النسيان يضرب البشر ويعصف بحيواتهم

 "سمكة صغيرة" فيلم من الخيال العلمي يرصد قدرة المشاعر الإنسانية على مواجهة الوباء.

مع بدايات تفشي وباءٍ يضرب الأعصاب ويذهب بعقول الناس ويمحو ذاكراتهم يتعرّف شاب على فتاة بالصدفة، ليتسلّل الوباء إلى الأفراد دون أن يضرّ بالزوجين، إلّا أنه سرعان ما يتحوّل إلى كابوس يجثم على حياتهما. وفق هذا المنطلق تدور أحداث فيلم الخيال العلمي المثير "سمكة صغيرة" للمخرج جاد هارتيغان.

في أجواء الجائحة التي تضرب البشر انشغلت سينما الخيال العلمي بتقديم ثنائية الوباء والفناء، والتي كانت تفضي في الغالب إلى تحوّل البشر إلى نوع من الفامباير أو الزومبي، حيث أن هناك الكثير من الرعب والهلع الذي يلاحق الناجين.

شاهدنا ذلك كثيرا في العديد من الأفلام آخرها فيلم “كوفيد – 21” الذي سبق وأن استعرضناه في هذه الصفحة، أما في فيلم “سمكة صغيرة” للمخرج جاد هارتيغان، فالقصة مختلفة تماما لجهة المعالجة الدرامية الرصينة التي لن نشاهد فيها ما شاهدناه في أفلام سابقة.

الوباء الذي صار يضرب البشر يذهب بعقولهم بكل بساطة فيزداد عدد المفقودين، ومع زيادة تلك الأعداد هنالك علاقة هادئة تنمو بين جود (الممثل جاك أوكونيل) وبين إيما (الممثلة أوليفيا كوك)، علاقة سوف تتدرّج فيما هي جزء من الحياة بكل متاعبها. فإيما تعاني من اغترابها عن منزل عائلتها بينما ضرب الوباء أمها وصارت تشعر بذهاب عقل الأم بشكل تدريجي.

هو نوع من النسيان للتفاصيل، للهوامش، للألوان، للذكريات، لوجوه دون وجوه أخرى، وللعقل والذاكرة أسرارها في من تُبقي ومن تَمحو.

 سردية موجعة بحس إنساني عميق

يقود المخرج ممثليه على خلفية مرور مركبات عسكرية تدعو إلى الإبلاغ عن المفقودين. وكأنها نزعة النسيان وليس الزهايمر صارت تعتري الناس ولا تفرّق أحدا عن أحد.

في مشاهد عابرة يظهر صديقان لجود وإيما وهما يدوران وسط تلك الدوامة، كاتب أشعار الأغاني والملحن بين (الممثل راؤول كوستيلو) وقد بدأ بفقدان تلك الألحان والكلمات فجأة، لقطات تظهر أوراق الزهور الوردية وهي تتمايل مع الريح، وتلك هي الذاكرة وقد ذوت أيضا مثل شمعة، فيما الزوجة سامانثا (الممثلة سوكو) يقع على عاتقها كل شيء، القيثارة ودفاتر الألحان والمايكروفونات وأجهزة التسجيل وهي صامتة، بينما بين ينتهي به الأمر إلى أن يصرخ في وجه زوجته، لأنه وصل إلى الحافة الأخيرة، حافة النسيان الكامل.

هذه السردية الموجعة يمعن المخرج في إبرازها بحس إنساني عميق، والشخصيات الموجودة ليست إلّا نماذج من أعداد غفيرة، لكنّه اختار أولئك الأصدقاء الأربعة كنماذج لما يقع على الأرض. وفق هذا الخيار قدّم الموسيقي وزوجته التي تشاركه ذلك التجلي مع الألحان والأشعار، في مقابل الفوتوغرافي الذي تشاركه زوجته الطبيبة البيطرية بساطته وتهويماته.

ويمرّر المخرج أسلوبا سرديا مقابلا يزيد من شفافية الواقع ورهافته وأذاه أيضا، وإيما تروي في صيغة شخص ثالث “صوت علوي”، المجريات اليومية، وكأنها توثّقها في دفتر اليوميات خوفا من ضياعها، بل خوفا من غول النسيان الذي يدهم بلا رحمة.

وفي الأثناء تكتب إيما جملة واحدة “نحن متزوّجان” فيما تتأمّل زوجها النائم وقد بدأت تشعر بأن العاصفة قادمة، وأنها سوف تنال من زوجها. وخلال تلك السرديات اليومية التي تقترب من التوثيق يعمد المخرج إلى تداخل الأزمنة وتمرير مشاهد الاستذكار بنعومة وبلاغة.

ها هما الزوجان يؤثّثان منزل جود، حيث انتقلا للعيش فيه، ومنذ تلك الرحلة المكانية تبدأ علامات النسيان لدى الزوج، يستدعى من المستشفى ويتم إخباره بأن المرض يدهمه، وأنه مجبر على إجراء جراحة على جمجمته للوصول إلى العصب المسؤول عن ذلك الخلل، لكن العملية قد تؤدّي إلى العمى أو الشلل الكامل.

يجلس الزوجان حائرين، أي الطريقين يسلكان، المجازفة المفضية لشبه موت أم نسيان مفضٍ إلى الضياع؟

الحشود التي تضرب على أبواب المستشفيات وسط هلع الجائحة، يمرّ بها الزوجان المعذبان بصمت بينما تصل الزوجة أخبار الأم من الجانب الآخر، إنها لم تعد تحتفظ ألّا باسمها.

تنعدم في وعي الكائن البشري في تلك اللحظة الفاصلة جلّ اهتماماته وهو يشعر أن من يحبهم ينفرطون من بين يديه كتسرب الرمال عندما ينساهم، يكتب جود على مجموعة من الصور على الجدار، هذه زوجتي، ذلك صديقي بين.. وأشياء أخرى لا يودّ نسيانها.

 الفيلم يقدّم نوعا جديدا من النسيان يشمل الهوامش والألوان والذكريات التي تغيّب وجوها دون أخرى أو تستحضر بعضها

الحوار المرّ والمضني، أداة أخرى تكمل قسوة المشهد، الزوجة، الطبيبة البيطرية يشجعها الزوج على أن تتذكّر درس التشريح وتقوم بذلك الثقب بنفسها عسى أن تحل المعضلة.

وفي عيادة الكلاب تدسّ إيما الإبرة في سقف فم جود وسط صراخه، ومع صراخه يتصاعد نباح الكلاب المريضة والمحبوسة في أقفاصها وكأنها أصوات جوقة بشرية تردّد آلام جود، ولكن ها هو المشهد يحسم اللاجدوى والعجز.

يبثّ المخرج جاد هارتيغان حبكات ثانوية تكمل تلك البراعة الأسلوبية التي أغدق فيها على الفيلم تمثيلا وحوارا وتصويرا وتطويرا للأحداث عندما يتحوّل جود إلى شبه تلميذ صغير عليه تذكّر ألوان غرفته في بيت عائلته السابق، وتذكّر مكان اللقاء الأول مع إيما، ومتى كان صيفا أم شتاء، وهكذا…

لكن المشهد الغروبي الذي رسم صورة امرأة تطل على بحر فسيح، حيث يقترب منها كلب، سيكون سببا في تعرّفها على جود وزواجها منه، ذلك المشهد سوف يتكرر في النهاية

بعدما يكون جود قد نسي من هي إيما ومن هو؟

طاهر علوان / كاتب عراقي مقيم في لندن - العرب

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال