بيروت وتشيرنوبل.. تفصلهم أميال ويجمعهم الفساد والإهمال

 في يوم الرابع من شهر أغسطس من هذا العام المنكوب استيقظ العالم على فاجعة إنسانية جديدة، انفجار عنيف هز القلوب وحطم شعبًا بأكمله وليس المباني الجدران فقط، وراح ضحيته حتى الآن أكثر من 190 قتيلًا، و6500 مصاب بينهم حوالى 1000 طفل، وشرد أكثر من 300.000 فرد جراء تدمير ممنازلهم، وما زال هناك بعض المفقودين.

بيروت الجميلة أصبحت ركاما وأضحت كما الأطلال، مدينة النور العربية مدينة الحب والمرح دخلت مرة أخرى في غياهب الظلام عششت فوقها الطيور الجارحة وطالت مخالبها كل أرجاء لبنان الجميلة، وجاءت فادحة ميناء بيروت لتكشف عن سوءاتهم ولتعلن عن قرب الخلاص.

أصل الحكاية

نعود سبع سنوات للخلف حيث كانت بداية المأساة، في عام 2013 وصلت سفينة تابعة لرجل الأعمال الروسي إيغور غريتشوشكين والقبرصي خرالامبوس مانولي، تحمل على ظهرها 2750 طنًا من نترات الأمونيم، ترفع علم جمهورية مولدوڤا -دولة أوروبية تقع شرق أوروبا بين أوكرانيا و‌رومانيا- وتنقل شحنة من نترات الأمونيوم من جورجيا إلى موزمبيق قرب مرفأ بيروت.

تفيد بعض التقارير أن السفينة مُنعت من الإبحار بعد تفتيشها من قبل سلطات ميناء بيروت عندما توقفت هناك جراء ظهور مشكلات تقنية، ووجدت السلطات أن السفينة لم تكن بحالة جيدة ومخالفة لمواصفات السلامة المتعارف عليها دوليًا، مما أدى إلى توقيفها في مرفأ بيروت وعدم السماح لها بالمغادرة بمن عليها، وبعد ذلك سمح لبعض من طاقمها بالعودة إلى بلادهم واحتجز ربانها وأربعة من معاونيه ومنعوا من الخروج منها.

لاحقًا سُمح لهم بمغادرة لبنان والعودة إلى بلادهم بناء على الخطر الذي يُهدد حياتهم من خطورة الشحنة التي تحملها السفينة، بالإضافة إلى أن مالك السفينة تخلى عنها وعن شحنتها ولم يتابعها وتوقف عن دفع أجور العاملين بها منذ فترة ولم يسدد ما تراكم عليه من أجور للمرفأ، ولهذا صادرت سلطات المرفأ بناء على أمر قضائي السفينة وما عليها، وقرر المسؤولون نقل شحنة السفينة إلى عنبر داخل مستودع في الميناء للتخزين، وكان من المقرر أيضًا عرض السفينة والشحنة للبيع في مزاد أو التخلص منها بطريقة صحيحة.

ما هي مادة نترات الأمونيوم؟

لا تعد مادة نترات الأمونيوم في حد ذاتها قابلة للاشتعال، وأكثر استخداماتها تكون في مجالات الزراعة والتعدين، لكنها تصبح مادة شديدة الاحتراق لو اقتربت منها نيران أو وقود حينها تشتعل وتسمح للمواد الأخرى بالاشتعال بسهولة أكبر، وأيضًا إذا أضيف لها بعض المواد التي تستخدم في صنع المتفجرات فتصبح نترات الأمونيوم أشد المكونات فتكًا داخل القنابل، ولهذا السبب يُفترض أن يتم الالتزام بقواعد صارمة في تخزينها بحيث تظل بعيدة عن الوقود ومصادر الحرارة، وبعيد عن الأيدي التي قد تعبث بها لتصنع منها أساليب الهلاك.

لكن ما حدث داخل مرفأ بيروت كان النقيض، فلم يتم مراعاة قواعد السلامة لتخزين تلك الشحنة ولم يتم التخلص منها، ظلت هناك وتعامل الجميع معها باستهتار شديد وکأنها حاوية ألعاب أطفال لا ضرر منها، وتناساها المسؤولون غير عابئين بما تشكله تلك المواد من خطورة على المجتمع اللبناني بأسره وأن تلك الحاوية تحمل الدمار داخلها، وهذا ما قد حدث.

أسباب الانفجار

إلى الآن لم يتم تحديد سبب الانفجار، تردد أنه حريق صغير اندلع في المرفأ داخل شحنة ألعاب نارية عن طريق خطأ غير مقصود، وهناك من يقول إن الحريق نتج عن إجراء بعض الإصلاحات في العنبر، أدى الحريق إلى تكاثر النيران حتى طالت عنبر نترات الأمونيوم فحدث الانفجار لأنه لا يوجد أي من أساليب العزل أو الحماية داخل العنبر، وذلك يفسر تصاعد الأبخرة أولا ثم حدوث عدة انفجارات متتالية، كما تردد أيضًا أن هذا الحريق افتعل عمدًا لكن تم إخفاء ملامحه بعناية حتى يظهر أنه صدفة ليس إلا.

انفجار تشيرنوبل النووي

كل ما تم الإعلان عنه بشأن هذا الانفجار لا بد وأن يستدعي لذاكرتنا ما حدث قبل أكثر من ثلاثة عقود تحديدًا في أبريل عام 1986 في مدينة تشيرنوبل الأوكرانية التابعة للاتحاد السوفيتي آنذاك، في فجر يوم السادس والعشرين انفجر المفاعل النووي تشيرنوبل الذي كان يستخدم لأغراض سلمية أهمها توليد الكهرباء والطاقة، كان هذا الانفجار الذي بدأ صغيرا أيضا ثم تعاظم أثره إلى أن طال كل شبر فيه، ومثل ما حدث في مرفأ بيروت حدث قديما في تشيرنوبل حيث إن المتهم الأول في انفجار المفعل هو الإهمال مع الكبر السلطوي وعدم تحمل المسؤلية، وهناك أيضا من ردد أن هذا الانفجار بفعل فاعل لا عن طريق التقني غير المقصود.

في كلتا المدينتين تم تبادل الاتهامات بين جميع الجهات، واتخذت الحادثتين ذريعة للتدخل الأجنبي في شئون للبلاد ولإحداث البلبلة وزرع التفرقة وتفكيك الوحدة بين صفوفهما، ومع ذلك ولم يعرف الجاني حتى الآن لكن عرف جيدًا من هم المجني عليهم؛ هم أبناء تلك الأوطان الذين قُدموا بدماء باردة قرابين للسلطة، وستستمر تداعيات الانفجارين والأبرياء وحدهم سيظلون ينزفون من أرواحهم وأعمارهم وكل ما اقترفوه من إثم هو أن قُدر لهم العيش في أوطان تحكمها الخيانة، ويقبض عليها الفساد بيد من حديد، عانت شعوب المنطقتين ويلات الانفجار والفقد والأخطار البيئية التي ستلازمهم فترة طويلة من الزمن نتيجة الإشعاعات الناتجة عن الانفجارين، الشعوب وحدها من يدفع الثمن دائمًا.

مريم أحمد حسين - كاتبة 

Reactions:

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال