ساعدوا الناس بدلًا عن الحيوانات

 في كل مرة أصادف منشورًا تطلب من خلاله المساعدة أو التبرع من أجل حيوان متشرد مريض أو معذب، لا بد وأن أجد بعضًا ممن يعلقون بالقول بأن الإنسان أولى بالمساعدة، وأن هناك أشخاصًا كثر في وضعية صعبة وأنهم يستحقون قطعًا تلك الأموال التي يمكن أن يجري جمعها وصرفها على كلب أو قطة أو حمار أو أي كائن آخر هو «فقط حيوان»؛ حكم قاس ومستفز وفيه كثير من التطفل.

فقد أفهم كون هؤلاء لا يتأثرون برؤية كائنات بريئة تعاني وتتعذب، لكن ما لا أفهمه ولا أتحمله هو رغبتهم في فرض هذه البلادة على الآخرين، ومحاولاتهم لصرف من يسعون لتقديم المساعدة عن فعل ذلك، علمًا بأنه تصرف نبيل، لا يؤذي أحدًا ولا يمسهم بأي شكل من الأشكال.

أما السؤال الذي يخطر ببالي كلما قرأت تعليقات من هذا القبيل، فيتعلق بما يفعله هؤلاء المنتقدون وما يقدمونه للإنسان؟

فإن هم كانوا يبذلون الجهد ويمنحون الوقت أو المال أو المساعدات العينية لمن يحتاجها من الناس، فالأرجح أنهم يعرفون معاني الرحمة والتعاطف، فضلًا عن كونهم يحبون فعل الخير، وهذا يعكس إنسانيتهم وكرمهم الذي يفسر رغبتهم وتعودهم على العطاء؛ أشخاص كهؤلاء غالبًا ما يكونون مدركين ومقتنعين بأن تقديم المساعدة ومد يد العون هو تصرف شهم وعظيم بغض النظر عن المجال أو الكائن المعني به. هؤلاء اللطيفون، لن يضرهم حتمًا أو يزعجهم إقدام الناس على مساعدة الحيوانات والرفق بها.

أما إذا كانوا من الصنف الثاني، والذي يشمل أولئك الذين لا يحققون أي إنجاز، ولو بسيط، فيما يتعلق بمساعدة الغير ولا يبذلون أدنى جهد في سبيل الآخرين، فلا يحق لهم البتة انتقاد غيرهم ولا يليق بهم إملاء التوجيهات وتحديد الأولويات نيابة عنهم. الأجدى إذن، أن يتركوهم وشأنهم، ويحاولوا الانشغال بمساعدة الناس بينما غيرهم منشغلون بمساعدة الحيوانات، عوضًا عن أن ينشغلوا بالحث على فعل هذا والصد عن فعل ذاك.

وحتى إذا افترضنا وجود صنف ثالت بين الاثنين، يتضمن الذين يقدمون المساعدة للناس، لكنهم يعارضون الذين يساعدون الحيوانات، إيمانا منهم بأن البشر أولى، فيمكن التعليق على موقفهم بكون الذي يتأثر بكائن غير ناطق هو حتمًا أرحم وأكثر حساسية ورأفة من الذي يتأثر بكائن ناطق؛ فالأمر يستلزم إحساسًا عاليًا لاستشعار ضعف كائنات لا تتكلم، والتفاعل مع مشاعرها حين تتألم وتحزن وتخاف وتئن. وحتى حين تشعر بالامتنان وتعبر عنه. الأمر يتعلق بتطور في مستوى الطيبة، تفترض أن الرفق بالحيوانات أعظم وأكثر نبلًا من الرأفة بالإنسان.

إن عجز الحيوانات عن طلب العون بشكل واضح و عدم قدرتها على تحسين وضعيتها أو وضع حد لمختلف أشكال معاناتها لهو دليل على أنها خلقت محتاجة لكائن آخر لديه القدرة على فعل كل ذلك من أجلها؛ إن حياتها مرتبطة بوجود الإنسان الذي يلعب دورًا كبيرًا في تحديد مصيرها. ينضاف إلى هذا كون التوجهات الأخلاقية تدعم وجهة النظر هذه، والتعاليم الدينية أيضًا من جانب آخر.

لكن، وللأسف الشديد، لا يدرك الكثيرون مدى التأثير الذي يمارسونه في حياة كائنات حية أخرى بريئة لا حول لها ولا قوة، ولا يستشعرون مسؤوليتهم تجاهها؛ هؤلاء يغفلون عن أننا خلقنا لنتقاسم هذا العالم مع كائنات أخرى، لا أن نستحوذ عليه، فإما أن نجعل حياتهم فيه أفضل، وإما أن نتركهم يحيون فيه بسلام على الأقل.

إن الإنسان هو الذي جعل البيئة التي يعيش فيها الحيوان بيئة صعبة ومليئة بالمخاطر والأذى، فالإنسان هو الذي يسبب معاناة الحيوان حين يؤذيه بشكل مباشر، ويزيد من ألمه حين لا يبالي به، ويضاعف عذابه حين يتجاهل استغاثاته. الإنسان هو الذي يرهب حيوانات الشارع، ويدس لها السم في الطعام، ويثقل الحمير بشكل يفوق طاقتها، ويضرب البغال بالسوط بشكل قاس، ويترك البهائم تحت الشمس الحارقة أو في البرد اللاسع، ويخبطها بسيارته لتسقط جريحة فيمضي دون أن يتوقف لمحاولة إنقاذها، وهو الذي لا ينهى أطفاله عن التسلي واللعب بالقطط أو العصافير، ولا يزعجه تمامًا أن يرى كلاب الشارع ترمى بالرصاص.

بالإضافة إلى أشكال الأذى هاته، يؤذي الإنسان الحيوان حين يتجاهله، فهذا أيضًا وجه من أوجه المسؤولية التي لا يتحملها الناس؛ فحين يقصد حيوان إنسانًا، مستنجدًا به عن طريق صرخة أو نظرة، ومترجيًا إياه أن يمده بشربة ماء أو قضمة صغيرة مما يأكله، فإن من القسوة أن يلتفت هذا الذي يسمي نفسه إنسانًا موليًا ظهره وغير آبه بطلب بسيط كهذا؛ لا حاجة طبعًا للإشارة إلى أن هذه المساعدة مستوجبة على قدر المستطاع، وأن العجز عن تقديمها مختلف عن اللامبالاة وعدم الرغبة في فعل ذلك.

وحتى أكون صريحة، فلسنوات طويلة مضت، كنت لا آبه بحيوانات الشارع ولا أهتم بها؛ وأعني بذلك أني لم أكن أركز النظر فيها أو ألتفت إليها ما لم تفرض نفسها أمامي، أو ما لم يستفزني فعل شنيع يصدر عن الإنسان تجاهها؛ لم أكن أدرك أنني، وإن لم أؤذها قط ورغم أني كنت أتفاعل بحسرة مع رؤيتها تتعرض للأذية، كنت مقصرة نحوها ومكتفية بالوقوف عند عتبة الكف عن الأذى بدل تجاوزها لواجب الإحسان.

أما اليوم، فقد فهمت أن للحيوانات علينا حقًّا، فإن رأينا من يؤذيها وجب علينا أن نتدخل وندافع عنها وننهى من يؤذيها سواء بالفعل أو بالقول أو بالقلب، وذلك أضعف الإيمان، وإن وضعتها الأقدار في طريقنا أو هي قصدتنا وكان بالإمكان أن نمنحها أكلًا أو شرابًا أو حتى نظرة رأفة فمن الواجب أيضًا ألا نتوانى عن ذلك. وأما إن لم تكن لنا رغبة أو اهتمام بالإحسان إليها، فما يتوجب فعله هو عدم التدخل لنهي أو انتقاد من يسعون لفعل ذلك.

فلكل شخص الحق في تحديد أولوياته والتصرف في موارده كيفما يحلو له (مال، وقت، جهد…) ولا يحق لأي شخص آخر مطالبته بصرفها هنا أو هناك، لذلك وجب على من يظنون أن الحيوانات أقل أهمية وشأنًا من الإنسان من حيث استحقاقها للحياة، أن يحيوا بفلسفتهم ويعملوا على مساعدة الناس بدلًا من الحيوانات وأن يتوقفوا عن مهاجمة ونقد من يهتمون بكائنات أخرى، ولو تعلق الأمر بالنضال من أجل الزرافات أو الدفاع عن البطاريق.

فيروز ازرولي - مدونة

Reactions:

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال