آراء مغاربية - تونس | الريسوني وعبير موسي وصناعة "تهويد" الخصوم

 نفس الأساليب تتكرر، ونفس الدعايات تُعتمد في محاولة لتبرير الصراع مع الخصوم، ونفس النهج الفاضح يستعمله الإخوان في التحريض ضد المختلف والآخر.

المواجهة الطاحنة التي شهدتها العاصمة تونس بين قيادة وأنصار الحزب الدستوري الحر، وما يسمّى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، أكدت مرّة أخرى، أن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد، وأن الإسلام السياسي بأذرعه المتعددة يخترق الدول والمجتمعات، ويؤسس لمشروعه العقائدي من خلال تجنيد كل إمكانياته، في انتظار اللحظة التي يراها مناسبة للانقلاب على جميع الأطر التي سمحت له بالحركة والنشاط، حيث لا هو يؤمن بالدولة الوطنية ولا هو يعتقد في مبادئ الديمقراطية ولا هو يعترف بالدولة المدنية إلا وفق مرجعياته التاريخية.

يمارس الاتحاد حيلا ساذجة، ولكنها تبدو ناجعة بالنسبة إلى منتسبيه ممن تحرّكهم العاطفة الدينية وأوهام العودة إلى زمن الخلافة المزعومة، وتجد من ينفذها ويسهر عليها، وفي ذات الوقت من يندفع للسقوط في فخاخها، كما حدث في فرع تونس بعد 120 يوما من الاعتصام الذي نفذه الحزب الدستوري الحرّ أمام مقره في شارع خير الدين باشا، عندما فتح عاملون داخله الباب أمام نائبتين في البرلمان لتدخلا المقر وتطلعا على بعض محتوياته، ثم ليتم تصوير ذلك على أنه اقتحام واعتداء على مؤسسة قائمة معترف بها من قبل الدولة، وبالتالي فهو خرق للقانون والدستور، ثم لينطلق الصراخ والعويل وفق ما تم الإعداد له سلفا، ودعوة الأنصار والمتعاطفين للدفاع عن المقر والعاملين فيه.

المنتظرون لتلك اللحظة سارعوا بالوصول، وبعضهم كان قد وصل من مدن داخلية استعدادا لتنفيذ المطلوب منهم، وهو التجمع للهجوم على خيمة الاعتصام القائم، والإعلان عن اعتصام آخر. ولكن أمام مقر الحزب الدستوري الحر غير البعيد عن مقر فرع اتحاد علماء المسلمين، ومن الطبيعي أن ينجح الإسلاميون الشركاء في الحكم، في تحريك آلة السلطة التنفيذية لفض الاعتصامين الأصلي والوليد بدعوى فك الاشتباك بين الطرفين.

إلى حد هنا، قد يكون الشأن تونسيا بحتا بين المدافعين عن الدولة الوطنية، وبين القافزين فوقها باعتناق الأيديولوجيات التدميرية الوافدة والعاملة على إعادة صياغة النموذج المجتمعي وفق مشروع عابر للدول والقارات، لكن بيانات الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وكتابات أعضائه والتغطية الإعلامية من قبل أبواق الإخوان، أكدت أن تونس في قلب ذلك المشروع الذي ترعاه دول ومؤسسات، وتعمل على تنفيذه جهات بعضها ظاهر والبعض الآخر خفي يتحرك فقط عند اللزوم.

قد يكون أغرب ما ورد على موقع الاتحاد مثلا، هو ما دوّنه رئيسه المغربي أحمد الريسوني، خليفة يوسف القرضاوي في المنصب الإداري، من كلمات لا تليق بمن يصف نفسه بالعالم، وبمن ينتسب زورا وبهتانا إلى قيم الإسلام.

التطرف ينمو في تونس تحت غطاء ديمقراطية مزعومة، أول المستفيدين منها هم من يستعملونها أداة للتمكن من مفاصل الدولة والمجتمع، وخطاب الريسوني واحد من أسباب انتشاره

يقول الريسوني “في غضون الفترة الأخيرة برزت في تونس ظاهرة غريبة مثيرة للعجب والدهشة. امرأة تونسية، أو من أصل تونسي، تسمّى عبير موسي، ويقال إن اسمها الحقيقي هو عُزير موشي، تتزعم عصابة من الرجال والنساء، يقومون بمهاجمة المؤسسات الرسمية للدولة، ويعرقلون أعمالها، وأحيانا يعربدون فيها لعدة أيام، كما وقع في اعتصامهم الطويل داخل مقر البرلمان التونسي. وهم يمنعون مجلس نواب الشعب من تناول أي قضية أو إصدار أي قوانين لا يريدونها، ومنها تشكيل المحكمة الدستورية”.

يقول الريسوني عن عبير موسي إنها امرأة تونسية أو من أصل تونسي، في محاولة للإيحاء بأنها قد تكون مواطنة أجنبية لكن جذورها فقط تونسية، وله في ذلك أهداف لا تخفى عمّن يتابع خطاب الإخوان التخويني والتشكيكي في الانتماء الحقيقي لمن يخالفهم مشروعهم أو لا يعترف بمحورهم المرتبط أساسا بقطر وتركيا وبالجماعة ككيان بديل عن مفهوم الدولة. ويضيف أن تلك المرأة “تسمّى عبير موسي، ويقال إن اسمها الحقيقي عُزير موشي” في إحالة واضحة إلى عادة إخوانية راسخة منذ خمسينات القرن الماضي على الأقل، وهي إلصاق الانتماء إلى الديانة اليهودية بكل سياسي يرفض مشروعهم أو يناقض خياراتهم، لإقناع السذّج بأنه يدور في فلك الصهيونية، وأنه إنما يحارب الجماعة لأنها تتزعم المواجهة ضد إسرائيل، في تكريس واضح لخطاب الكراهية والحقد الأعمى والتمييز الديني والعنصري، وقد فعلوا ذلك مع جمال عبدالناصر والزعيم الحبيب بورقيبة وحافظ الأسد وصدام حسين ومعمر القذافي وياسر عرفات والحسن الثاني والأسرة الحاكمة في السعودية وعبدالفتاح السيسي، وها هو الريسوني رأس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ومن يزعم أنه زعيم زعماء المرجعيات الروحية الإسلامية المسيّسة، يلحق بهم عبير موسي رغم أنها ليست رئيسة دولة.

ولكن نفس الأساليب تتكرر، ونفس الدعايات تُعتمد في محاولة لتبرير الصراع مع الخصوم، ونفس النهج الفاضح يستعمله الإخوان في التحريض ضد المختلف والآخر.

لا يقف الريسوني عند ذلك بل يحمّل موسي مسؤولية فشل البرلمان في تناول أي قضية وإصدار أي قوانين ومنها تشكيل المحكمة الدستورية، رغم أن من لقنوه هذه المعلومات، يدركون أن موسي دخلت البرلمان قبل عام وأربعة أشهر، فيما لا يزال مشروع المحكمة الدستورية معطلا منذ ست سنوات، والمسؤول عن ذلك هم إخوانه في حركة النهضة ممن يسعون إلى أن يضعوا في قائمة أعضائها بعض المحسوبين على المشروع الذي يتبناه اتحاده.

التطرف ينمو في تونس تحت غطاء ديمقراطية مزعومة أول المستفيدين منها هم من يستعملونها أداة للتمكن من مفاصل الدولة والمجتمع، وخطاب الريسوني واحد من أسباب انتشاره، واتحاده جزء من حرب معلنة ضد الهويات الأصلية للشعوب، بترسيخ ثقافة الجماعة فوق ثقافة المجتمع، ولو بالاعتماد على الكذب والخداع والمؤامرات الخفية والاعتداء على القيم الإسلامية الحقيقية في أبعادها الحضارية العظيمة قبل أن يخضعها الإخوان للمشاريع السياسية المشبوهة التي تستهدف السيطرة على مقدرات الدول والعبث بمصالح الشعوب وتطويعها لدكتاتورية رجال الدين المهووسين بالسلطة والمال وأجنحة الحريم.

الحبيب الأسود - كاتب تونسي

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال