كتاب "من أيام المحتشد".. كشف الستار عن سيرة الطلبة المجندين في الصحراء التونسية

 ظهرت كتب كثيرة في ما يعرف في العالم العربي بأدب السجون التسجيلي منها والتخييلي، روى فيها الكتّاب إما تجاربهم في المعتقلات العربية وإما تخيلوا ما يدور فيها. غير أن بعض السجون ظلت غامضة نتيجة التعتيم الذي رافقها وخصوصيتها حيث وصمت من مروا بتلك التجارب الاستثنائية.

رجيم معتوق منطقة صحراوية في أقصى الجنوب التونسي، عرفت بأنها عنوان عقاب مارسه نظام بورقيبة في أواخره ونظام بن علي في بداياته. ولم يظهر النظام إلا نتائجه البيئية والفلاحية المتمثلة في تحويل الصحراء المخيفة والمتوحشة إلى جنة عبر استصلاحها بزراعة النخيل.

كان المكان معتقلا لطلبة اجتثهم النظام من مقاعد العلم وكلفهم بهذه الأعمال الشاقة في قلب الصحراء الضارية عقابا لهم على حراكهم الطلابي.

ومنذ سنوات قليلة بدأت تظهر نصوص هنا وهناك على هذه التجربة المريرة التي مر بها الطلبة في تونس، فظهرت رواية "الطريق إلى محتشد رجيم معتوق" للخال عمار الجماعي، كما ظهرت رواية "القرد الأوتوماتيكي" لإبراهيم درغوثي، وآخر ما صدر حول هذه الفترة رواية سيرة ذاتية لأحد المجندين يدعى محمد الساسي المنصوري تحت عنوان "من أيام المحتشد" (محنة طلاب مجندين بمعتقل رجيم معتوق في سنين الجمر) التي أهداها "إلى جيل منسي من معتقلي رجيم معتوق".

المكان الملتبس

لم يعد رجيم معتوق منفى، بل صار جنة، لذلك يقف الراوي بين النخيل والأشجار المثمرة التي غرسها هو ورفاقه أثناء التجنيد ملتبس المشاعر، فسحر المكان يؤذي الذاكرة الكليمة ويحرجها، فترتبك الذات أمام وقفتها بعد أكثر من 30 سنة أمام منجزها الذي أرغمت عليه. هكذا تنفتح رواية "من أيام المحتشد". ما كان يراه الراوي تعذيبا وإذلالا صار اليوم يتجول فيه مسحورا بجماله.

وتحوّل هذا الإحساس بالغبطة إلى ورطة سردية بعد أن اكتسب هذا الفضاء بهذا الوصف العاشق حصانة جمالية هيمنت على هوية العاطفة، عاطفة السجين المجند القديم.

غير أن الذاكرة العميقة والتجربة المؤلمة سرعان ما تعود من بين ذلك النخيل وتلك الرمال لتوقف مشاعر السائح وتسترد سيرة الطالب المجند لتذكّر بتاريخ الجنة المأساوي: رجيم معتوق الجحيم. كان القارئ ينتظر لحظة الانشطار لذات الكاتب اليوم وذاته القديمة عندما كان طالبا، غير أن الكاتب اختار حيلة أخرى واستدعى نفسه القادمة، رجل المستقبل الذي سيكون ليحدثه عن الثالث الشاب الذي كان قبلهما هناك سجينا ومجندا.

الطريق إلى المحتشد

الطريق إلى المحتشد ليس عنوان رواية الخال عمار الجماعي إنما الجزء الأكبر من رواية "من أيام المحتشد"، لأن الكاتب محمد الساسي المنصوري خصصه له بالكامل بداية من تجنيد الطلبة ونزع اللباس المدني عنهم وارتداء البزة العسكرية وركوب شاحنة الجيش حتى وصولهم إلى مطعم ثكنة صفاقس.

واستطاع الكاتب أن ينقل لنا ذلك التحوّل في مشاهد وحوارات متميزة ترتقي بالكتابة إلى مستوى الكتابة المشهدية التي ترتفع إلى مستوى الشعرية الأدبية وتنزل بالأدب إلى مستوى الصورة الحية الناطقة بالتجربة.

وقد نقل الكاتب لنا في هذا الجزء لحظات الدهشة وأسئلة الطالب المجند تجاه ما يحدث له، وتساؤلاته عن علاقة الجيش الوطني بما يحدث لهم من عقاب بسبب نشاطهم السياسي الطلابي وانتماءاتهم الأيديولوجية، قبل أن يقدّم لنا قطعة من المصير الذي ينتظرهم عبر درس الجوع الذي تعلموهم في الطريق عندما رميت إلى كل منهم علب سردين مغلقة وتركوهم يتدبرون أمر فتحها لإسكات جوعهم، فلم يفلح أحد في فتحها طوال الطريق الطويلة.

يقول الراوي: اصطف الجميع يتسلمون الملابس العسكرية، هي خضراء كالخشيش. خلعنا "السيفيل" (اللباس المدني) ولبسنا "الميليتار" (اللباس العسكري). لا أحد منا تمكن من تمييز الآخر. تعثرت قدمي في علي الغيلوفي وكان توأم الروح وما زال: يا زميل ألم تر عليا؟. فقال هو: وأنت يا زميل ألم تر (م. سـ)؟ ضحكنا بشراهة من طحنته المسغبة. كانت ضحكة رقرارقة شفافة لم تنغصها الجمرة المتقدة من أعين الجلادين وقد قهرتنا على امتداد عشرة أيام الاعتقال".

بدا الراوي غير معني، في البداية، برواية تفاصيل الاعتقال، ولا معاملة البوليس، بل معنيا فقط بسيرة أخرى من سيرة الاعتقال عبر البدلة العسكرية. لذلك قفز نحو خطاب الضابط العسكري الذي استقبلهم ليخرجهم من دهشتهم الأولى، ويعرفهم على طبيعة الحياة الجديدة.

وقف أحد الضباط وقال بحزم واحترام: "است..عـد، أستـ… رح.. أيها الجنود أنتم الآن لستم طلابا، انسوا تلك الصفة إلى حين عودتكم بعد سنة، أنتم الآن عسكريون تحت ذمة الجيش الوطني التونسي وفي عهدته، وجنود لمصلحة الوطن وتحت رايته. أنتم ضمن مؤسسة هي درعنا جميعا، وكل ما دون ذلك لا يعنينا.. ستنقلون إلى ثكنتنا بمدينة قبلي في شاحنة عسكرية، أنتم رجال ومثقفون نعول على تفهمكم، ستخدمون وطنكم دون أن أدخل في أسباب وجودكم هنا، فذلك بلا يعنيني.. استعدوا للركوب، وإياكم أن تفكروا للحظة في ارتكاب حماقة بمحاولة الهروب. سيرافقكم أربعة من الجيش وهم مسلحون، ولديهم الأمر بإطلاق النار على كل مخالف. أنا متأكد أنكم واعون وتفهمون ما أقول. رافقتكم السلامة. است…عد…".

هكذا أنهى الضابط مرحلة من حيوات الطلبة المجندين وأدخلهم مرحلة أخرى وأسقط عنهم هوية وألبسهم أخرى، وبرأ الجيش مما حصل لهم ونزع عنه أي مسؤولية، فأمر ما جاء بهم لا يعنيه، لكنه هددهم بالقتل في صورة التمرّد على ما وضعه الآخرون مصيرا لهم.

هذا الخطاب أربك الطالب المجند، جعله يعيش فوضى من المشاعر، فهو في انتفاضاته واحتجاجاته كان ينتصر للوطن ضد النظام وهو يرى في الجندية أعلى درجات الوفاء والواجب الذي يقدمه المواطن ولكنه لا يفهم لماذا لم يصبر عليهم هذا الوطن حتى ينهوا دراستهم. ويتساءل الراوي لماذا رضيت المؤسسة العسكرية بمثل هذه الإجراءات غير القانونية وحوّلتها السلطة إلى أداة عقاب وحولت شرف التجنيد إلى أسلوب عقاب.

بلاغة السخرية السوداء

يكتب المنصوري نصه بأسلوب تهكمي من المفارقات التي وضعوا فيها هؤلاء الطلبة الذين وجدوا أنفسهم من بين ليلة وضحاها قد تحولوا من طلبة على مقاعد الجامعة إلى معتقلين ومجندين في الصحراء.

يعمل المنصوري في كتابة عوالم التجربة على فكرة المتقابل. فالشخصيات تتحوّل من هويات الطلبة إلى هويات المجندين، وملابسهم المدنية ترمى لتسلم إليهم ملابس خضراء، وتنهض الجامعة مقابل الثكنة، و"الكميون" أي الشاحنة العسكرية الخضراء مقابل الشاحنة الصفراء التي تتحرك في جحيم الصحراء. صراع وجودي كبير يعيشه الطالب المجند يدفعه إلى اليأس وإلى الجنون حتى يصرح أحد الطلبة المجندين خريجي الفلسفة: "ها نحن نخرج من التاريخ.. ألم نكن نغني أنا الجندي أنا البطل، للحجارة مزلزل، وللبحار شارب.. للأفاعي صائد.. للحشيش آكل. أنا دارس أفلاطون وأرسطو وسبينوزا وديكارت وابن رشد والفارابي، أقول هذا. إني أرى روح هيغل تتململ وتشتكي".

ويروي الكتاب معاناة جيل كامل من الطلبة المجندين الذين عانوا الويلات في الصحراء التونسية في مواجهة أهوالها وزواحفها وعطشها وتعذيب القادة لهم وممارسات التشفي والإذلال والسادية.

هؤلاء العسكريون الذين وصلت إليهم التعليمات من دولة التعليمات حاسمة صارمة: "حاسبوهم أشد الحساب. قتروا عليهم حتى الأنفاس. قيدوا حركتهم وصادروا حريتهم ودمروا ما تبقى لهم من شعور بالكرامة والشرف والانتماء".

الجحيم والتحولات

هكذا أصبح جليا للطلبة المجندين أنهم ليسوا جنودا، بل معتقلين لأنهم يستثنون من حقوق الجنود العاديين في الإجازة وغيرها، بل هم محرومون حتى من التدرّب على السلاح كجنود لأنهم يمثلون خطرا على النظام ولا يثق المدربون فيهم، وأكثر ما كانت تسلم إليهم للحراسة الهراوات أو الرفوش. حتى جعل أحد المجندين يتخيل دورهم في الحرب بأنهم يكلفون فقط بحفر القبور لمن يُقتل.

روى الكاتب كيف اختفت الفوارق الأيديولوجية أمام القمع وتوحّد الطلبة قائلا "لم يكن البعد المناطقي هاجسا. ترفعنا عن الانتماءات العقائدية والتوجهات الفكرية الحزبية.. كان جميعنا في تلقائية البدوي ومرونة الحضري وحكمة الشيوخ وعفوية الأطفال. لم يكن النظام يفرق بين إسلامي وشيوعي وقومي، ولا بين من هم أبناء الشمال من أبناء الجنوب. فقط تحدد الأمور حسب طاعتهم للحاكم".

صحيح أن ما ذُكر في الكتاب من فنون التعذيب لم يصل إلى ما قرأناه من انتهاكات في السجون العسكرية بأميركا الجنوبية وخاصة ما عاشه أديب أوروغواي ليسكانو مثلا الذي سجله في كتابه كعربة المجانين، فقد ظلت الانتهاكات العسكرية فردية، فإن حرمان هؤلاء الطلبة من حقهم في الدراسة واجتثاثهم من مكانهم الطبيعي ورميهم في الصحراء بسبب آرائهم وانتهاكاتهم، كان جريمة دولة، فتأكد بذلك الهروب الوقتي للراوي المجند من المحتشد الذي كشف له سطوة السلطة التي خربت بالتخويف عقول أهل قريته وكليته التي ذهب يسأل عن حقه في مواصلة التعليم فيها بعد انقضاء العقوبة. لم يكن يريد الحديث معه أحد من قريته ولا من كليته. الجميع يتجنبه خوفا من الحاكم.

وكما يقول الراوي في آخر الكتاب "السجن تجربة حياتية مرة. وهو في الاحتجاز القهري بالثكنة له مرارة مضاعفة. وهو شعور بطبعات من سلب الحرية، يغلف بعضها بعضا كأمواج بحر ظلماتها طبقات تنوء بها الروح قبل الجسد. إنك في الحبس المدني قد سلمت أمرك لحكم القضاء وإن كان.. أما في الثكنة فأنت مرتهن لمزاج شخص سادي يرى في قهرك متعة ويتلذذ بعذابك".

ويقول رفيقه في الحياة والسجن علي الغيلوفي في مقدمته "وما رواية من أيام المحتشد إلا باب ينفذ منه الكاتب إلى النضال الذي يفضح السلطة الحاكمة التي تعتبر حتى سلامة الجسم منة نسبح من أجلها: لجمهورية مدى الحياة".

"من أيام المحتشد" نافذة جديدة لأدب السجون في تونس، تفتح على حقل من حقول الذاكرة المسيجة والمحظورة التي لا يمكن أن تحجبها جنة النخيل والأشجار المثمرة التي زرعتها أياد سحبت منها الدفاتر والكتب في الجامعات لتمسك الرفوش والمجارف في الصحراء. أدب لا يمكن أن نحاسبه حسابا فنيا قاسيا ونحن نقرأ كل تلك العذابات المرتبطة بمؤلفيه فقط، نعتبره جزءا من كتابات فترة الانتقال الديمقراطي تحتاجها المرحلة للتعافي من أنظمة دكتاتورية حكمت الشعب التونسي وورطت الجميع في التنكيل به حتى الجيش الوطني نفسه الذي انتصر للحق أثناء الثورة ووقف بجانب الشعب كأنه يعتذر له على ما فعله بالمئات من أبنائه في "رجيم معتوق".

المصدر : الجزيرة

Reactions:

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال