بعد 10 سنوات ثورات الربيع العربي في ميزان الشعوب أين نجحت وأين أخفقت؟

 تم سلب الثورة من أصحابها، بسبب القيادات الشبابية الغير مؤهلة لمثل هذا الحدث التاريخي الكبير ..لكنها سوف تمهد الطريق لأحداث عظيمة قادمة، اذا لم يحدث التغيير المنشود في العالم العربي، فإن القادم سوف يزلزل عروش الظالمين!

أنا من الذين وقفوا ضد ثورات الربيع العربي عبر وسائل الإعلام المختلفة، من البداية وحتى الأن، وأنا من الذين عانوا من ظلم الحكومات وغادرت وطني قبل 20 عام أنا مع تغيير الأنظمة بالطرق الشرعية والدستورية وتعزيز ثقافة التغيير لدى المجتمع، ولكني أرفض اسقاط الدولة كما فعل ثوار الربيع العربي، حيث تحولت تلك الدول من الإستقرار النسبي والتطور البطي في التنمية إلى (الدمار والفشل، والتمزق، والتدخل الأجنبي) وتم معها تدمير المدن والمنشآت التي تم بناؤها خلال 100 عام وسرقة الأثار وتدمير ما تبقى منها والتي يعود تاريخها لألاف السنين، وقتل  قرابة  “مليون عربي” وتشريد أكثر من 20 مليون إنسان، وخسائر تزيد عن ترليون دولار، وكوارث انسانية هي الأكبر في العالم وتمزيق النسيج الإجتماعي، ونشر ثقافة القتل والكراهية والإنتقام، في المقابل من إيجابيات هذه الثورات أنها حركت الشعوب العربية نحوا التغيير ، ورفض الظلم.

في هذا المقال: اطرح الموضوع بمهنية وعدم تحيز : حقيقة ثورات الربيع العربي أين نجحت وأين اخفقت، وماهي تأثيراتها السلبية والإيجابية.

البداية: نجحت ثورات الربيع العربي في تحريك الشعوب العربية المنبطحة، نحوا التغيير وقلب صفحات التاريخ  العربي؛ من الركود والخوف إلى الحرية والفعل الثوري الذي زلزل عروش الرؤساء، عندما خرج الطوفان البشري في مختلف الساحات والميادين، يزحفون نحوا المؤسسات، وقصور الحكام، حينها أصيب القادة العسكريون، والرؤساء بالذهول والخوف من إنتفاضة الشعوب التي تهدد حكمهم، وحياتهم، بعد أن ضنوا بأنهم في مأمن من يقضة الشعوب التي قتلوا فيها روح الحرية والكرامة والتطلع لمستقبل أفضل، حيث يجب أن يضل الشعب في الخانة التي يريدها لهم الحكام، وهي الاستسلام لكل شي.

إنني اشعر بالحزن الشديد على عشرات الملايين من الشباب العربي، الباحثين عن الحرية، والتغيير ، والعيش الكريم، الذين خرجوا إلى الشوارع وكلهم أمل بأن المستقبل يحمل لهم الحرية والكرامة، والرخاء والتقدم، في ضل الدولة العادلة التي يحلمون بها!

بعد 10 سنوات من أندلاع ثورات الربيع العربي، يجب علينا تقييمها بعيدًا عن التحيز والرفض؛ لا شك انها حدث تاريخي كبير تحررت معه الشعوب العربية من عقدة الخوف،  والخضوع لإرادة الحكام، وتغير معها نظرت الحكام للشعوب، وبداءت بالإصلاحات، وتقبل الأفكار التي تدعوا إلى مزيدًا من الحرية، والمشاركة، وهذا في حد ذاته يعتبر إنجازًا مهمًا لم يحدث مثله خلال قرن من الزمان، وسوف يمهد الطريق لأحداث عظيمة قادمة.

غياب القيادة الشبابية المخلصة..

السواد الأعظم من الشباب في ثورات الربيع العربي، شعروا بالغدر والخذلان من قبل القيادات التي كانت تدير المظاهرات، بعد أن منحوهم الأمل بالصمود في وجه الحكومات حتى يحدث التغيير الذي ينشدونه، وتتحقق جميع الأهداف، ولكن مع الأسف تلك القيادات لم تصمد أمام المغريات لأنها تفتقد إلى الشجاعة والنزاهة، والقدرة على قراءت اللعبة السياسية، التي تمارسها القيادات المتمرسة بالعمل السياسي من التنظيمات الإسلامية وغيرها من القوى الأخرى الذين استولوا على الثورة، واستطاعوا التأثير على القيادات الشبابية، التي تدير المظاهرات، وقاموا بتقديم الاغراءات لهم، ونقلوهم من الثبات على الأهداف الوطنية الكبيرة التي خرج الملايين من أجل المطالبة بها إلى القبول في الدخول في اللعبة السياسية التي لا يعروفون تفاصيلها، حيث وعدوهم بتسليم إدارة الدولة لهم، وبعد ذلك نصف الوزارات، وفي الأخير لم يحصلوا على شي، وقبلوا بالفتات من مخلفات السياسيين عديمي الضمير، فتم ادارة اللعبة في الإتجاه المعاكس للخط الثوري الذي التفت الجماهير من أجله حدث كل ذلك؛ بسبب ضعف تلك القيادات الشبابية، الذين خانوا القضية وخذلوا ثقة الملايين مقابل وظيفة او عائد مادي محدود، وهنا نجح المخطط في سلب الثورة من أصحابها.

أخلاق الثورة وهمجية الثوار الجدد.

الثورة الفرنسية التي رفع شعارها الكثير من الشباب في مختلف الساحات، والتي وصل تأثيرها إلى العالم، تلك الثورة سلمت الحكم إلى الشعب، وعمقت مفهوم الحرية وطورتها، وأنهت الإمتيازات الخاصة بالنُبلاء، وآنهت الحكم الملكي والغت الامتيازات الطبقية، وقامت بحشد الشعب نحوا حب الوطن تحت مسمى (القومية الوطنية الحديثة) لقد قامت الثورات من أجل الإرتقاء بالقيم وتحديث الأنظمة السياسية التي تقوم على شرعية دولة القانون، بينما ثورات الربيع العربي أسقطت الدول وسلمت الجمل بما حمل لمجموعة من اللصوص والقتله والإرهابيين المتوحشين، سواءً في (اليمن أو سوريا او ليبيا ومصر كذلك العراق وتونس) قام هاؤلاء بتدمير مؤسسات الدولة الوطنية، وزيفوا الحقائق وفتحوا المجال للصراعات الأصولية والطائفية، والحزبية، وتخلوا عن الثوابت الوطنية وعرضوا الأمن القومي في تلك الدول للخطر .. حيث تم تحت مسمى ثورات الربيع العربي جمع القتلة والارهابيين من مختلف دول العالم تحت غطاء دولي وإسلامي مع الأسف، والهدف من ذلك توزيعها كجماعات متوحشة تقوم بالقتل وإحداث الرعب، وخلط الأوراق حيث كانت تلك الجماعات تقتل بإسم الثورة ومرة اخرى باسم الدولة وتحت مسميات مختلفة، دمرت الدول، خدمةً للمشروع الذي يحمل رؤية وتوصيات (برنالد لويس، وتنفيذ كونداليزا رايس) من أجل زعزعت الدول ونشر الفوضى؛ لقد شاهدنا ذروة الوحشية في تنفيذ أبشع الجرائم في حق المواطنيين الأبرياء حيث تم ذبحهم وسلخ اجسادهم وسحلهم في الشوارع حدث ذلك في مدينة (تعز اليمنية، وفي سوريا وليبيا ومصر والعراق وتونس) تلك المشاهد المرعبة جعلت الشعوب تعيد حساباتها في تلك الثورات التي افرزت للمجتمعات العربية جماعات دموية ضد لدين والأخلاق والإنسانية.

أخيرًا:

نجت ثورات الربيع العربي في إسقاط الدولة الوطنية في (اليمن وسوريا وليبيا والعراق) وحل مكانها الفوضى، والدمار والخراب، وغياب الأمن وزيادة كبيرة في البطالة والفقر وارتفاع نسبة الجريمة، ونزوح ملايين البشر إلى المخيمات، والدول الأخرى، والضحية هم الشعب في تلك الدول من البسطاء وذوي الدخل المحدود، بسبب تعطيل الإستثمارات، والسياحة، ورحيل رأس المال المحلي والخارجي، والمستفيدون من تلك الفوضى هم نفس الوجوه من شلة الطغاه الفاسدين المشاركين في السلطة، والمجرمين الجدد لقد تم تبديل الأدوار وتغيير الأقنعة، بسبب غباء القيادات الشبابية الغير مؤهلة لمثل هذا الحدث الكبير.

الخلاصة:

الثورة الحقيقية: هي التي تخرج من رحم الشعب بدون أي تأثير خارجي تحمل معها مشروعًا سياسياً واضحًا، وضوابط أخلاقية، تحكم الجميع لمواجهة أي خلل يتنافى مع قيم ومبادئ الثورة والمجتمع؛ ثورة تحمل هموم المواطن البسيط المحروم من خيرات الوطن، ثورة تعبر عن ارادة الناس وقناعتهم بالتغيير نحوا الأفضل، تحمل مشروع وطني يحمله أصحاب العلم والمعرفة المحملين بخبرات التاريخ ومرارة التجارب، المهمشين في دهاليز الحكومات الفاسدة ثورة تزيح كل من أساء إلى الوطن والمواطن مهما كان موقعة في الحكومة، والقبيلة، والحزب ثورة تنقل البلد نحو مستقبل مشرق ينعم فيه الجميع بخيرات الوطن في ضل الدولة العادلة، بينما ثورات الربيع العربي تم التحضير لها في دهاليز (حكومة العالم الحر) التي لا تؤمن بحق الشعوب في العيش الكريم، وتستخدم معاناة تلك الشعوب لتحريكها ضد الحكومات الفاسدة والهشة، لتنفيذ مخططاتها التي تستهدف خيرات الدول، وتمزيقها وإعادة رسم خارطة جديدة للدول العربية المستهدفة.

الحقيقة التي يعرفها الجميع هي أن الوضع العام في الدول العربية التي شهدت ثورات الربيع العربي كان شبه مستقر من الناحية الأمنية والسياسية، لكن الوضع الإقتصادي كان بحاجة إلى إصلاح من حيث تسلط مجموعة فاسدة في مراكز صنع القرار بثروات البلدان وتحكمها في الإستثمار والوظيفة العامة والمنح الدراسية، وهيمنتها على القضاء، وغيرها من نواحي الحياة التي هي حق لجميع أبناء الشعب تلك الحكومات سلبت المواطن جزء كبير من حقه، في الحياة الكريمة، وحرية التعبير فقد معها الإحساس بالأمان، والإنتماء للوطن، فكانت القابلية حاضرة لدى الشعوب للانتفاضة في وجه الحكومات، وسوف تعود بقوة، وهذه المرة ستخرج من رحم المعاناة، محملة بخبرة، وتجارب الثورات السابقة، اذا لم يحدث التغيير المنشود في العالم العربي، فإن القادم سوف يزلزل عروش الظالمين.

د. فضل الصباحي - كاتب يمني

Reactions:

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال