الفوز يقترب من بايدن.. فهل انتهى ترامب فعلاً؟

 لم يكن ثمة شك في أن دونالد ترامب لن يقبل بخروج لائق وسلس من منصبه. وحقيقة الأمر أن السؤال الوحيد الذي كان يشغل كثيرين منا هو حجم التدمير الذي سيُحدثه في أثناء سقوطه. أعرف أن تعبير "السقوط" محجوز عادةً للملوك الوارثين أو الطغاة المستبدين، لكن واقع الحال أننا بتنا نشهد مسرحية من هذا النوع نفسه، ما عدا أن الملك هنا هو المهرج في الوقت ذاته، والرجل الذي يُمسك بيديه زمام السلطة هو أيضاً عين الطفل الذي ينتابه الغضب ويبدأ في الصراخ بحثاً عن الاهتمام، بمجرد ألا يكون هناك بالغون يلتفتون إليه وينشغلون برعايته في  الغرفة.

نحن نعلم أن ترامب سيحاول فعل أي شيء للبقاء في السلطة، وأنه سيبذل أي شيء لكي يتجنب ما يعتبره أمَّ الكوارث في الحياة: أن يصبح "خاسراً". ولقد أبان بالفعل عن استعداده للتلاعب بالنظام الانتخابي وتدميره إذا اقتضت مصلحته ذلك. غير أن ما يظل ملتبساً هو ما إذا كان يستطيع بالفعل أن يفعل ما يهدد به، أم أن "التهديد" الذي أطلقه سيُترك معلقاً في الهواء عقيماً لا هواء فيه. أما إذا نظرنا إلى ما يفعله بوصفه اتخاذاً لوضعيةٍ ما ضمن عروضه، فإن التهديد بوقف أو إلغاء التصويت يستحضر ضرباً من المشاهد المسرحية، مشهدٌ معدٌّ لإرضاء غرور قاعدة مؤيديه.

مع ذلك، فإن التعامل معها على أنها إستراتيجية قانونية يسلكها فريقٌ من المحامين، سيجعل منها تأسيساً لخطر داهم على الديمقراطية. والآن، كما هو الحال في مرات عديدة سابقة في أثناء رئاسة ترامب، سنُترك لنتساءل عما إذا يراوغ أم يخطط أم يقدم عرضاً أم يتصرف حقاً (ليتسبب في ضرر فعلي). فاتخاذ وضعية الرجل الذي يهدد بإلحاق ضرر لا يُوصف بالديمقراطية في البلاد، فقط للحفاظ على سلطته، أمرٌ يختلف تماماً عن تحويل هذا العرض إلى واقع، والشروع فعلياً في الدعاوى القضائية التي ينطوي المضي قدماً فيها على تفكيك القواعد والأسس الانتخابية والقوانين التي تضمن حقوق التصويت، نهاية بتقويض الأطر الأساسية للديمقراطية في الولايات المتحدة.

ونحن عندما ذهبنا إلى صناديق الاقتراع، لم يكن مدار أمرنا التصويت لجو بايدن ونائبته كامالا هاريس (وهما شخصيتان تنتميان إلى تيارات سياسية وسطية تتنكر للخطط الصحية والمالية الأكثر تقدمية والتي يحملها أشخاص مثل بيرني ساندرز إليزابيث وارين)، بقدر ما كنا نصوّت لإمكانية التصويت في حد ذاتها، وسعياً إلى الحفاظ على المؤسسة الديمقراطية الانتخابية الحالية ومن أجل استمرارها في المستقبل. أولئك الذين ينتمون إلى الهامش المقاوم لسلطة المؤسسات العقابية/السجنية (carceral) [بتعبير الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو] تعايشوا مع شعور التحمل للقوانين الانتخابية بوصفها جزءاً من إطار دستوري يعطي معنى ما لشعورنا بأن هناك سياسة تمارَس. وأولئك الذين سبق أن خاضوا تجربة التجريد من حقوقهم الانتخابية، لم يكونوا يدركون إلى أي قدرٍ قامت حياتهم على نوعٍ من الثقة الأساسية بالإطار القانوني الحاكم. لكن ما نشهده الآن هو أن فكرة القانون كشيء يضمن حقوقنا ويتحكم في أفعالنا قد تحولت هي نفسها إلى موضوع للتقاضي بشأنه. وذلك لأنه لا توجد قاعدة قانونية، مهما بلغت مبدئيتها، تستحق أن تكون غير خاضعة للتقاضي بشأنها تحت حكم ترامب. فالقانون في عهده ليس موضوعاً للاحترام والاتباع، بل موضوعاً محتملاً للتقاضي والنزاع. ومن ثم يصبح التقاضي هو المجال النهائي لسلطة القانون، والآن تُختزل جميع أنواع القانون الأخرى، حتى الحقوق الدستورية، حتى تنحدر إلى مجرد بنود قابلة للتفاوض داخل هذا المجال.

على الرغم من أن البعض انتقد ترامب لأنه جلب نموذج العمل التجاري ومفاهيمه إلى الحكم، ولأنه لم يضع حدوداً لما يمكن التفاوض بشأنه بغرض الربح وما هو غير قابل لذلك، يظل من المهم أن نلتفت إلى أن كثيراً من صفقاته التجارية انتهت بالتحول إلى إجراءات تقاضٍ قانونية (فمنذ توليه السلطة في عام 2016، شارك في أكثر من 3500 دعوى قضائية). وهو يذهب إلى المحكمة لفرض النتيجة التي يُريدها. لكن عندما تكون القوانين الأساسية التي تقوم عليها قواعد السياسات الانتخابية عرضةً للتقاضي بشأنها، وعندما يصل الأمر إلى وصم كل بند من بنود الحماية القانونية بأنه احتيالي، وعندما يجري التعامل مع تلك القواعد على أنها مجرد أداة يستغلها معارضوه، فلن يصبح هناك قانون يكبح سلطة التقاضي التي ستُستخدم لتدمير الأعراف الديمقراطية ذاتها. وعندما يدعو إلى إنهاء عدِّ الأصوات (مثلما دعا من قبل إلى عدم الاستمرار في إجراء اختبارات كورونا)، فإنه يسعى إلى الحيلولة دون تحوُّل الحقائق إلى واقع ملموس، ويبغي الحفاظ على تحكُّمه في تحديد ما هو صحيح وما هو باطل. ويكفي أن نتذكر أن السبب الوحيد لمدى سوء الوباء في الولايات المتحدة، بحسب ترامب، هو أن البلاد تجري عدداً أكبر من اللازم من اختبارات كورونا. بمعنى أنه إذا لم تعد هناك طريقة متاحة لمعرفة مدى سوء الأمر، فمن الواضح أن الأمور ساعتها لن تكون سيئة وسيصبح كل شيء على ما يرام.

في الساعات الأولى من بداية فرز الأصوات في يوم الانتخابات 3 نوفمبر/تشرين الثاني، دعا ترامب إلى إنهاء عدِّ الأصوات في الولايات الحاسمة التي كان يخشى الخسارة فيها. ففي حال استمر العد الانتخابي، قد يفوز بايدن. وللتحايل على هذه النتيجة، بات الحل هو إيقاف الفرز، حتى وإن كان معنى ذلك حرمان المواطنين من حقهم في إحصاء أصواتهم.

 واقع الأمر أن عدَّ الأصوات في الولايات المتحدة لطالما كان يأخذ بعض الوقت: وقد بات هذا معياراً متقبلاً ومفهوماً بوجه عام. لمَ العجلة إذن؟ وإذا كان ترامب متيقناً من أنه سيصبح فائزاً إذا توقف عدُّ الأصوات الآن، فيمكننا أن نفهم سبب رغبته في إيقافه، لكن لمّا كان الجميع يعرف أنه لا يملك عدد الأصوات الانتخابية الذي يكفل له الفوز، فلمَ الدعوة إلى إيقافها إذن؟ السبب في ذلك أنه إذا كانت الدعوى القضائية التي من المفترض أن توقف عملية العدِّ مصحوبة بدعوى قضائية أخرى تزعم ممارسة الاحتيال/التزوير (دون أي سند واضح لذلك الزعم)، فسيمكنه حينها بثَّ حالةٍ من الارتياب وعدم الثقة بالمنظومة كلها، وإذا كان انعدام الثقة هذا عميقاً بما فيه الكفاية، فسيُرفع القرار في نهاية المطاف إلى المحاكم العليا، المحاكم التي عيّن هو قضاتها، ومن ثم يتصور أنها ستكفل له البقاء في السلطة. حينها ستشكّل المحاكم، جنباً إلى جنب مع نائب الرئيس، قوة فاسدة تتحكم بها الأهواء لتدمّر السياسة الانتخابية التي نعرفها. ومع ذلك، فقد تبرز عقبة هنا، وهي أن هذه السلطات، وإن كانت تدعمه بوجه عام، فإن ذلك لا يعني أنها بالضرورة ستوافق على تدمير المؤسسة لولائها.

يشعر بعضنا بالصدمة لما أبداه من استعداد للذهاب إلى هذا الحد، لكن الواقع أن هذا كان أسلوبه في تسيير الأمور منذ بداية حياته السياسية. وما زلنا مرعوبين من اللحظات التي تأتي ونشهد فيها بأعيننا مدى هشاشة القوانين التي تقوم عليها ديمقراطيتنا ونتوجه إليها كدولة ديمقراطية. ومع ذلك، فإن السمة التي لطالما تميّز بها نظام ترامب هي إصرار سلطته التنفيذية على مهاجمة قوانين البلاد بلا انقطاع، في الوقت الذي يدَّعي هو فيه أنه يمثّل القانون والنظام. ومن ثم، فإن الطريقة الوحيدة التي يمكن أن نحلَّ بها هذا التناقض هو الاستسلام لفكرة أن القانون والنظام متجسدان فيه حصرياً. وهكذا يتحول هذا النموذج المعاصر من الحكم الحصري القائم على الفرد والمستند إلى نوع من النرجسية المبثوثة عن طريق الإعلام، إلى نموذج مدمر من نماذج حكم السلطوية والاستبداد. فالحال هنا، أن الشخص الذي يُفترض به تمثيل القانون يتصور أنه هو القانون، وأن بإمكانه صياغة القانون ومخالفته كما يشاء، ونتيجة لذلك يصبح لدينا مجرم يتمتع بسلطة وقوة لا قِبل لأحد بهما باسم القانون.

تتخذ الفاشية والسلطوية أشكالاً عديدة، كما أوضح كثير من المفكرين، وأنا أنزع إلى الاختلاف مع أولئك الذين يزعمون أن الاشتراكية القومية (النازية) هي النموذج الذي ينبغي القياس عليه وتحديد جميع أشكال الأنظمة الفاشية الأخرى من خلاله. وعلى الرغم من أن ترامب ليس هتلر، وأن السياسة الانتخابية لا يمكن القول إنها حرب عسكرية (أو ليست بعدُ حرباً أهلية، على أي حال)، فإن هناك منطِقاً عاماً للتدمير تبرز ملامحه عندما يبدو للطاغية أن سقوطه شبه مؤكد. ففي مارس/آذار 1945، عندما اكتسحت كل من قوى الحلفاء والجيش الأحمر كل معقل دفاعي للنازيين، قرر هتلر تدمير بلاده بنفسه، ومن ثم أصدر الأوامر بتخريب أنظمة النقل والاتصالات والمواقع الصناعية والمرافق العامة. بمعنى أنه إذا كان الرئيس سيسقط، فيجب أن تسقط الدولة كلها معه. الأمر الذي أصدره هتلر عُرف رسمياً باسم "الأمر المتعلق بإجراءات تدمير أراضي الرايخ"، لكنه سرى وذُكر بعد ذلك باسم "مرسوم نيرون"، في إحالة إلى الإمبراطور الروماني نيرون الذي قتل عائلته وأصدقاءه واتُّهم بحرق عاصمة إمبراطوريته روما، وعُرف برغبته الوحشية في التمسك بالسلطة وبمعاقبة كل من يتبادر إليه أنه غير مخلص له. وعندما بدأ أنصار نيرو في الفرار [بعد ثورة بلاد الغال عليه]، قرر الانتحار، ويُزعم أن كلماته الأخيرة كانت: "يا له من فنان عظيم يموت بموتي!"

ومع ذلك، فإن ترامب لا كان هتلر ولا نيرون، بل ممثل شديد السوء كان من حظه أن له أنصاراً يكافئونه على الباعثة على الأسى لفرط رداءتها. واعتمدت مؤهلات قبوله وجاذبيته لنحو نصف سكان، على بثِّ نوعٍ من السلوك الذي يفتح المجال أمام ضربٍ من ضروب السادية المتحررة من كل عائق قيمي أو التزام أخلاقي. ومع ذلك فإن هذا السلوك لم تتمَّ عملية تحرره فاسدة الطابع. ولكن الأمر لا يقتصر على رد الفعل الذي أبداه أكثر من نصف سكان البلاد بالازدراء والرفض، فقد اعتمد العرض الفاحش طوال الوقت على تقديم صورة قاتمة لقوى اليسار: بوصفها مهووسةً بإطلاق الأحكام الأخلاقية وتأديب الناس والتحكم فيهم وقمعهم ومستعدة دائماً لحرمان الناس من كل متعة عادية وكل بادرة حرية.

وبهذه الطريقة احتل العار الأخلاقي موقعاً دائم الحضور ولا غنى عنه في السيناريو الترامبي بقدر استعماله وتجسيده في صورة قوى اليسار: فقوى اليسار تسعى إلى حرمانك من أسلحتك وعنصريتك وحقك في الاعتداء الجنسي وكرهك للأجانب! كان الوهم المثير الذي تلبَّس خيال مؤيدي ترامب هو أنهم معه، يمكنهم تجاوز مسألة وصم أفعالهم بأنها عار ينبغي التبرؤ منه، وأن معه سيكون هناك "تحررٌ" من اليسار وقيوده العقابية على الكلام والسلوك، وأخيراً سيُمنح الإذن لتدمير لوائح الحفاظ على البيئة، والتخلص من الاتفاقيات الدولية، وإطلاق العنان للعنصرية، والتأكيد صراحة على كل شكل من أشكال كراهية النساء واحتقارهم. وعندما شنَّ ترامب حملة على الحشود المحتجة ضد العنف العنصري، وعد أنصاره أيضاً بحمايتهم من تهديد النظام الشيوعي (بايدن؟) الذي سيعمل على إعادة توزيع دخولهم والاقتطاع من لحومهم، وفي النهاية تنصيب امرأة سوداء "متوحشة" ومتطرفة رئيسة لبلادهم (هاريس؟).

ومع كل ذلك، يخرج الرئيس المتقهقر ليعلن أنه انتصر، لكن الجميع يعلم أنه لم ينتصر، على الأقل إلى الآن. حتى قناة Fox الموالية له لا تقبل ادِّعاءه، وحتى نائبه مايك بنس يقول إنه يجب عدّ كل الأصوات. يدعو الطاغية الآخذ في الاضمحلال إلى التوقف عن إجراء اختبارات كورونا وعن عدِّ أصوات الناخبين وعن الالتجاء إلى العلم، وعن الامتثال للقوانين الانتخابية، وعن الاحتكام إلى كل تلك المعايير التي تمكِّننا من تمييز ما هو حق مما هو باطل، وكل ذلك لكي يعيد تدوير دعاويه المضللة مرة أخرى. فهو إذا كان عليه أن يخسر، فإنه سيحاول إسقاط الديمقراطية معه.

لكن عندما يخرج الرئيس ليعلن نفسَه منتصراً ويكون رد الفعل هو حالة من الضحك العام والسخرية منه، حتى إن أصدقاءه يطلبون له سيارة أجرة للرحيل، فإنه في النهاية سيظل وحيداً مع هلوساته عن نفسه باعتباره مدمِّراً قوياً لا قِبل لأحد بتحدِّيه. يمكنه رفع الدعاوى بقدر ما يشاء، لكن عندما ينصرف محاموه عنه وتمتنع المحاكم عن الاستماع إليه، فسوف يجد أن أوامره لا تنفذ إلا على جزيرته الخاصة التي يُطلق عليها ترامب، في عرضٍ من عروض تلفزيون الواقع. وقد تتاح لنا الفرصة أخيراً للنظر إلى ترامب على أنه مشهدٌ عابر لرئيس، في خضم سعيه إلى تدمير القوانين التي تقوم عليها الديمقراطية في البلاد، أصبحت أكبر تهديد له، وفتحت الطريق أمام بعض الراحة مما بدا أنه استنزاف لا أمل في التخلص منه. هيا افعلها يا بايدن!

هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية.

Reactions:

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال