محسن أبوالعزم تشكيلي مصري رسوماته معادل بصري لأدب نجيب محفوظ

التشكيلي محسن أبوالعزم يعتبر أن الوصول إلى العالمية يبدأ من البيئة المحلية.

الومضة الأولى التي تبرق في ذهن المتأمل للوحات التشكيلي المصري محسن أبوالعزم تستدعي معها ذكريات ومشاهد كاملة من ذاكرة الطفولة الثريّة، حيث تنطبع المشاهد بكل ما تحمله من دهشة وجدة لذاكرة غضّة تُثمِّن الدهشة وتُسجلها وتحفر مشاهد عابرة في ذاكرة الروح لتظل معبرة عن جذور التاريخ والثقافة المصرية الأصيلة. التقت “العرب” التشكيلي المصري في حديث حول أسلوبه الفني المتميز في تصوير عوالم البيئة المصرية.

يمكن معاينة عوالم البيئة الشعبية المصرية بوضوح في لوحات أبوالعزم التي تُشكِّل عبر الخطوط والألوان قصصا ثريّة تكاد تكون مسموعة، مشاهد من الحياة اليومية في الحارة المصرية لا تلتقطها سوى أعين مسكونة بالدهشة يسجلها في لوحاته بأسلوب ساخر أحيانا وبواقعية شديدة في أحيان أخرى.

يوضح التشكيلي المصري لـ”العرب” أنه مغرم في كل لوحاته بتفاصيل الأحياء الشعبية، وبدأ هذا الشغف منذ الطفولة والنشأة في محافظة الفيوم، بجنوب القاهرة، حيث الحياة البسيطة بكل ما تحمله من ثقافة شعبيّة تمكن من معايشتها عن قرب، كونه أحد أبناء الطبقة المتوسطة، ما ساعده على مشاهدة كل ما صوره سواء ما يتعلق بطقوس المواسم والأعياد أو تفاصيل الحياة اليومية.

ومن خلال لوحات مُجمعة يمكن معاينة عادات وتقاليد مصرية راسخة مثل “السبوع” بعد ولادة الطفل و”المسحراتي” في شهر رمضان وأجوائه المميزة.

تفاصيل فنيّة

شخصيات منسية 

يشير محسن أبوالعزم إلى أنه في أثناء دراسته الأكاديمية للفنون الجميلة وجد شغفه بالحياة الشعبية متأصلا في إعجابه بالأعمال الفنيّة المعبّرة عن البيئة المصرية لكبار الفنانين مثل جمال قطب، وراغب عياد، ومنير فهيم، فانصّب اهتمامه على دراسة أصول الفن المرتبط بالبيئة الشعبية، وكان مشروع تخرجه عن الأحياء الشعبية، وهو الاتجاه الذي سلكه منذ تلك الفترة وحتى الوقت الحالي.

ليس اختيار الموضوع فقط أهم ما يميز أبوالعزم، لكن تلك التفاصيل التي ينسجها في لوحاته بشكل مذهل وفارق بصريا، فنجد اهتمامه البالغ بالخطوط الواضحة وإبراز ملامح الأشخاص والتناسق اللوني وتوزيع الإضاءة والظلال، ما يسهم في معايشة المتأمل للوحة لحالتها الفنيّة وموضوعها باستمتاع لا ينضب.

يكشف الفنان في حديثه مع “العرب” أنه يسعى لتأسيس المنظر الداخلي للوحة بكل ما فيه، ويأتي اهتمامه بإبراز تفاصيل التفاصيل، ما يؤكد خصوصية مفردات الشخصية وأبعادها.

يعتمد في رسمه لهذه التفاصيل بشكل شبه كلي على ذاكرته التي تختزن المشاهد بكل زخمها، وفي أحيان قليلة يعيد معاينة البيئة التي يرسمها مرة أخرى لالتقاط ما سقط من تفاصيلها، وأمام ذلك الزخم في اللوحة يجد المشاهد نفسه جزءا منها.

ويغذي الولع بالتفاصيل شغفا بقراءة الأعمال الأدبية لكبار الكتاب المصريين، مثل نجيب محفوظ، ويوسف إدريس، ويوسف السباعي، إلى حد تتقاطع معه تفاصيل العوالم الأدبية لشخوص هؤلاء الأدباء مع مكونات اللوحة ومفرداتها الدقيقة.

يؤكد أبوالعزم أنه يعشق القراءة لنجيب محفوظ منذ صغره، لأنه في رأيه أفضل من كتب عن البيئة المصرية، وتأثر به في تفاصيل الحارة التي صورها في رواياته إلى الحد الذي جعل البعض يعتبر لوحاته المعادل البصري لأدب نجيب محفوظ.

لم يقتصر الأمر على ذلك، فقد تأثر الفنان المصري ببعض الأفكار داخل الأعمال الأدبية والسينمائية فرسمها، ويضرب بعض الأمثلة على ذلك قائلا “أذكر أن بعض الأوصاف التي ذكرها نجيب محفوظ عن بيئة الشخصيات ومحيطها المكاني في روايته ‘بداية ونهاية‘ أشعرتني بأنني جزء من المكان ورسمتها في لوحة لي”.

ويضيف لـ”العرب”، “استفدت من تفاصيل عدة في أعمال أدبية أخرى وأعمال سينمائية على مستوى الموضوعات أو العناصر وبعض التفاصيل، ومنها فيلم ‘باب الحديد’ الذي تأثرت به فرسمت لوحة عن باب الحديد لكن برؤيتي الخاصة، وفيلم ‘الزوجة الثانية’ وغير ذلك من الأعمال”.

فكاهة نقدية

زخم لوني ومشاهد تفصيليّة تعكس الثقافة الشعبيّة

يسعى محسن أبوالعزم إلى التعبير عن البيئة الشعبية من الناحية الإيجابية أو السلبية، ومرّ بمرحلة من التطور الفني، ففي البداية كان أمينا في نقل الصورة إلى المشاهد والتركيز على الواقعية بشكل كامل، وبعد ذلك صار يلجأ إلى درجة من المبالغة في تصوير شخصيات اللوحة بصورة أقرب إلى الكاريكاتير، ما جعله يطوّر من أسلوبه الفني بشكل يعتمد على المبالغة، لكن لا ينتمي إلى الكاريكاتير.

ويلفت لـ”العرب” إلى أنه كان معجبا بأسلوب الفنان الفرنسي أنوريه دومييه، لاسيما في اهتمامه بالمبالغة، وتأثر به في هذا الجانب، وبدأ يوظف ذلك بالمبالغة في الشكل والأسلوب والموقف والانفعالات، من خلال تكبير الأطراف أو الفم أو الأسنان وغير ذلك من التفاصيل، وأحيانا تتخذ تلك المبالغة طابعا نقديا لكنه يصير مقبولا للمشاهد لما له من صورة فكاهية.

ويتابع “أختلف عن دومييه في تعبيري عن البيئة المصرية، فمثلا من اللوحات المميزة لدومييه والتي أعجبت بها لوحة ‘عربة الدرجة الثالثة’، فقمت برسم الفكرة ذاتها لكن تعبيرا عن الدرجة الثالثة المصرية، وكذلك لوحته ‘المحكمة’ التي رسمت فكرتها بشكل مصري تماما”.

ويشير التشكيلي المصري إلى أنه يستفيد من النقد الذي يوجه إليه ويحاول بشكل مستمر التطوير في أسلوبه على مستوى التكنيك والأسلوب الفني، وفي الأفكار نفسها، فإذا كان قد اهتم بالتعبير عن الحياة الشعبية في فترة الخمسينات والستينات ببساطتها ودفئها فإنه أولى اهتماما في لوحاته أيضا بمآلات الحياة بعد التطور التكنولوجي وما فرضه من أنماط حياتية مختلفة.

وذكر أبوالعزم أنه رغم اشتراكه مع جيل فني سابق له في الولاء للتعبير عن الحياة المصرية بمفرداتها المتباينة، إلا أن لكل فنان أسلوبا خاصا يعبّر به عن فكرته، من هنا جاءت لوحته المستمدة فكرتها من لوحة “بنات بحري” للفنان المصري الراحل محمود سعيد، مختلفة بشكل كبير عن عمله، لأن لكل فنان أسلوبه الخاص وتوظيفه المختلف للعناصر الفنية، وإن اشتركا في نفس الفكرة.

ويركز اللون في لوحات أبوالعزم، على الواقعية فيوظف الألوان الساخنة والساطعة التي تتشابه مع طبيعة المناخ المصري معظم العام، ويهتم بالألوان الترابية التي تعكس الشقاء لدى البسطاء والكادحين والساعين بدأب لكسب قوت يومهم، ما يمثل انغماسا منه عن طريق الاستفادة من اللون في أدق تفاصيل البيئة التي يصورها.

ويشدد الفنان المصري في حواره مع “العرب” على ضرورة اهتمام الفنانين التشكيليين، خاصة جيل الشباب، بالبيئة المصرية، فالكثير منهم يعبّرون عن بيئة غير بيئتهم، رغم أن الوصول إلى العالمية يبدأ من الاهتمام بالواقع الذي نشأ فيه الفنان وتأثر به.

ويقول “من هنا وصلت أعمال خالدة إلى العالمية مثل البؤساء لفيكتور هوجو، والحضيض لمكسيم غوركي، وأعمال الروائي المصري نجيب محفوظ، فالفن لا بد أن يكون انعكاسا لوجهة نظر الفنان حول واقعه وبيئته”.

حنان عقيل - كاتبة مصرية

 

Reactions:

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال