الأردن.. حول فاجعة السّلط

 محاربة الفساد ليست جهدا فرديا بل عملية جماعية تكاملية وذات خطوات محددة، وهو ما يجعل من دولة متقدمة قادرة على الإدارة الجيدة بينما دول أخرى متعثرة لا تستطيع إدارة مطعم؟

ليست فاجعة السلط هي الفاجعة الوحيدة وليست الأولى ولن تكون الأخيرة، فقد سبق للمصريين أن فقدوا مرضاهم بسبب انقطاع الأوكسجين منذ مدة قليلة، وجرى أهل الضحايا في الممرات وهم يصرخون ويستنجدون. وليس هناك قشة تقصم ظهر البعير في مجتمعاتنا، فالبعير عندنا يتحمل ما لا يتحمله أي بعير في الدنيا، والثقافة ونظام الإدارة بحاجة إلى تغيير جذري، وإذا لم يحصل هذا التغيير، فسوف تتكرر حادثة السلط والآلاف من الحوادث المشابهة بشكل يومي.

الفساد في المجتمع العربي تراكمي بدأ منذ عقود وأصبح جزءا من الثقافة البديهية التي لا تخضع للجدال، وإذا كان المسؤول جادا في مكافحة الفساد، عليه أن يحمل العصا ويقضي وقته متنقلا بين الدوائر والمؤسسات، وقد انتحر الكثير من الشباب من قبل عندما سدّت الأبواب في وجوههم، ومع ذلك لم يتوقف الفساد. وإذا كنّا نعتقد أن الفساد انتشر بسبب الحاكم، فهذا تبسيط للأمور، ولو اقتلعنا الحاكم سيبقى الفساد مستشريا ما لم تقتلع ثقافة الفساد، ولو جاء عمر بن الخطاب نفسه، فلن يتمكن من اقتلاعه لأنه موجود في العقول وليس في الأماكن، وهو خفي وليس مرئيا ولا يمكن القبض عليه وسجنه.

الفساد موجود في البيت والمدرسة والجامعة والشركة والدائرة وفي كل مكان يتردّد العربي عليه، ولا يطفو على السطح إلا إذا حدثت مصيبة، ولا بد أن تحدث مصيبة بين فترة وأخرى، فكل ما يعانيه الناس هو نتيجة الفساد، وهم يعيشون نتائجه يوميا، فلا يمكن توجيه الاتهام إلى شخص بعينه، فالمعلم الذي لا يؤدي وظيفته على أتمّ وجه فاسد، والطبيب الذي لا يتابع حالة مريضه فاسد، وهذا يحدث كثيرا حتى في المؤسسات الخاصة، فهناك طبيب يعالج الحالة حسب ما درس في الجامعة ويوثق إجراءاته وهو يعلم أن ما قام به غير كافٍ وأن مضاعفات العلاج أخطر من المرض وعليه أن يقوم بإجراءات بديلة ولكنه لا يكلّف نفسه عناء تطبيق العلاج البديل لأنه ربما يكون متعبا له، ثم يتوفى المريض ولا أحد يحاسب الطبيب على الإطلاق لأنه قام بخطوات العلاج حسب “البروتوكول” الطبي. وهناك مدقق مالي يحتاج إلى مدقق بعده لأنه تغاضى عن ثغرات معيّنة لأنه لا يرغب في متابعة الموضوع، كما أنه إذا ختم التدقيق سريعا، فإنه سيعود إلى البيت في وقت أبكر.

إن محاربة الفساد ليست جهدا فرديا بل عملية جماعية تكاملية وذات خطوات محددة، فما الذي يجعل دولة متقدمة قادرة على الإدارة الجيدة بينما الدول المتعثرة لا تستطيع إدارة مطعم؟ إذا طرحنا هذا السؤال، علينا أن نطرح الكثير من الأسئلة من هذا النوع، ما الذي يجعل دولة غنية وأخرى تعتمد على المساعدات؟ ما الذي يجعل صاحب المنصب يصبح غنيا في غضون سنة؟ ما الذي يجعل مواطن دولة ما قويا ويعتبر نفسه معنيا بكشف أي حادثة فساد مهما كان مرتكبها، ومواطن دولة من العالم الثالث يحجم ولا يكلّف نفسه عناء اتخاذ أي إجراء؟

إن حادثة السلط مجرد حادثة أخرى تحدث في العالم الثالث، وأنا شهدت حادثة أخرى أمام عينيّ إذ حضر في إجازة الأسبوع إلى مستشفى رجل يحتاج إلى تغيير بلازما الدم، وقام الطبيب العام بإدخاله وأخبره بأن سينتظر حتى يوم الأحد لأن الكادر لا يداوم في نهاية الأسبوع، وفي صبيحة يوم الأحد، كان الرجل قد توفّي. وذات مرة، كان الطلاب ينتظرون تسجيل المواد، ولكن رئيس القسم الذي لديه الكشوف تأخر، والطلاب واقفون والمدرسون جالسون في مكاتبهم ينتظرون الكشوف، فقام أحد المدرسين بنزع الكشوف المعلقة على اللوحات الإعلانية وصورها ووزعها على المدرسين لكي يبدأوا في التسجيل، فنهضوا وهم يلومونه على ما فعل. إن الأفراد أنفسهم مسؤولون عن الفساد وليس لديهم العقلية التي تؤمن بالعمل والتنفيذ وتحويل الأخلاق من مجرد درس في مقال أو كتاب إلى تطبيق عملي، فهناك خلل داخلي وليس خارجيا، وإذا صلح الاستعداد الذهني وارتقت الثقافة لدى كل فرد في المجتمع، وجرى التعامل مع كل حادثة فساد بحزم، فإن الحياة تصلح بشكل تلقائي، أما الإصلاح الجزئي والمبعثر فإنه لا يأتي بأي نتيجة.

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال