حوارات عربية وإسلامية متعددة: هل هبّت رياح وستفاليا في بلادنا؟

 كشفت مصادر متعددة أجنبية وعربية عن بدء مفاوضات إيرانية- سعودية في بغداد، وأن هذه المفاوضات تتناول العلاقات الثنائية والأوضاع في اليمن ولبنان.

وبموازة ذلك أوضحت بعض المصادر المطّلعة في الاردن، أن هناك جهودا عراقية تبذل من أجل إجراء حوارات أردنية- إيرانية، ومصرية- إيرانية، إماراتية- إيرانية.

وفي الوقت نفسه شهدنا في الأسابيع الأخيرة إشارات متعددة إلى بدء الحوار التركي- المصري، والتركي- السعودي والتركي- الإماراتي، بعد أن شهدنا مصالحة خليجية وعودة العلاقات بين السعودية وقطر، إضافة لعودة التواصل المصري- القطري.

وقد شهدنا أيضا وصول الأطراف الليبية إلى تسوية داخلية برعاية عربية ودولية، في حين أن الجهود لا تزال متواصلة للبحث عن تسويات سياسية للأزمات في اليمن ولبنان وسوريا. وأما العراق فقد بدأ يشهد تطورات إيجابية رغم أنه لا يزال يعاني من خلافات سياسية داخلية، إضافة للمخاطر الأمنية.

والتطور المهم أيضا انطلاق المفاوضات الإيرانية- الدولية حول الملف النووي الإيراني لإنهاء العقوبات الأمريكية على إيران، وعودة إيران وأمريكا إلى الاتفاق النووي السابق. وهناك مؤشرات ايجابية في هذا المجال، رغم كل الجهود الإسرائيلية واللوبي الإسرائيلي في أمريكا لإفشال المفاوضات، أو المحاولات الإسرائيلية لجر إيران إلى حرب واسعة من خلال سلسلة الاعتداءات على السفن الإيرانية أو استهداف المراكز الإيرانية النووية.

    هل ستؤدي كل هذه التطورات الإيجابية إلى وقف الحروب والصراعات في العالم العربي والإسلامي؟ وإلى انتهاء الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية والمالية؟ وما هو مصير الدول الأخرى التي لا تعاني من الحروب العسكرية ولكنها تواجه أزمات سياسية داخلية؟ 

كل هذه التطورات تحصل في ظل إدارة أمريكية جديدة وصدور قرار أمريكي نهائي بالخروج من أفغانستان، والعمل لترتيب تسوية داخلية بمشاركة حركة طالبان، وتقوم وفود من الحركة بزيارات ولقاءات إلى طهران وموسكو وأنقرة. وهناك مساع متعددة من أجل ترتيب الأوضاع السياسية في هذا البلد الذي عانى من حرب أمريكية طويلة وصراعات داخلية وخارجية.

لكن هل ستؤدي كل هذه التطورات الإيجابية إلى وقف الحروب والصراعات في العالم العربي والإسلامي؟ وإلى انتهاء الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية والمالية؟ وما هو مصير الدول الأخرى التي لا تعاني من الحروب العسكرية ولكنها تواجه أزمات سياسية داخلية؟ وماذا عن بقية التحديات والأزمات الأخرى كمشكلة سد النهضة بين إثيوبيا ومصر والسودان؟ والتوترات بين المغرب والجزائر؟ وعودة العنف وتحريك بعض الجماعات المتشددّة في مناطق أخرى؟

لا بد من التوضيح أولا: إننا لا زلنا في قلب الأزمات والحروب، وأن الصراعات والتحديات لا تزال قائمة ومستمرة في العديد من الدول، وبين دول ودول أخرى، وأن الصراعات الإقليمية والدولية مستمرة في بلادنا وحولنا، لكن على الأقل نحن اليوم أمام متغيرات دولية وإقليمية مهمة، وأن الإدارة الأمريكية الجديدة لديها مقاربات جديدة للأوضاع في العالم والمنطقة، مما فرض على دول المنطقة إعادة النظر بمقاربتها للأوضاع والتطورات، والبدء بالمفاوضات والحوارات من أجل التوصل إلى معالجات لعدد من الملفات الساخنة ولوقف الحروب والصراعات.

 الإدارة الأمريكية الجديدة لديها مقاربات جديدة للأوضاع في العالم والمنطقة، مما فرض على دول المنطقة إعادة النظر بمقاربتها للأوضاع والتطورات، والبدء بالمفاوضات والحوارات من أجل التوصل إلى معالجات لعدد من الملفات الساخنة ولوقف الحروب والصراعات

وعلى ضوء هذه المعطيات الجديدة وبعد عشر سنوات من الحروب والصراعات المستمرة، هذا إذا استثنينا الحروب والصراعات السابقة التي يشهدها العالم العربي والإسلامي منذ عشرات السنين، هل آن الأوان مجددا لإعادة طرح ما سمي "مشروع وستفاليا عربية وإسلامية" من أجل التوصل إلى حلول لأزماتنا ومشاكل بلادنا؟

المعروف أن هذا المشروع طرحه عدد من المفكرين والباحثين في السنوات الماضية، وأبرزهم المفكر العربي الدكتور عبد الحسين شعبان (وهو لديه نشاطات متنوعة لوقف العنف ودفاعا عن حقوق الإنسان)، كما تبناه أيضا النائب الدكتور علي فياض (وهو قيادي من حزب الله في لبنان)، وبعد ذلك تحوّل المشروع إلى أطروحة متكاملة عبر منتدى التكامل الإقليمي الذي أسسه المفكر العربي سعد محيو مع مجموعة من الشخصيات العربية والتركية والكردية والإيرانية. وقد دعا إلى حوار عربي- تركي- إيراني– كردي، وكان أيضا المناضل الراحل أنيس نقاش داعما لهذا المشروع عبر الدعوة إلى الكونفيدرالية المشرقية وتأسيس مجلس السلم والتعاون والذي يدعو لتعاون دول المنطقة في كافة المجالات، وعقدت أيضا مؤتمرات في تونس وأربيل والعاصمة الأردنية وفي بيروت للترويج لهذه المشاريع، والدعوة إلى الحوار بين العرب والإيرانيين والأكراد والأتراك، كما أنشئت عدة هيئات عربية وإسلامية تتبنى هذه الأطروحات الحوارية والدعوة لوقف الحروب والصراعات في المنطقة والوصول إلى تسويات لكل الأزمات الداخلية.

واليوم قد تكون الفرصة أقوى وأفضل، ونحن سننتظر معرفة نتائج المفاوضات والحوارات الدائرة بين أكثر من دولة عربية وإسلامية، على أمل أن يتم التوصل إلى وقف كل الحروب والصراعات، كي نتفرغ لمواجهة العدو الحقيقي وهو العدو الصهيوني، وكي نستفيد من ثرواتنا للتنمية والبناء وتطوير الإمكانيات والحصول على الثروات التكنولوجية، وكي نكون جزءا من مشاريع البناء والاستثمار الدولية والإقليمية.

  مسؤولية العلماء والمفكرين والنخب الثقافية والعلمية ومراكز الدراسات والأبحاث التشجيع على هذه الأجواء الإيجابية، وأن تقدم الدراسات والمعطيات التي تساهم في بناء دولنا وتعزيز العلاقات فيما بينها

لكن في الوقت نفسه فإن مسؤولية العلماء والمفكرين والنخب الثقافية والعلمية ومراكز الدراسات والأبحاث التشجيع على هذه الأجواء الإيجابية، وأن تقدم الدراسات والمعطيات التي تساهم في بناء دولنا وتعزيز العلاقات فيما بينها. طبعا هناك مهمات أخرى لها علاقة ببناء كل دولة على حدة عبر إعادة الحوار الداخلي وإطلاق المعتقلين وإجراء الإصلاحات السياسية والاقتصادية، والوصول إلى مصالحات مجتمعية وسياسية.

لن نتفاءل كثيرا بأن نحقق كل هذه الطموحات والآمال، لكن في المقابل علينا أن نكون جزءا من هذا المشروع الكبير وأن نعمل من أجل نجاحه، ونحن نعيش اليوم أجواء شهر رمضان، وهو فرصة كبيرة لفعل الخير والعمل من أجل المجتمع.

وعلى أمل أن تهب رياح وستفاليا على بلادنا لنبني المستقبل بشكل أفضل، بعد أن خسرنا الماضي وقدمنا التضحيات الكبيرة المادية والبشرية والمالية.

twitter.com/KassirKassem

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال