التجربة التونسية بين نبل الشعارات وعقم المحتوى

تعد مرحلة الانتقال نحو الديمقراطية في تونس قياسًا على التجارب المقارنة، بمثابة المنعرج المفتوح على مسارين: إما النكوص والارتداد نحو مربع ديكتاتورية السلطة الممركزة والدولة ذات التخطيط الهرمي، أو المواصلة في سياق تكريس أسس الديمقراطية على مستوى التنظير وتأسيس المؤسسات الحاضنة للفعل السياسي الديمقراطي على المستوى العملي. 

هذا المشروع المكثف لمطالب احتجاجات 10 ديسمبر (كانون الأول) 2010، 14 يناير (كانون الثاني) 2011 تعهدت به قوى سياسية اختارت أو اختير لها العمل بمقتضيات النظام شبه البرلماني، الذي وزع سلطة القرار على ثلاثة أضلع متوازية، ولكنها غير متقايسة طولًا.

بعد قرابة العقد من الحركة الاحتجاجية التي أجبرت بشكل من الأشكال رأس النظام على ترك البلاد، لاحظنا تعدد الفاعلين السياسيين من حيث الكم دون أن نمر نحو مرحلة التعدد الكيفي الذي يعبر على رؤية علمية وثورية ديمقراطية للعمل السياسي، بل اكتفي هؤلاء الفاعلون برسكلة تكتيكات التأثير في الجماهير مع إخراجها في صورة مشوهة لا تحمل جديدًا لا على المستوى التنظيري، ولا على مستوى الفعل. لذلك بقيت شعارات الثورة مادة استهلاكية محفوظة داخل ثلاجة الموتى دون أن يكتب لها شهادة وفاة، بل يقع إخراجها مع كل مناسبة انتخابية لعرضها على قارعة طريق الوصول نحو السلطة ثم إعادة حفظها من جديد داخل مأواها المؤقت.

لذلك، أصبحنا ننظر بعين الريبة إلى الفاعل السياسي المغامر بمكتسبات الانتقال نحو الديمقراطية ونحاول فك العزلة بين المشاركة السياسية الديمقراطية من جهة وشروطها من جهة أخرى، حتى لا تنحرف هذه المرحلة في الأمتار الأخيرة من منعرجات السياسة. ولكي نفكك معنى العقم على جانب المحتوى بالمقارنة مع نبل الشعارات، ارتأينا العمل على الإجابة عن السؤال التالي:

أين يبرز العقم السياسي في تونس وما هي تمظهراته؟

أولًا: العقم السياسي في تونس

بالعودة إلى مرحلة التأصيل القانوني لفترة الانتقال نحو الديمقراطية، نلاحظ تعددية حزبية مستحسنة من حيث الشكل لكنها مستهجنة من حيث المضمون، حيث تعددت الأحزاب والتيارات السياسية دون أن تكون مساوقة لشروط التأسيس لعملية سياسية ثورية تستجيب لشرط اللحظة، وتدفع نحو تعزيز البعد الديمقراطي ممارسة أو حتى تفكيرًا أو تنظيرًا.

أحزاب تأسست دون محتوى فكري أو حامل نظري يعبر على برامج ورؤى وتصورات تكون رجع صدى لهموم الشارع المنتفض، أو حتى تحاول تكثيف البعض من الشعارات بمنطق الكليات أو الجزئيات، وترتكز على معانيها الاجتماعية من أجل صياغة برنامج سياسي وتكتيك انتخابي يرفعها نحو السلطة بوصفها تعبيرًا سياسيًّا على جزء من الشعب.

إذًا، الرؤية كانت متجهة نحو الظفر بمقاعد برلمانية اعتبرت هي القاطرة للتأسيس الجديد الذي لم يتمكن الفاعل السياسي من كشف شروطه ومحدداته من أجل التعامل مع سياقاته المتغيرة ومخرجاته على المستوى الاجتماعي والاقتصادي. في هذا السياق كتب «ألكسندر دانكوارت رستو» نصًّا مهمًّا عن مرحلة الانتقال نحو الديمقراطية بعنوان: «التحول الديمقراطي، باتجاه نموذج ديناميكي». في هذا الأثر المهم، طرح الكاتب شرطًا أساسيًّا لإنجاح الانتقال الديمقراطي، وهو شرط الوحدة الوطنية والتي تسبق مرحلتي الصراع ثم التعود.

ما يعنيه بالوحدة الوطنية، هو تكتل جميع الفاعلين السياسيين في جبهة موحدة تجمع كل المعنيين بتأسيس الديمقراطية. والتكتل يقصد به توحيد المقاربة النظرية والتكتيك السياسي في علاقة بالاستجابة إلى واقع المرحلة.

بالعودة إلى تونس، فإننا لم نلاحظ توفر هذا الشرط الأساسي في بدايات الانتقال نحو الديمقراطية، بل طغت على سطح الأحداث معارك وهمية ذات مدلول ماضوي رجعي بالمعنى العلمي، حيث كانت العملية السياسية بمثابة مسلخ لتصفية الحسابات التاريخية تحت أرضية أو شعار: من ليس معنا فهو ضدنا. فعايشنا سيطرة صراعات الهوية والحداثة، التقليد والثوري مقابل غير الثوري وما إلى ذلك من مفردات الحروب الكلامية الخالية من كل معنى عدى معنى الإقصاء لغاية التموقع.

وفي مرحلة من مراحل الانتقال وتحديد بعد انتخابات 2014 انتقلنا إلى مسار سمي بـ«التوافق» وهو عبارة عن تجميع الأضداد ليس بجدلية هيجل أو ماركس، بل بسفسطائية «بروتاغوراس». هذه الفهلوة السياسية التي بنيت على قاعدة رياضية تحترم أكبر البقايا بعد عملية كسر للطيف اليساري الذي بقي حبيس أخبار إذاعة «تيرانا» وحصد مقاعد لا تغني ولا تسمن من جوع المشاركة أو عطش التأثير السياسي.

هذه التوافقات والتحالفات لم تساهم ولو بجزء بسيط في حل أزمة التأسيس أو حتى المراجعة للعمق في علاقة بتسيير الدولة والتعاطي مع الشأن اليومي للشعب. بل كانت المحصلة هي الخروج من مناورة إلى أخرى والتعويل على لاعبين عديمي الخبرة في علاقة بنحت التحالفات وإسقاط الخصوم، فلم نشهد رديفًا نظريًّا أو مرتكزًا فكريًّا لما يمكن اعتباره دستور الأحزاب وقواعد الفعل السياسي لمن هم في السلطة.

ثانيًا: تمظهرات العقم السياسي

ما كتبناه سلفًا يعد بمثابة المسبب لما أسميناه بالعقم السياسي، فالفاعل السياسي لم يستجب لشرط التأسيس للديمقراطية بالمعنى النظري والعملي، بل انهمك في تقويض المحددات الرئيسية لإمكانية هذا التأسيس وذلك من خلال التعاطي مع اللحظة بذهنية التاجر الذي يستغل ندرة منتوج ما ليحتكر سعره وترويجه. بهذا المعنى كان هذا الفاعل –التاجر يؤسس للخراب الثوري بسوء تقدير وغياب الاستشراف العلمي لارتدادات الانحياز نحو الربح الخاص والاستثمار في الأزمة.

طوال عقد من عمر الانتقال نحو الديمقراطية، لم يتمكن السياسيون من تأسيس محكمة تسهر على حسن تطبيق الدستور (المحكمة الدستورية)، لم نتخلص من منوال التفقير الممنهج المسمى زورًا بمنوال التنمية، لم نقرأ مراجعات فكرية للفاعلين أو حتى لم يؤسس هؤلاء مقاربات محينة لشرط التعاطي مع أزمات جديدة والتفاعل مع جيل مغاير تفكيرًا ورؤية للمشاركة السياسية والاجتماعية.

جانب آخر من العقم السياسي تمثل في إغراق الساحة الوطنية بما سمي بهيئات بعضها دستورية والبعض الآخر كانت وليدة للتوافق من أجل البقاء، فأصبح الأمر الموكول على عاتق السياسي مؤجرًا لمن يمثله على رأس هذه الهيئات، والمراجع لسجل عمل الهيئات الستة في تونس لايكاد يلاحظ أثرًا ذا قيمة جوهرية يمكن التأسيس قياسًا على مخرجاته من أجل تحقيق المطلوب والمنشود والمنتظر منها.

الجزء الخاص والمحدد من هذا العنصر الذي أسميناه بالعقم السياسي، يجد تعبيراته المكثفة للعنوان في عملية اختيار رأس السلطة التنفيذية؛ فبالعودة إلى لحظة اختيار رئيس للحكومة بعد انتخابات 2019، لاحظنا استهتارًا رهيبًا بالدولة وقدرة عجيبة جدًّا على تقديم المصلحة الخاصة على المصلحة العامة.

كان الاختيار قائمًا على أرضية أحقية الطرف الأغلبي في البرلمان، لكن هذا الطرف وهو حزب حركة النهضة كان وما زال يعيش صراعًا بين شرعيتين: شرعية المهجر وشرعية السجن مضافًا إليها قيادة تسعى نحو الظفر برئاسة البرلمان. ودون الخوض في التفاصيل، انتهت اللعبة باختيار الشق الممثل للشرعية السجنية لمرشح له بعض الخبرة والكثير من الولاءات. طبعًا الاختيار كان بمثابة تأكيد الحضور والتأثير داخل حركة النهضة لا أكثر، أما باقي الأحزاب الممثلة في البرلمان، ونعني بالأحزاب التي لم تتحالف مع حركة النهضة انتظرت لحظة التصويت واعتبرتها لحظة سقوط النهضة برمتها، وليس حكومتها أو حكومة الشق المناهض لقيادتها. في المقابل نجحت هذه الحركة في تصدير أزمتها نحو مربع الدولة، فما كان يجري داخل حدود مائتي متر أصبح يدور على رقعة جغرافية بمساحة مائة واثنين وستين ألف كم. هذا الشرخ العميق داخل الجسم الحزبي كان معممًا على كامل الطيف السياسي دون استثناء من العائلة اليسارية إلى العائلة القومية وحتى بعض المستقلين، وهو بلا ريب نتيجة طبيعية ومتوقعة طالما لم يكن هذا الجسم السياسي قائمًا على أرضية الهيكلة الصلبة والمستندة إلى نظرية تجد سندها وأسسها في الممارسة العملية وتخضع قياداتها ورؤاها للنقد العميق والمتواتر.

وبالعودة إلى شأن إدارة الحكم في تونس، ما زلنا نعيش السيناريو نفسه المذكور أعلاه حيث نص دستور الانتقال نحو الديمقراطية بشروط معينة تحت نير ظروف ما على أن يختار رئيس الجمهورية من يكلفه بتشكيل حكومة. هذا التكليف يعني ضرورة إطلاق يد المكلف للاختيار وأخذ القرار، لكن من جانب البحث على النجاعة وحصد الاعتراف على مستوى الممارسة، يمكن بل يجب (بمنطق الذكاء السياسي) فتح باب المشاورات مع الطيف السياسي الممثل في البرلمان، وحتى من لم يتمكن من الحصول على تمثيلية برلمانية. عندها يصبح الاختيار القائم على مبدأ حكومة مستقلة سياسيًّا أو مسيسة بالانتماء، أمرًا غير ذي بال ما دام السند السياسي قد حصل بفعل تفاهمات التشاور وما يعنيه من عرض ممكنات التحالف لتمرير قوانين أو غير ذلك. لكن الملفت للانتباه أننا لم نلاحظ حضورًا قويًّا للأحزاب السياسية من جانب تقديمها لمقترحات أو تصورات أو مشاريع تفاهمات، بل ترك الأمر للمكلف بتشكيل الحكومة لهندسة المشهد السياسي، وإعادة ترتيب إحداثيات فواعله.

هذا التخلي والنكوص والتراجع يعبر على حالة مما أسميه بالفراغ الديمقراطي، وكأننا إزاء حالة من الامتلاء تبعتها موجة إفراغ للرصيد المملوء فلم يعد للفاعل السياسي ما يقدمه ولو على سبيل النصيحة، كما لا يفوتنا أنها حالة من الترقب في انتظار لحظة ما تنتهي إما بإسقاط الحكومة المقترحة وهذا أبغض الحلال الديمقراطي بالنسبة إلى ساكني البرلمان؛ لأن الإسقاط يعني حل البرلمان بعد استيفاء رصيد الإسقاطات، أو هو مناورة من أجل ربح الوقت واكتشاف اللاعب الجديد على رأس السلطة التنفيذية واختبار جدية اختياراته ومدى قبوله بالتحالفات الممكنة.

ولكن في الحالتين لا يمكن أن نصف هذه الوضعية إلا بالعنوان المناسب وهو العقم على التفكير والمبادرة والتعاطي مع المستجدات. عقم سياسي لا يبدو بأن هذا الجيل من الفاعلين السياسيين قادر على إيجاد ترياق مناسب له.

هذا الوصف الموجز لحال الانتقال نحو الديمقراطية في تونس أردناه فاتحة لنقد أكثر عمقًا وتأصيلًا أكثر كثافة للسؤال المركزي وهو: كيف نغير هذا الواقع؟ وفي تقديرنا لا بد من طرح السؤال الأهم والمتمثل في: من المنوط بعهدته هذا التغيير؟

في انتظار تفكيك السؤالين الواردين أعلاه، نبقى دائمًا على قيد الأمل، متشائمين بالعقل متفائلين بالإرادة كما عبر قرامشي، ومنادين بالحرية والكرامة الوطنية مثلما رددت حناجر التونسيين، ومؤمنين بالديمقراطية كإيماننا بثورتنا وعقولنا.

                                محمد العياري 

Reactions:

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال