تدخل روسيا وإيران بالانتخابات الأمريكية: قرصنة العقول والقلوب

 يمثل تدخل القوى الأجنبية في التصويت أحد أكبر المخاوف في الانتخابات الأمريكية. ويقول الخبراء إن هناك أكثر من طريقة لحدوث ذلك - ولا يتعلق الأمر بتغيير النتائج فقط.

في منتصف شهر أكتوبر/ تشرين الأول وقبل أقل من شهر من الانتخابات الرئاسية الأمريكية، تلقى الناخبون الديمقراطيون المسجلون رسائل بريد إلكتروني تبدو وكأنها جاءت من المجموعة القومية البيضاء "الأولاد الفخورون" (Proud Boys)، وطالبت الرسالة الناخبين بالتصويت لصالح دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية.

قبل أسبوعين من ذلك، رفض ترامب إدانة "الأولاد الفخورون" في المناظرة الرئاسية الأولى، وطلب منهم "العمل على دعمه والوقوف على أهبة الاستعداد". ومن المحتمل أن تكون رسائل البريد الإلكتروني محاولة لتشويه حملة ترامب ووصمها بأنها ترتبط بمجموعة حاولت ترويع الناخبين.

وفي مؤتمر صحفي أٌعد على عجل بعد وقت قصير من انتشار خبر رسائل البريد الإلكتروني، أعلن جون راتكليف مدير أجهزة الاستخبارات الوطنية الأمريكية و كريستوفر أ. وراي مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي أن إيران هي المسؤولة عن حملة البريد الإلكتروني.

وقال راي: "لن نتسامح مع التدخل الأجنبي في انتخاباتنا أو أي نشاط إجرامي يهدد قدسية تصويتكم أو يقوض ثقة الجمهور في نتيجة الانتخابات".

ومن الواضح أن القلق من إمكانية تدخل قوى أجنبية مثل إيران وروسيا والصين في الانتخابات الرئاسية الأمريكية له ما يبرره. ففي الفترة التي سبقت انتخابات عام 2016، نشر قراصنة روس معلومات خاطئة على وسائل التواصل الاجتماعي عبر ملفات شخصية مزيفة ونشروا رسائل بريد إلكتروني وملفات مسروقة من حملة هيلاري كلينتون واللجنة الوطنية الديمقراطية بهدف الإضرار بحملتها الانتخابية وزيادة فرص ترامب في الفوز بالرئاسة.

البريد الإلكتروني المزيف، الذي يزعم نسبته إلى "الأولاد الفخورون"، يعتقد بأن من أرسله هم قراصنة إيرانيون، ويظهر ذلك البريد أن دولًا أخرى تحاول على ما يبدو التدخل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2020 مجدداً.

وفي هذا السياق، أصدر مكتب مدير الاستخبارات الوطنية عدداً من البيانات حول التدخل الأجنبي في الانتخابات. وذكر بيان صادر عن مكتب راتكليف في يوليو / تموز: "نرى خصومنا يسعون إلى اختراق الاتصالات الخاصة للحملات السياسية الأمريكية والمرشحين إلى جانب أهداف سياسية أخرى".

وتابع البيان: "بالإضافة إلى ذلك، تواصل الدول الأجنبية استخدام وسائل التأثير في شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام التقليدية في محاولة للتأثير على خيارات ووجهات نظر الناخبين الأمريكيين، لتغيير السياسات الأمريكية، ولتعميق الخلاف وتقويض الثقة في عمليتنا الديمقراطية ... إن الجهود الخارجية لمحاولة التأثير أو التدخل في انتخاباتنا هي تهديد مباشر لنسيج ديمقراطيتنا ".

معلومات غير صحيحة لا تخطئها العين

يعد التأثير على آراء الناخبين  قبل توجههم إلى صناديق الاقتراع أمرا سيئا، إن لم يكن أسوأ من محاولات اختراق إجراءات الانتخابات القائمة بالفعل، مثل العبث بآلات التصويت أو التدخل في عملية الفرز، وذلك بحسب تيريزا بايتون، الرئيسة التنفيذية لشركة الأمن السيبراني "فورت أليس سوليوشنز" (Fort Alice Solutions)، والرئيسة السابقة للمعلومات في البيت الأبيض في عهد جورج دبليو بوش.

وتقول بايتون في تصريحات لـ DW إنه حتى لو تم الكشف عن قصص إخبارية مزيفة على هذا النحو، فمن ذا الذي يمكنه التأكيد على أن التصحيح قد وصل إلى الناخبين المحتملين؟ ما يحدث هو أن الناس تتذكر فقط القصة الأساسية، والتي غالبًا ما تكون الأكثر بروزًا وانتشاراً.

وتضيف خبيرة أمن المعلومات: "كيف يمكن أن تخبر الناس بألا يلتفتوا إلى شيء ما؟.. كم من عشرات الملايين من الناخبين الذين صوتوا بالفعل تأثروا بالمعلومات الخاطئة؟ هذا اختراق لقلوبنا وعقولنا .. وهو تقريبًا أسوأ ما يمكن أن يحدث".

وكانت بايتون قد نشرت كتاباً حول التدخل في الانتخابات بعنوان " المُتلاعَبُ به Manipulated" في أبريل/ نسيان 2020. ووجدت أن أحد الأسئلة التي يصعب الإجابة عليها هو ما إذا كان المتسللون الأجانب يحاولون التأثير على الانتخابات الأمريكية بشكل مستقل أو بناءً على أوامر من حكوماتهم.

وقالت بايتون: "قد يطلق القادة [السياسيون] المهمة، ثم يشكلون خلايا مستقلة لتنفيذها ثم يبتعدون عن المشهد .. بهذه الطريقة يكون لديهم حجة معقولة لإنكار أي اتهام يوجه إليهم".

بدورها، تشير فيكتوريا زورافليفا أيضًا إلى النظرية القائلة بأن قراصنة روس مستقلين - ليس لديهم علاقات حكومية - هم الذين تدخلوا في الانتخابات الأمريكية عام 2016. لكن لا تعتقد رئيسة مركز دراسات أمريكا الشمالية في الجامعة الروسية للعلوم الإنسانية في موسكو أن الكرملين قد تدخل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016 أو أنه يحاول القيام بذلك في انتخابات 2020.

وقالت زورافليفا لـ DW: "روسيا موضوع ملائم للغاية ويُستخدم بشكل متكرر في المعارك الداخلية بالولايات المتحدة .. إن قصة 'التدخل الروسي' مطلوبة بشدة من جانب الديمقراطيين. هناك دليل على [تورط] أشخاص روس، ولكن ليس مسؤولين مرتبطين بالحكومة الروسية".

يقول ديمتري سوسلوف من المدرسة العليا للاقتصاد في موسكو، إن هذه السردية منتشرة في روسيا. وقد ظهرت أيضًا في عام 2018 عندما تم توجيه الاتهام إلى "وكالة أبحاث الإنترنت" (IRA)، وهي ما يُعتقد أنها مقر إدارة حسابات آلية روسية، بتهمة محاولة التدخل "في الانتخابات الأمريكية والعمليات السياسية"، وفقًا لوزارة العدل الأمريكية.

وتنتشر مزاعم حول أن الممول المزعوم لـ"وكالة أبحاث الإنترنت" (IRA) هو يفغيني بريغوزين، وهو شريك مقرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ويعتقد أن الوكالة الروسية قد نشرت أيضاً قصصًا مضللة على فيسبوك والشبكات الاجتماعية الأخرى.

وأوضح سوسلوف لـ DW: "تقول الحكومة الروسية إنه حتى لو كان هذا الأمر يحدث، فلا علاقة لنا بهم". ويضيف: "يقولون إن هؤلاء [الأشخاص المتورطين في وكالة أبحاث الإنترنت] هم مجرد أفراد وطنيين، وليسوا فرقة من المخابرات الروسية. لا أعرف ما إذا كان هذا صحيحًا - فأنا لست عميلاً ميدانيًا روسيًا".

النفوذ الأجنبي 'يقوض الإيمان بالديمقراطية'

يقول الخبراء في الولايات المتحدة إن الحكومة الروسية كانت متورطة بشكل كبير في التدخل في انتخابات عام 2016، وأنها تشكل تهديدًا مرة أخرى في انتخابات عام 2020.

ويقول بريت شافير من التحالف من أجل تأمين الديمقراطية، وهي مبادرة من الحزبين تعمل على تطوير استراتيجيات لردع الجهود الاستبدادية من التدخل في المؤسسات الديمقراطية: "كانت منشورات وسائل التواصل الاجتماعي [التي تحاول التأثير على الناخبين الأمريكيين] وقيادة وكالة أبحاث الانترنت الروسية على علاقة واضحة بالكرملين".

وردا على سؤال حول القوى الأجنبية التي تشكل الخطر الأكبر فيما يتعلق بالتأثير على نتائج الانتخابات الرئاسية، قال شافير لـ DW إنها "روسيا بلا شك".

وفي حين أن موسكو تفضل فوز ترامب، لأن الروس يعتبرونه المرشح الأقرب لروسيا، تأمل طهران أن يفوز بايدن ليخفف العقوبات الصارمة التي فرضها ترامب على إيران. وشدد شافير على أنه في الحالتين "لا أحد يستفيد" عندما تحاول القوى الأجنبية التدخل في مشهد الانتخابات الأمريكية.

"تقويض للإيمان بالديمقراطية "

لكن شافير على ثقة من أن وجود حملة أجنبية للتأثير على آراء الناخبين الأمريكيين من خلال منشورات مضللة على وسائل التواصل الاجتماعي أو رسائل بريد إلكتروني مزيفة لن تؤثر أبدًا على آراء أعداد كبيرة من الناخبين. وقال خبير كشف المعلومات المضللة: "لكن في الولايات المتحدة لا تحتاج [للتأثير] على مئات الآلاف من الناخبين"، في إشارة إلى المجمع الانتخابي، مضيفاً: "أنت فقط بحاجة إلى بضعة آلاف من الأصوات في الولايات المتأرجحة". 

وعلى الرغم من هذا الحد المنخفض من التأثير، يرى شيفر أن الخطر الحقيقي لمحاولات التلاعب يكمن في الآثار التي ستحدثها في الوقت اللاحق للانتخابات. وقال: "الشاغل الأكبر هو ما يمكن أن يفعله ذلك بإيماننا بنتائج الانتخابات". فالولايات المتحدة ومواطنيها "يعتمدون على الثقة في النتائج للحصول على ديمقراطية غير عنيفة. إذا تمكن [المتلاعبون الأجانب] من إقناع الناس بأن النتائج قد لا تكون حقيقية، فقد سقطت هذه الثقة". 

كارلا بليكير/ع.ح - DW عربية

Reactions:

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال