رغم القانون الجديد.. الخطر لا يزال يلاحق الناجيات الإيزيديات

 يمثل قانون الناجيات الإيزيديات بارقة أمل لإنصاف الإيزيديات اللواتي تعرضن للسبي والاختطاف والاستعباد من لدن عناصر "داعش" في العراق، غير أن المتأمل لأحوال البلد ولبنود القانون قد يتعرف على عدة نواقص.

مرّر البرلمان العراقي مؤخراً قانون "الناجيات الإيزيديات" الذي يعترف بالجرائم الخطيرة التي ارتكبها مقاتلو تنظيم "داعش" الإرهابي بحق النساء المنتميات إلى هذه الأقلية الإيزيدية ويصنفها (أي الجرائم) في دائرة الجرائم ضد الإنسانية.

وكان تنظيم "داعش" الإرهابي قد اجتاح منطقة سنجار الإيزيدية في شمال العراق شهر أغسطس/ آب 2014، وقام مقاتلوه على مدار ثلاث سنوات بأعمال جد مروعة من قتل واغتصاب واختطاف وسبي وحتى بيع في أسواق النخاسة بحق الكثير من أفراد هذه الأقلية الدينية، قبل تحرير المنطقة عام 2017.

يعد القانون الأول من نوعه في كل الدول الناطقة بالعربية الذي ينصّ على اهتمام يخصّ النساء الناجيات من جرائم العنف الجنسي في النزاعات المسلحة. كما وصف الرئيس العراقي برهم صالح المشروع بأنه خطوة جد مهمة لمساعدة هؤلاء الناجيات.

تجارب مؤلمة

تقول أرقام غير رسمية إن حوالي 10 ألف إيزيدي وإيزيدية قُتلوا أو تعرضوا للاختطاف خلال هجوم "داعش"، بينما أجبر عشرات الآلاف على مغادرة منازلهم، ومنهم غزالة جانغو التي كانت تبلغ من العمر 18 عاما فقط عندما هاجمت عناصر "داعش" جبل سنجار.

عادت غزالة بعد ست سنوات إلى جبل سنجار، حيث تعمل حالياً مع منظمة محلية لمساعدة الأسر الفارة على العودة إلى منازلها. ورغم أن العراق أعلن الانتصار على "داعش" عام 2017، إلا أن الأقلية الإيزيدية ما تزال تعاني، تقول غزالة لـ DW، متابعة أن المشروع مهم جداً للإيزيدات الناجيات، خاصة أن الغالبيات منهن لا يملكن أحداً يدعمهن بسبب مقتل أفراد عوائلهن.

وترى غزالة أن المشروع سيساعد على تحسين الوضع المالي للإيزييدات اللائي يعشن الفقر منذ سبع سنوات، لكنه لن يساعد الناجيات على الإحساس بالأمان، فالأمر يخص فقط "دعماً مادياً لا يضمن الحماية". إيزيديون آخرون تحدثوا لـ DW يشاطرون الإحساس نفسه، بل يشككون حتى في إمكانية وفاء الحكومة بكل الوعود التي قطعتها.

يقول أحمد خيديدة برجس، نائب مدير "يازدا"، وهي منظمة يزيدية تساهم فيها الكثير الجنسيات وتعمل على دعم الناجين من "الإبادة الداعشية": "نتمنى ألا يبقى القانون حبراً على ورق وأن يكون حلاً عملياً لمساعدة الناجيات.. فعلى مدار السنوات الست الماضية، كانت هناك العديد من الوعود لكن القليل منها ما تمّ تنفيذه، فبلدات الإيزيديين التي دمرتها عناصر داعش لا تزال كما هي".

غير أن الأمر لا يتعلق فقط بإعادة البناء، بل كذلك بكل ما يحيط به، من أمن وعدالة وتنمية، يتابع برجس. لذلك يبقى المشروع الجديد، وإن كان مهماً، غير كافي، يتابع المتحدث، فالمشكل الرئيسي هو كيف تنظر الغالبية من العراقيين للأقلية الإيزيدية.

على ماذا ينصّ القانون؟

من جملة أهداف القانون، منع تكرار هذه الانتهاكات الخطيرة، غير أنه ليس الكل مقتنعاً بأن القانون سيحقق ما يصبو إليه، إذ تقول نساء إيزيديات إن الخطر الذي حرّض مقاتلي "داعش" على ارتكاب تلك الفظاعات بحقهم لا يزال موجوداً في العراق.

ينص المشروع على تقديم الدعم لضحايا تنظيم "داعش"، وعلى رأسهم النساء الإيزيديات اللائي تمّ اختطافهن قبل تحريرهن، وكذلك أفراد آخرين من أقليات عرقية أو دينية أخرى عانت من جرائم التنظيم الإرهابي، كالتركمان والمسيحيين والشبك.

وسيتيح المشروع للضحايا إمكانية التوصل بدعم مادي شهري وتوفير السكن والمساعدة النفسية والاجتماعية، وكذلك تكون لهم الأولوية في 2 بالمئة من الوظائف بالقطاع العام.

وأكد المشروع على تخليد يوم 3 أغسطس/ آب (اليوم الذي هاجم فيه مقاتلو داعش جبل سنجار) يوماً وطنيا للتعريف بقضية الضحايا، كما نص على إحداث مكتب حكومي خاص بشؤون المرأة الإيزيدية، سيفتح في محافظة نينوى شمال العراق، غير أنه لم يكن حاسما في مسألة حقوق الأبناء اللائي أنجبتهن الضحايا من عناصر "داعش"، وهو موضوع يثير حساسيات كبيرة داخل المجتمع الإيزيدي.

الحاجة إلى الإنصاف

وفي تاريخ العراق، البلد ذو الأغلبية المسلمة، كان دائماً ما ينظر للإيزيديين على أنهم "عبدة الشيطان". وبسبب معتقداتها، عانت الأقلية من التضييق في فترات كبيرة من التاريخ العراقي، وحاولت عدة مجموعات منهم الأتراك العثمانيين والأكراد المحليين تحويلهم إلى الإسلام، ويحصي الإيزيدين ما يقارب 72 حملة إبادة تعرّضوا لها في التاريخ.

"الإيزيديون فقدوا الكثير ولم يعودوا يثقون بالحكومة العراقية ولا بالحكومة الكردية"، يقول سعود من سنجارلـ DW (طلب عدم الإفصاح عن اسمه الكامل خوفاً من ردة فعل الميليشيات الكردية). وكان من المفروض على القوات الكردية، بناءً على الموقع الجغرافي، أن تحمي جبل سنجار عام 2014، إلّا أنها انسحبت تاركة المدنيين الإيزيديين لمصيرهم أمام عناصر "داعش".

"تمت خيانتنا من جيراننا السنة والكرد" يتابع سعود الذي يعيش في مخيمات اللاجئين الإزيديين داخل العراق. ويرغب المتحدث في العودة إلى بلدته لكنه لا يعتقد بوجود الحماية اللازمة هناك.

وحسب تصريح المتخصص النفسي الألماني جان إلهان كيزيلهان لـ DW، وهو أستاذ في جامعة بادن فورتمبيرغ عمل مع الإيزيدين الناجين الذين فروا إلى ألمانيا، فالدعم الطبي والمادي والنفسي الذي يعد به مشروع القانون لا يكفي، وهناك حاجة إلى مصالحة بين الإيزيدين وبين فئة من المسلمين كانت تساند التنظيم الإرهابي.

كما يرى برجس أن المعاملة السلبية تجاه الإيزيديين لا تزال مستمرة داخل المجتمع العراقي: "الغالبية من العراقيين ترى هذه الأقلية أنها غير مؤمنة، وعندها يعمل أفرادها في المطاعم مثلاً، لا أحد يأكل الطعام بمبرّر أن من طهاه هو إيزيدي"، لذلك "لا نشعر أبداً بالأمان، خاصة أنه لا يوجد مخطط لوقف هذه التهديدات"، يقول برجس، مبرزاً أنه "عندما ستظهر فرصة مواتية، سيقوم تنظيم متطرف آخر بالأمر ذاته (أي تكرار هجوم "داعش")، وأن واقعة من هذا القبيل هي مسألة وقت فقط".

غازيا أوهانس/ إ.ع  - DW عربية

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال