آراء مغاربية - ليبيا | أزمة السلطة التنفيذية الجديدة مع إجراء الانتخابات

 عدم وجود دستور ينظم العملية السياسية في البلاد يمثل مشكلة كبير.

التزام السلطة التنفيذية في ليبيا بإجراء انتخابات في شهر ديسمبر المقبل مهمة لن تكون سهلة، فأمامها جبل من التحديات من أهمها غياب إطار قانوني للاقتراع، وهو ما تلعب على وتره العديد من القوى في مقدمتها التيار الإخواني، حيث تربط القيام بالاستحقاق الذي سيُعد تتويجا للمرحلة الانتقالية الحالية بإعداد دستور والاستفتاء عليه، وهو أمر يبدو غير ممكن بسبب الوقت، مما يجعل كافة الأطراف تدور في حلقة مفرغة وتعيد إلى الأذهان تكرار سيناريوهات مشابهة في السابق.

 يواجه المجلس الرئاسي الليبي الجديد برئاسة محمد المنفي والحكومة برئاسة عبدالحميد الدبيبة مشاكل عديدة بدءا من عملية التصديق عليهما من قبل مجلس النواب أو أعضاء الملتقى السياسي، وانتهاء باتخاذ الإجراءات اللازمة لإتمام الانتخابات في ديسمبر المقبل.

وبين هاتين المعضلتين تلال من المطبات تحتاج إلى إخلاص في النوايا السياسية وحنكة ورشادة كبيرتين لتتمكن الدولة الليبية من تجاوز مأزق عدم الاستقرار المستمر منذ عشر سنوات.

ومثّل اختيار السلطة التنفيذية الجديدة بجسميها الرئاسي والحكومة في الخامس من فبراير الجاري خطوة سياسية مهمة حظيت بدعم واسع من المجتمع الدولي وتفاؤل كبير بأنها قادرة على تخطي جزء معتبر من الأزمات التي ستتركها خلفها السلطة السابقة عليها.

لكن في التفاصيل قد تعجز هذه السلطة عن إجراء الانتخابات، وهي المهمة الرئيسية الموكولة إليها لتنتقل ليبيا من الوضع المؤقت إلى الدائم.

وتعهد المنفي والدبيبة صراحة وفي إقرارات مكتوبة بالالتزام بالمواعيد المحددة لإجراء الانتخابات العامة وتسليم السلطة وفق التوقيتات المعلنة لها قبل أن يجلس كلاهما على كرسي السلطة في إشارة الهدف منها تسهيل عملهما وطمأنة المواطنين من الشغوفين إلى الاستقرار والتأكيد على أن دورهما سيكون مؤقتا.

وتكمن العناصر الرئيسية للعرقلة في جوانب قانونية وسياسية وأمنية، ربما تتقدم أو تتأخر في ترتيبها، غير أنها في النهاية تحمل جميعها تحديات تختبر طريقة إدارة السلطة الجديدة للملفات الحرجة، وحجم الدعم الذي يمكن أن تحصل عليه في الداخل والخارج، ومدى القدرة على توفير بيئة مناسبة لإجراء الانتخابات.

بعض القوى تتذرع بأولوية إعداد دستور والاستفتاء عليه وتشكك في أي قاعدة قانونية بديلة لتنظيم الاقتراع نهاية هذا العام

وعُقدت الجولة الثالثة من المسار الدستوري بمدينة الغردقة المصرية على ساحل البحر الأحمر خلال الفترة الفاصلة بين 9 و11 فبراير الجاري دون إحراز تقدم ملموس، وحضرها 28 عضوا يمثلون وفدي مجلسي النواب والأعلى للدولة برعاية مصر والأمم المتحدة وناقشت قواعد إجراء الانتخابات في 24 ديسمبر المقبل.

وكشفت الجولة صعوبة إجراء الاستفتاء على مشروع الدستور لأن تنفيذ الإجراءات الفنية المطلوبة لنجاحه يحتاج إلى مزيد من الوقت قدّره البعض من المتابعين بنحو سبعة أشهر على الأقل لتتمكن مفوضية الانتخابات من الانتهاء من الاستعدادات اللوجستية، وإذا جاءت النتيجة برفض مشروع الدستور فهذا يعني عدم عقد الانتخابات بموجبه.

ووافق أعضاء اللجنة الدستورية في اجتماعهم الثاني بالغردقة والذي اختتم في العشرين من يناير الماضي على إجراء الاستفتاء على مشروع الدستور المقدم من الهيئة التأسيسية بناء على القانون الصادر من مجلس النواب رقم (6) لسنة 2018 المعدل بالقانون رقم (1) لسنة 2019، مع تعديل المادة السادسة باعتماد نظام الدوائر الثلاث (فزان وبرقة وطرابلس)، وإلزامية اعتماد الدستور حال حصوله على نسبة أصوات (50 في المئة + 1) من الأقاليم الثلاثة.

وتعزز التعقيدات الحالية صعوبة الرهان على الاستفتاء قبل حلول موعد الانتخابات التي حددتها الأمم المتحدة في اجتماع جنيف، بالتالي ربما يتم التسويف في عقدها كما فعلت حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج التي استهلكت ما يربو على ثلاث سنوات عن المدة المحددة لها والإضافية، وفقا لاتفاق الصخيرات الذي جاءت بموجبه.

وحكومة السراج على وشك الخروج من المشهد السياسي الليبي ولم تعقد انتخابات عامة حتى الآن، بل لا تدري متى ستقوم بتسليم العهدة إلى السلطة الجديدة وكيف، فإذا رحلت قريبا على المنفي والدبيبة أن يبذلا جهدا خارقا لبدء مهمتهما بسلام، أو يقومان بالعمل على النباء المترهل الذي شيده السراج، ويتم إعادة إنتاج المشهد السابق بكل ما ينطوي عليه من أزمات.

وكي لا يتكرر مشهد عدم انعقاد الانتخابات من الضروري وضع قاعدة دستورية لإجرائها على غرار انتخاب المؤتمر الوطني عام 2012، وانتخاب أعضاء البرلمان الحالي عام 2014 لأن رهن الانتخابات بالدستور والاستفتاء عليه يستغرق وقتا طويلا، الأمر الذي تريده بعض القوى غير الراغبة في دخول اختبار الانتخابات.

ويقول خبراء إن عدم وجود دستور ينظم العملية السياسية في البلاد يمثل مشكلة كبيرة، فأي قاعدة مهما بلغت درجة أهميتها قد لا توازي قيمة نوعية في نظر بعض الجهات، ولذلك من الواجب مراعاة أن إنجاز مشروع الدستور والاستفتاء عليه عملية صعبة، ما يستلزم الاستعداد حاليا لخطة بديلة تقوم على توفير قاعدة قانونية للانتخابات.

وتتوقف هذه الخطة أو القاعدة على نجاح السلطة الجديدة في السيطرة على مقاليد الأمور في الدولة الليبية وهذه مسألة غاية في الصعوبة، وإذا تمكنت فلن تستطيع حتى موعد إجراء الانتخابات القيام بهذه المهمة الثقيلة أمام واقع سياسي وأمني متشابك.

وبافتراض أن الحكومة نجت من عدم الحصول على تصديق البرلمان الشرعي باللجوء إلى الملتقى السياسي (لجنة الـ75) ونالت الثقة منه، سوف تتعرض لتشكيك قانوني متوقع أن يصل إلى اللجوء إلى القضاء لأنها حصلت على موافقة جسم غير منتخب، وتكرر معها حلقات من الجدل والنقاش تعيق جدول أعمالها المتفق عليه.

وإذا تجاوزت هذا الفخ بعدم الاعتداد بالرافضين، وربما عدم الاهتمام بالحصول على التصديق نفسه من أي جهة، فقد أمضى السراج أكثر من خمس سنوات في السلطة ولم ينل ثقة مجلس النواب، وتعامل معه العالم باعتباره رئيس حكومة شرعية، ووقع اتفاقيات وأبرم معاهدات مع تركيا منحتها وجودا لافتا في ليبيا، وبالتالي ففكرة التصديق في ليبيا ليست ذات بال لأن الشكوك قد تحيط بكل الأجسام السياسية.

ويعول الليبيون على كل من المنفي والدبيبة لجهة اتخاذ مواقف واضحة من تركيا تتناسب مع تطلعات المجتمع الدولي ومناداة العديد من قواه بإخراج القوات الأجنبية، فإذا بقي المرتزقة والميليشيات والمتطرفون وأنقرة بمعداتها الضخمة على حالهم لن تنعقد انتخابات، وإذا عقدت لن تحصل على شهادة عالية من المصداقية والشفافية.

ويرفض الكثير من أعضاء مجلس النواب الوصول إلى محطة الانتخابات بذريعة أولوية إجراء الاستفتاء على الدستور وهم يعلمون مدى الصعوبات التي تواجه ذلك، ويشككون في أي قاعدة قانونية بديلة ولا يريدون التخلي عن مخصصاتهم الراهنة.

ويتبنى أعضاء المجلس الأعلى للدولة الذي يرأسه الإخواني خالد المشري المنهج نفسه لأسباب أخرى تتعلق بالخوف من نتائج الانتخابات، فهناك توقعات بعدم حصول جماعة الإخوان على النفوذ الحالي ولن تتردد في وضع العراقيل لترحيل الانتخابات إلى أجل غير مسمى، فما حصلت عليه خلال السنوات الماضية من مزايا مادية وسياسية يجعلها ترفض الاحتكام للصناديق التي تكشف وزنها الحقيقي أمام الجميع.

وتشير المعطيات السابقة إلى أن السلطة التنفيذية الجديدة بحاجة إلى معجزة لتوفي بموعد إجراء الانتخابات، لأن ملف ترتيبات الأمن وانتشار الميليشيات المسلحة كفيلان بإجهاض أي محاولة لتصويب الأمور، وسيكون موقف المنفي والدبيبة الواضح من هذه القضية وتركيا والإخوان محددا رئيسيا لإتمام الانتخابات من عدمه قبل نهاية العام.

محمد أبوالفضل - كاتب مصري

Reactions:

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال