس وفتح منها.

بالإضافة الى ذلك، تكفل ارجاع الوضع للمرشحين كما كان قبل الترشح وذلك بما يتعلق بالاستقالات.

لتكن هذه شروطنا، وليكن وجودنا باجتماع الفصائل مطلبا أساسيا. ففكرة ان تجتمع الفصائل ” التاريخية” والتي تشمل في بعضها من لم ينزل الى سباق الانتخابات، ومن قرر انه لا يريد الانتخابات، ومن لم يستطع حسم امره او اعداد قائمة انتخابية، وتقرر بشأن الانتخابات يضعنا في نفس دائرة العجز.

مطلب القوائم يجب ان يتمركز حول مشاركتهم بالاجتماع القادم. ولنكن جميعا جزء من عملية التغيير السياسي لما سيكون أفضل لهذا الوطن.

ولنلتحم كقوى فاعلة ناشطة متجددة في الواقع السياسي. ولنحاول تجنب انفلات أمني قادم. لنحبط الاستعدادات لأخذ المقاعد التشريعية بقوة البطش والسلاح. ولنسلم ببعض السلم الأهلي الذي لم نعد نشعر به.

بالمحصلة، لا يمكن الرجوع بالزمن الى الوراء لحظة، فتح كما عهدناها تحتاج بالفعل الى إعادة تنظيم وتنظيف، دحلان لم يعد مجرد خارج عن السرب الفتحاوي يعمل بالخفاء، ولكنه صار تيارا فتحاويا على الأرض. البرغوثي والقدوة شرخا فتحا ولد منه حراكا جديدا مهما ربما. حماس تحافظ على مكانها سياسيا أكثر من أي وقت. الجبهة الشعبية ثابت لا متغير ولا متحرك.  القوائم المستقلة لم تعد حراكات مؤقتة لقضية محددة. الأحزاب التاريخية الأخرى في معظمها لم تعد موجودة الا باسمها.

لتكن المحطة القادمة من هذا القطار المنطلق نحو الانتخابات، لحظة حكمة وعمل وتغيير، لا ردة فعل لبعض الأيام ليبقى الوضع على ما هو عليه لعشر سنوات أخرى.

نادية عصام حرحش - كاتبة فلسطينية

http://nadiaharhash.com


0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال