اليمن.. أولوية بايدن اليتيمة في الشرق الأوسط

 خطاب الرئيس الأميركي جو بايدن الأول منذ انتخابه حول السياسة الخارجية استفرد اليمن كأولوية وحيدة في الشرق الأوسط، ورسخ النقلة على الأقل علنا بعيدا عن مطبات المنطقة وباتجاه آسيا والحلفاء الأوروبيين من دون أن يعني ذلك التخلي عن التزامات أمنية إقليمية.

الخطاب رسم أبعادا جديدة للسياسة الخارجية الأميركية تفترق عن تلك التي سبقتها في العقدين الفائتين. فالحرب ضد الإرهاب التي هيمنت على رئاسة جورج بوش لم يذكرها بايدن، و"البداية الجديدة" من باراك أوباما مع إيران وفي المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية غابت بالكامل عن الخطاب. أما ردع إيران والتنديد بالتطرف الاسلامي الذي طبع رئاسة ترامب، فلم يذكره بايدن. 

لماذا اليمن؟

بدلا عن ذلك، جاءت حرب اليمن لتحتل موقع الصدارة في كلمة بايدن، من جهة وقف الدور الأميركي في دعم التحالف السعودي في العمليات الهجومية ومن جهة تعيين الدبلوماسي تيموثي ليندركينغ مبعوثا أميركيا أولا لحل النزاع. اهتمام بايدن في اليمن ليس لأسباب شخصية، فهو كان نائبا للرئيس حين بدأت الحرب في 2014، ومهد للدعم الأميركي يومها. 

ما تبدل بين 2014 و2021 هو التحولات في المجتمع الأميركي وتقاطع وقف الدعم للحرب مع توجهات الرأي العام ومعظم أعضاء الكونغرس من الحزبين. هذا عكسه التصويت العام الفائت لوقف صفقة الأسلحة مع السعودية والتي عاد ونقضها ترامب، وبصعود تيار معاد لحرب اليمن والأزمة الانسانية خلال الحملة الرئاسية.

بعد فوز بايدن وبدعم من هذا التيار كجزء من تحالف أكبر نسجه الحزب الديمقراطي، يرد الرئيس الجميل لهؤلاء وخصوصا لمنافسه السابق بيرني ساندرز، المعارض الشرس لحرب اليمن. هذا انعكس بتعيين روبرت مالي -مستشار ساندرز خلال الحملة- مبعوثا لإيران، والحديث عن إمكانية دخول مساعده ماثيو داس إلى الخارجية الأميركية. وهو انعكس أيضا بقرار الخارجية مراجعة صفقات الأسلحة للسعودية والإمارات الأسبوع الفائت.

طبعا، إنهاء حرب اليمن سيتطلب جهودا دبلوماسية جبارة تتخطى خطاب بايدن وتجميد التعاون الاستخباراتي، وتحتم استراتيجية شاملة للتعاطي مع الأزمة الإنسانية، المصالحة الداخلية، تقويض الحوثيين، تهريب السلاح، أمن السعودية، ودور إيران. الإدارة الجديدة تدرك ذلك وهي تحاول عبر قنوات خلفية وفي وسائل الضغط لنيل تنازلات من عدة أطراف فشل في حصدها المبعوث الأممي، مارتن غريفيث. 

تفادي الملفات الشائكة

بايدن ليس أوباما، وهو يتفادى علنا خوض ملفات خارجية شائكة أو تثير انقسام الأميركيين. مثلا، فيما أوباما خاض مواجهة مبكرة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، حول الاستيطان، لم يتصل بايدن بعد بالجانب الإسرائيلي ولا الفلسطيني ولم يأت على ذكر عملية السلام لا من قريب ولا من بعيد في خطابه.

أما في سوريا، فتعيين مبعوث أميركي هناك ينتظر ترتيب فريق الخارجية الأميركية ولا ترى الإدارة اختراقا أو عنوانا داخليا يمكن قطفه كما هو عنوان وقف الدعم الأميركي. وفي ليبيا هناك العامل الروسي الذي تخشاه الإدارة اليوم، فيما تدرك عمق الانقسام حول حربي العراق وأفغانستان والملف الإيراني النووي الغائبين عن الخطاب.

"السياسة الخارجية هي السياسة الداخلية"، عبارة كررها وزير الخارجية الأميركي توني بلينكن ومستشار الأمن القومي جايك سليفان 3 مرات في أسبوع واحد، ولمح إليها بايدن في خطابه. هذه اليوم بوصلة بايدن الخارجية مخاطبا المجتمع الدولي والرأي العام الأميركي في آن واحد، ومنعطفا بأميركا بعيدا عن تصادمات المنطقة وباتجاه عناوين تلاقي تطلعات الداخل.

جويس كرم - كاتبة وصحافية 

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال