كوفيد - 19 يحيق بالعراقيين والعلاجات متأخرة دائما

 النظام الصحي في العراق على شفير هاوية مؤكدة، ويتعين على دول العالم أجمع أن تمدّ يدها إلى العراقيين لانتشالهم من الواقع المرير الذي يعيشونه منذ 18 سنة، وإلّا فإن الهلاك محيق بهم.

إذا كان فايروس كوفيد – 19 قد كشف عن هشاشة البنى التحتية الصحية في دول العالم فإنه في العراق فضح التدمير الذي طال هذه البنى بعد الاحتلال سنة 2003.

وإذا أخذنا صورة جانبية للواقع الصحي في العراق سنجد أنه كان يمتلك مؤسسات صحية لم ينل الحصار ولا الحروب من تطورها إلا قليلا، وكان العراقي يعالج فيها مجانا على يد أمهر الأطباء، ويتسلم منها أحدث الأدوية مجانا أيضا، بينما بعد الاحتلال خربت هذه المؤسسات وأصبح العراقي يعالج فيها مقابل أجور باهظة قد لا يطيق دفعها، ويشتري الأدوية من الصيدليات الخارجية. وتم تهجير الأطباء الماهرين وقتلهم وخطفهم على يد الميليشيات الموالية لإيران، ما اضطرّ الكثير من المرضى إلى السفر لتلقي العلاج في مستشفيات خارج العراق.

إن الموضوعية دعتنا إلى التقاط هذه الصورة الجانبية، فلو أن البنية التحتية الصحية للعراق بقيت سليمة وتم تطويرها لما اضطرّت وزارة الصحة والبيئة في العراق إلى إصدار بيان تعترف فيه بأن المؤشرات الوبائية الصادرة عن مراكز الرصد الوبائي تؤكد أن الوضع في العراق أصبح مقلقا جدا، وأن نسب الإصابة والحالات المرضية الحرجة في تصاعد مع استمرار تهاون المواطنين والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية في تطبيق الاحتياطات الوقائية.

يبيّن الباحث الدكتور عبدالستار الراوي أن معظم الدساتير تشير إلى حق الإنسان في العيش ببيئة جيدة تؤمن له حياة صحية سعيدة. ويُكفل المجتمع، من خلال الدولة، بهذا الحق عن طريق تأمين الرعاية الصحية للفرد. وقد حرصت الدساتير السابقة في العراق على تأكيد الحقوق الصحية للفرد، حيث أشار الدستور المؤقت للعام 1964 إلى أن الرعاية الصحية حق للعراقيين جميعا تكفله الدولة بإنشاء مختلف أنواع المؤسسات الصحية. كما ألزم الدستور المؤقت للعام 1970 الدولة بحماية الصحة العامة عن طريق التوسع المستمر بالخدمات الصحية المجانية بهدف الوقاية والعلاج.

ولهذا يجد المتابع أن تقدما حصل في الخدمات الصحية المقدمة عبر المؤسسات الصحية العامة قبل سنة 2003، حيث بلغ عددها نحو 307 مستشفيات عامة وأكثر من 1354 مؤسسة صحية أخرى ونحو 48 عيادة طبية شعبية. إلا أن مستوى الخدمات ونوعيتها التي قدمتها تلك المؤسسات الصحية قد تراجع خلال عقد التسعينات بسبب ما كانت تفتقر إليه من المستلزمات والمعدات، نتيجة للحصار الاقتصادي المفروض دوليا على العراق.

جاء الاحتلال في ربيع 2003 ليقضي على ما تبقى من قدرات هذه المؤسسات في تقديم الرعاية الصحية المطلوبة للمواطن، بسبب عدم أداء سلطات الاحتلال واجبها والعمل على حمايتها، لتخسر بذلك معظم قدراتها الفنية، نتيجة نهب محتوياتها ومستلزماتها. وباتت عملية إرجاع الرعاية الصحية إلى الوضع الذي كانت عليه في عقد الثمانينات تحتاج إلى موارد كبيرة وإدارات أمينة، إذ أن معظم ما رصد من مبالغ لم ينعكس إيجابيا على واقع الخدمات الصحية، حيث تمّ إنفاق القسم الأكبر على إعادة بناء المؤسسات الصحية وتأهيلها، والقسم الآخر ضاع نتيجة تفشي الفساد الإداري في معظم مؤسسات الدولة، ومنها المؤسسة الصحية، كما يؤكد الدكتور أحمد عمر الراوي، في مقال له بمجلة العلوم الأكاديمية العراقية (العدد 32 – 2010).

حال المستشفيات في العراق مخيفة حيث بات المصاب يفضل الموت في بيته على الذهاب إلى المستشفى الذي أصبح مكانا لاعتقال المصابين لا يتوفر فيه العلاج والدواء ولا سبل الوقاية

لقد تأخر العراق كثيرا في مواجهة فايروس كوفيد – 19، وظهرت فتاوى من جهات دينية تطمئن المواطنين وأن هذا الفايروس لن يصيبهم ما داموا ملتزمين بأداء الطقوس الطائفية من زيارات إلى مراقد أهل البيت ومن إسهام في المناسبات الحسينية.

يوم 6 ديسمبر 2020، كشفت لجنة التحقيق النيابية الخاصة بالتعاقدات الكهربائية عن حجم الإنفاق الفعلي على ملف الطاقة، منذ عام 2005 وحتى عام 2019. وكشفت اللجنة، في بيانها، عن أن “حجم الإنفاق الفعلي الكلي في وزارة الكهرباء منذ عام 2005 وإلى غاية عام 2019، بلغ 81 مليار دولار تقريبا”.

في ظل الفساد الحكومي المتعاقب، يضطرّ 20 في المئة من العائلات إلى استعمال مياه غير صالحة للشرب، ما يسهل انتشار الأمراض، ويصبح الوصول إلى الرعاية الصحية أمرا مستحيلا بالنسبة إلى معظم السكان، وهو ما ينعكس نقصا في أعداد المهنيين والأطباء، وعدم كفاية المعدات، وقلّة الإمدادات الصيدلانية. وهنا يوضّح مركز جنيف الدولي في تقاريره أنه لا يمكن إلقاء اللوم على عدم كفاية التمويل من أجل توفير الخدمات الأساسية، بل إن مليارات الدولارات إمّا سرقها موظفون حكوميون على أعلى المستويات، وإمّا أهدرت على عقود ومشاريع وهمية تماما.

غول الفساد المالي والإداري الذي تغلغل في أعماق كل زاوية من زوايا العراق، منذ سنة 2003، تظهر نتائجه المدمرة الآن على الوضع العام؛ خزينة الدولة خاوية ومفلسة، والوضع الصحي يتدهور بدرجات خطيرة تنذر بعواقب وخيمة. ويترافق ما يشهده العراق من انتشار حادّ لفايروس كورونا مع شحّ في الإمكانيات وضعف الإجراءات الوقائية، وتراجع حالة المستشفيات الفقيرة والبائسة، وتفاقم أزمة في توفر العلاج والدواء، وغياب أجهزة الإنعاش الحديثة. لم تعد أجهزة الإنعاش القديمة، على شحّها وقلتها، تفي بالغرض في الإجراءات الوقائية والعلاج، رغم الجهود الكبيرة والمضنية التي يبذلها الجيش الأبيض. ماذا يفعل هذا الجيش أمام ضعف الإمكانيات وقلتها، وعدم توفير العلاج والدواء والأجهزة اللازمة، وماذا يفعل أمام تزايد عدد الإصابات والوفيات التي وصلت إلى أرقام قياسية؟

ماذا يفعل الجيش الأبيض أمام الفساد المالي والإداري؟

تقف خلية الأزمة في حالة عجز وفشل كاملين، بينما الوباء يضرب الجميع دون استثناء. حتى أعضاء البرلمان، وحسب تصريح رئيسه، وصلت الإصابات بينهم إلى 20 إصابة. ورغم الحظر وفرض منع التجوال الشامل في ثلاث محافظات لمدة أسبوع، لم يتوقف انتشار الوباء في ظل ضعف أبسط المستلزمات وفقرها.

حال المستشفيات في العراق مخيفة، وبات المصاب يفضل الموت في بيته على الذهاب إلى المستشفى الذي أصبح مكانا لاعتقال المصابين لا يتوفر فيه العلاج والدواء ولا سبل الوقاية. أهل المصابين هم من يوفّرون، من إمكانياتهم المالية الخاصة، الغذاء والدواء للمصاب، بما في ذلك الكمامات والقفازات وفرش السرير. وبسبب قلة أجهزة الإنعاش يتمّ نقل هذه الأجهزة من مصاب إلى آخر، ما تسبب في وفاة البعض نتيجة فصل هذه الأجهزة عنهم، هذا إضافة إلى السلبيات الكثيرة في الجهاز الإداري ومنها الرشوة.

هذه السلبيات تزيد من عدد الإصابات والوفيات، ما يتطلب الحل الجذري لهذا الوضع الخطير، ويتعين أن تضع حكومة الكاظمي جهدها وثقلها كله في القطاع الصحي والطبي السيء، قبل أن ينهار بالكامل.

النظام الصحي في العراق على شفير هاوية مؤكدة، ويتعين على دول العالم أجمع أن تمدّ يدها إلى العراقيين لانتشالهم من الواقع المرير الذي يعيشونه منذ 18 سنة، وإلّا فإن الهلاك محيق بهم.

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال