عقد من الزمن على ثورتي تونس ومصر، ماذا عن التغيير الثوري في الوقت الراهن؟

 مر عقد من الزمن على ثورة مصر التي اندلعت في 25 كانون الثاني 2011 والتي سبقتها ثورة تونس بأكثر من شهر. لقد انتشرت شرارة هاتين الثورتين في أكثرية بلدان "العالم العربي" ومنطقة الشرق الأوسط، وبالأخص في سوريا واليمن والعراق وليبيا والبحرين وغيرها من بلدان المنطقة، حيث انطلقت حركات احتجاجية وانتفاضات جماهيرية بدرجات مختلفة من القوة والزخم ضد الأنظمة القائمة، وضد الفقر والحرمان والبطالة في هذه البلدان.

إن استنباط الدروس والتجارب من هذه الثورات والانتفاضات الجماهيرية، وفهم ديناميكية التغيير والعملية الثورية عموما في هذه المنطقة، أمر في غاية الأهمية بالنسبة للحركة الثورية والبروليتاريا الاشتراكية. إن الأحداث الثورية، وبالأخص في تونس ومصر كانت تجسيدا لعملية تغيير ثوري ناجمة عن تطور تناقضات النظام الرأسمالي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأيديولوجية، والصراع الطبقي الملازم له.
ان النظام الدولي، وعلاقات راس المال العالمية، هي بمجملها، ومن حيث الأساس، مترابطة ومتشابكة عالميا وإقليميا، فالأحداث التاريخية التي وقعت في تلك الفترة، كانت أحداث تجري في حلقات من هذه السلسلة المترابطة العالمية والإقليمية. هذه الأحداث، كانت تجري في قلب العالم المعاصر وداخل العلاقات الرأسمالية المعاصرة، ولكنها كانت تجري على صعيد منطقةٍ تميزت بخصوصيات سياسية واجتماعية، حيث تحكّمت ولا تزال تتحكم فيها البرجوازية القومية والإسلامية وتياراتها السياسية والفكرية وأنظمتها الاستبدادية والقمعية، بمسارات الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية والأيديولوجية فيها.
أحدثت الموجة الثورية هذه في تونس ومصر، وبطبيعة الحال، هزة في مجمل البنيان السياسي والاجتماعي والفكري لسيادة البرجوازية القومية والإسلامية والنيو ليبرالية في المنطقة برمتها، واندلعت الانتفاضات والاحتجاجات في بلدان عدة منها. إن طابع عملية التغيير الثوري الشامل والإقليمي، وطابع الصراع الطبقي البروليتاري الأممي ضد مجمل النظام الرأسمالي القائم والأنظمة السياسية الحامية له في المنطقة، عبرا عن نفسهما بوضوح في اهم محطة من محطات الأحداث الثورية الجماهيرية المعاصرة والتي أسقطت نظامين استبدادين في تونس ومصر وخلال أسابيع قليلة. آثار الموجة الثورية لم تتوقف في اطار المنطقة، إذ انعكست في أوروبا و أمريكا، حيث ظهرت الاحتجاجات الجماهيرية بالضد من الفئة الطفيلية البرجوازية الحاكمة والمتحكمة بحياة الجماهير في هذه البلدان، ونشأت حركة الشبيبة المناهضة لـ الواحد بالمئة %1 من الطفيليين البرجوازيين المتحكمين بحياة ومصير %99 من المواطنين.
ان منطقة الشرق الأوسط وبلدان "العالم العربي" ليست فقط حلقات من الرأسمال العالمي المعاصر وشبكة روابطها المتعددة، إنما هي مركز للصراع الجيو-استراتيجي والجيو- سياسي فيما بين الدول الإمبريالية العالمية والقوى الإقليمية. ان هذا الصراع العالمي والإقليمي الجيو -سياسي والاستراتيجي هو الذي حول العراق الى مركز وميدان لإمرار المصالح السياسية والاستراتيجية لقوى الإمبريالية الغربية وعلى راسها أمريكا، وبالتحديد منذ حرب الخليج الأولى والحصار الاقتصادي، ومن ثم حرب الخليج الثانية واحتلال العراق من قبل أمريكا. ان نظرة عامة على أوضاع المنطقة قبل عقد من الزمن ولحد اليوم، تبين لنا بوضوح بان هذه المنطقة ليست هي فقط احدى المراكز المهمة للرأسمال العالمي والإقليمي، ومصدر أساسي لتزويد النفط عالميا، إنما وفي اشد الأزمات السياسية والعسكرية والانعطافات السياسية التي مرت بها المنطقة خلال العقد الماضي، لم يكف راس المال عن النمو والتراكم بمعدلات عالية وبالأخص في منطقة الخليج.
استطاعت الثورة المضادة البرجوازية المحلية والإقليمية والدولية أن تخنق الحراك الثوري الجماهيري في منطقة الشرق الأوسط الذي بدأ قبل عقد من الزمن، واستطاعت ان تحول سوريا واليمن والعراق الى ميادين للصراع المدمر الجيو-سياسي والجيو-استراتيجي الإمبريالي والإقليمي، والذي راح ضحيته عشرات وعشرات الآلاف من الأبرياء وتشريد ملايين عدة وجرح مئات الآلاف. لقد تحول العراق وسوريا الى ساحات لحكم وجرائم ومجازر الفاشية الإسلامية الداعشية والقاعدة، حيث أمّن داعش في فترة ما، سيطرته على ثلث أراضي العراق وأقساما واسعة من أراضي سوريا.
تدخلت روسيا في هذا الصراع الجيو -سياسي والاستراتيجي لصالح نظام الأسد الإجرامي، واشتد الصراع بين الأقطاب الإقليمية، إيران والسعودية، وخلق ماسي كبيرة ومجازر في اليمن وسوريا والعراق، وتدخلت تركيا في سوريا وليبيا وغيرها، بوصفها احدى ركائز الفاشية الداعشية والقاعدة. وباختصار أغرق الصراع الجيو-سياسي والاستراتيجي الإمبريالي والإقليمي بلدان المنطقة في بحر من الدماء ومآسي اجتماعية هائلة واستعباد المرأة، وإبادة اليزيدين، بشكل قل نظيره في التاريخ الحديث.
لا تزال وبعد عقد من الزمن، تتحكم القوى البرجوازية الإمبريالية والإقليمية المتصارعة والأنظمة الاستبدادية والفاشية القومية والإسلامية المحلية بأوضاع المنطقة. في خضم كل هذا الكم الهائل من الرجعية السياسية والاختناق والفاشية والأنظمة الاستبدادية والميليشية والعسكرتارية والحروب، هناك حلقة أخرى مكملة لهذه اللوحة، التيار الإسلامي الإرهابي الداعشي والقاعدة وغيرها، وهي شوكات سامة في خاصرة المجتمعات المعاصرة في منطقة الشرق الأوسط والتي تقويها وتغذيها وتمولها القوى الإمبريالية والقوى الإقليمية، وبالأخص السعودية وقطر والإمارات وتركيا، هذا بالإضافة الى العصابات الميليشية للإسلام السياسي الشيعي وما ترتكبها من مجازر في العراق وسوريا وايران ولبنان واليمن و التي تمولها و تغذيها الجمهورية الإسلامية المجرمة.
غير ان كل هذه اللوحة القاتمة هي ظواهر سياسية وعسكرية وأيديولوجية وظواهر صراعات فيما بين أقطاب مختلفة تعكس واقع النظام الرأسمالي وتناقضاته، والذي يتحكم بحياة ومقدرات عدة مئات من الملايين من البشر في هذه المنطقة.
ان عملية التغيير التي بدأت قبل عقد من الزمن، هي التي تجري من تحت أنقاض كل هذا الدمار الذي خلقته البرجوازية العالمية والمحلية والإقليمية في هذه المنطقة، ولن تتوقف إذ إنها عملية تاريخية ناجمة عن تطور تناقضات النظام الرأسمالي الاقتصادي والاجتماعي واصطدام بنيانه السياسي القمعي وخنقه الفكري، كل يوم وكل لحظة، مع حياة مئات الملايين من السكان والذين يعانون من الفقر والبطالة والجوع ويعانون من بأس الأنظمة السياسية القائمة وقواها الإرهابية والميليشية والقمعية.
ان تظاهرات 2015 و2018، ومن ثم انتفاضة أكتوبر 2019 في العراق، والاحتجاجات التي جرت في لبنان وإيران والسودان والجزائر، وتجدد الاحتجاجات في تونس هذه الأيام، هي كلها محطات حية من عملية التغيير الثوري المستمرة في خضم سيطرة الفاشية والتراجع المادي والمعنوي الذي فرضته القوى البرجوازية الحاكمة على المجتمعات. وكما سبق و اكدنا بان طابع عملية التغيير الثوري هو، من حيث الأساس، إقليمي بحكم سيادة علاقات راس المال المعاصرة، وتركيبة النظام السياسي القائم في المنطقة والصراع الجيو -سياسي و الاستراتيجي الجاري فيها، وان القوى البروليتارية المعاصرة وبحكم موقعها في اطار هذا النظام الاقتصادي والسياسي والفكري تحتاج، خلال نضالها التحرري في كل بلد على حده، الى تطوير النضال الأممي فيما بينها داخل بلدان المنطقة بأعلى درجات الحزم والإصرار، و تبني النظرية الثورية التي تعكس وقائع التناحر الطبقي المعاصر، وتخدم النضال التحرري الاشتراكي والأممي للبروليتاريا في هذه المنطقة. ان الطبقة العاملة والكادحين والشبيبة الثورية والنساء التحرريات ونضالاتهم بوجه الرأسمالية النيو ليبرالية المعاصرة وأنظمتها الاستبدادية وتياراتها السياسية والفكرية، هي القوى الطبقية والاجتماعية المعاصرة التي تغذي وتجدد عملية التغيير الثوري في المنطقة برمتها بزخم اقوى.
مما يعني ان الصراع الثوري الجاري في منطقة الشرق الأوسط، ومن حيث أصله الطبقي والاجتماعي والسياسي، هو نضالات جماهير العمال والكادحين والمحرومين والمعطلات والمعطلين عن العمل والمسحوقين والشبيبة الثورية المتطلعة الى حياة أفضل والنساء التحرريات اللواتي يدعون الى الخلاص من كابوس التميز والاستعباد. إن تسلح الحركة الثورية في المنطقة بالأفق والراية الاشتراكية وراية الخلاص من راس المال والنظام الرأسمالي هو مفتاح لتطور الحركة الثورية وانتصارها.
ان إزاحة نظامي بن علي ومبارك لم تكفِ لانتصار الثورة في البلدين، اذ ان خصوصية التغيير الثوري، وبحكم العلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الرأسمالية السائدة المعاصرة، مرتبطة بمدى تحول الطبقة العاملة والجماهير الكادحة الى قوة سياسية منظمة ومستقلة طبقيا عن البرجوازية والبرجوازية الصغيرة واستراتيجيتها وافقها وبرنامجها الاقتصادي و السياسي، و ترفع أفقاً اقتصاديا تتجاوز اطار الرأسمالية، التي هي بحكم قوانين حركتها، مضادة لتحرر العمال والمحرومين والكادحين وعاجزة عن تحقيق حتى ابسط الإصلاحات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في المنطقة. إن طابع التغيير الثوري في العالم والمنطقة، يعكس ما هو مطروح تاريخيا، اذ ان العالم برمته جاهز لثورة اشتراكية بروليتارية عالمية، وان الأحداث الثورية في إية بقعة من العالم تحمل طابع هذا الواقع التاريخي الاشتراكي لعملية التغيير الثوري، والتي تتطلب تنظيم القوى الطبقية العمالية والكادحة في منظماتها الثورية المستقلة لقيادة عملية التغيير الثوري برمتها والتي هي الكفيل بتحقيق انتصار الثورات وتقدمها.
ان الدرس الذي من الضروري ان تستنتجه الطبقات الكادحة والمضطهدة، هي إنها لا تستطيع ان تحقق الانتصار في نضالها الثوري دون تنظيم صفها المستقل وإزالة الأوهام بالبرجوازية ووعودها الكاذبة، ودون التحرر من قيود الفكر الليبرالي الرأسمالي والقومي والإسلامي. إن البرجوازية عاجزة ولا تريد تحقيق مطالب الجماهير الكادحة الاقتصادية والسياسية، فكل هذا الصرخ الهائل من الاستبداد والدمار والمجازر والإرهاب هو خصائص الحكم الطبقي البرجوازي الحامي للعلاقات الرأسمالية. إن تحرر منطقة الشرق الأوسط وانتصار العملية الثورية فيها مرهون بالاقتدار الطبقي البروليتاري ورفع البروليتاريا فيها لراية الاشتراكية والأممية لقيادة التغيير الثوري وتحقيق الانتصار للثورة.

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال