حركات الاحتجاج الشعبية وافاقها

من يغلب العقل على الحماسة الفارغة، عند قراءته لتاريخ الثورات والانتفاضات الشعبية، منذ الثورة الفرنسية مرورا بالثورة البلشفية في روسيا وصولا الى الثورات الملونة في اوربا وما سمي جزافا بثورات الربيع العربي في شرقنا الاوسط، لابد من ان يدرك، وبيقين لا لبس فيه، أن ما من انتفاضة شعبية خالية تماما من أي شوائب، لا بل أنها قد تحمل ضدها في داخلها كما هو في قانون الديالكتيك الماركسي عن وحدة وصراع الاضداد. فالحراك الشعبي، على أي مستوى كان، هو أداة للتغيير، تنظمه وتحفزه وتدعمه قوى قد تختلف مع بعضها في رؤيتها للتغيير، بعضها يسعى لبناء دولة قابلة للتطور، كاملة السيادة، تحقق طموحات مواطنيها وتحفظ كرامتهم، بينما البعض الاخر يسعى للهدم ولا يفقه في البناء ولا هم له سوى تحقيق مكاسب فئوية أو تنفيذ أجندات خارجية.

وان كانت القوى الاجتماعية والسياسية الطليعية هي صاحبة المبادرة في تنظيم الجماهير وتوعيتها وتعزيز ارادتها منذ القرن التاسع عشر، الا انها فقدت زمام المبادرة تدريجيا في فترة الحرب الباردة بين حلفي وارشو والاطلسي في القرن العشرين، ثم لتنقلب المعادلة تماما منذ ثمانينات القرن المنصرم، لتصبح الجماهير أداة تغيير فعالة بيد النظام الرأسمالي العالمي واتباعه وعملائه ومريديه، وتشكلت لهذا الغرض مؤسسات دراسات إستراتيجية رصدت لها أموال طائلة تعزز قدراتها اللوجستية وتمنحها امكانيات غير محدودة في التحكم بوسائل الاعلام التقليدية والالكترونية في كافة انحاء العالم من اجل الهيمنة على وعي الجماهير وسلب ارادتها.

وما ثورات الكونغو وغينيا في افريقيا والعجز الشعبي في مواجهة الانقلاب العسكري الذي قاده بينو شيت في جيلي او "ثوار" الكونترا في نيكاراغوا في امريكا اللاتينية والقاعدة في افغانستان والمجاهدون الوهابيون في الشيشان والثورات الملونة في دول الاتحاد السوفيتي السابق، اضافة الى التمرد المسلح في كوسوفو اليوغسلافية والدولة الإسلامية (داعش) في سوريا والعراق وغيرها من الأمثلة، ليسوا سوى اسلحة للهدم وتغيير الخارطة الجيوسياسية للعالم بتدبير وتخطيط وصناعة أمريكية وغربية خالصة.

وراء معظم هؤلاء "الثوار" من أجل الديمقراطية تارة أو التحرير في تارة أخرى او الدفاع عن التقاليد والعودة للجذور في تارة ثالثة، أياد وارادات خارجية تخدم مشاريع جيوسياسية أجنبية، ولكل منها اليات تنفيذ مناسبة لا تتسع هذه المقالة لتسليط الضوء على كل منها، لذا سأكتفي هنا، كمثال، بالتجربة الأوكرانية وثورتها البرتقالية املا ان تتوفر لي إمكانية البحث في التجارب الأخرى في مقالات قادمة.

يقول أندري كوجوت، أحد مؤسسي حركة ”بورا” (آن الاوان) الأوكرانية ومنسقي عملها الإقليمي: "بدأنا الحديث عن إنشاء حركة " بورا"مع الزملاء الصرب في ندوة عقدت في فينيتسا (مدينة اوكرانية) في ديسمبر 2003." مضيفا "سعينا لانشاء منظمة على شاكلة اوتبور(الرد) في صربيا، و (زوبر) في بيلاروسيا وكمارا (كفى) في جورجيا. ودرسنا إمكانية نجاح او فشل ما نخطط له. فبيلاروسيا، مثلا، أقرب في الحجم إلى صربيا. أما أوكرانيا فأكبر بكثير، ولم نكن نعرف ما الذي يصلح لبلد كبير ".

تم إنشاء حركة "بورا "عشية الانتخابات الرئاسية في خريف عام 2004 ، والتي تنافس فيها فيكتور يانوكوفيتش، الذي لا تختلف توجهاته القريبة من موسكو عن توجهات الرئيس المنتهية ولايته ليونيد كوتشما (كان رئيسًا لأوكرانيا منذ عام 1992)، ومرشح المعارضة فيكتور يوشينكو، المقرب من الغرب.

تقول يارينا ياسينفيتش، القيادية السابقة في حركة " بورا " : "قررنا أن نلتقي بأولئك الذين لعبوا أدوار رئيسية في الحركة الصربية "اوتبور"، على الرغم من أن الحركة نفسها زعمت أنه ليس لها قادة الا اننا كنا نعرف البعض منهم، من امثال سردجا (بوفوفيتش)، سلوبودان (دينوفيتش) وآخرين. وتم الاتفاق معهم على ان تأخذ عناصر "بورا" دورات تدريبية في أوكرانيا وفي نوفي ساد، عاصمة شمال صربيا. لقد تعلمنا التنسيق على الصعيد الوطني، والتنظيم، وبناء العلاقات العامة، وجمع الأموال"، كما تقول ياسينفيتش.

وفي نفس السياق ذكرت ياسينفيتش "أما بالنسبة لمصدر التمويل الرئيسي الذي تكفل بتغطية مصاريف الحركة، بما فيها أجور السفر والإقامة وشراء المعدات اللازمة وغيرها، فقد كان عبر صندوق بريطاني خاص لدعم الديمقراطية! ممول من حكومة المملكة المتحدة"، مضيفة "لقد دفعت رواتب المنسقين. تلقيت 300 دولار، لكنني لم آخذ نقودًا. أعطيته للحركة لأنه في تلك اللحظة كان لدي دخلا في مجال الأعمال ".

وتابعت القيادية السابقة في حركة "بورا" يارينا ياسينفيتش "تم اتخاذ الإجراءات الأولى في مارس 2004 في 16 منطقة من البلاد. عمل النشطاء الأوكرانيون في الظل ولم يعرف أحد من هم قادة "بورا". كانت الحملة الرئيسية تستهدف الانتخابات البرلمانية في نوفمبر. وانضمت إلى الحملة مجموعة "أعرف" التي أسسها خبير التسويق والعلاقات العامة في مؤسسة سوروس، ديمتري بوتيخن، والذي قاد كذلك مؤسسة أمريكية تعمل في أوكرانيا تدير حملة تمولها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لجذب الشباب إلى صناديق الاقتراع.

تمكنت الوكالة الامريكية من خلال ديمتري بوتيخن من انشاء شبكة من المنسقين في جميع أنحاء البلاد بتمويل بلغ (حوالي مليون دولار) إضافة الى منحة مالية تبرعت بها منظمة Freedom House الامريكية قيمتها (حوالي 50 ألف دولار). وبدعم من معهد ألبرت أينشتاين، تم طباعة 12 ألف نسخة من مقال جين شارب(Gene Sharp) "من الديكتاتورية إلى الديمقراطية" والتي ترجمها نشطاء "بورا" إلى الأوكرانية.

كما تلقت المعارضة الأوكرانية دعمًا ماليًا كبيرًا (حوالي 150 مليون دولار) من الأوليغارشية الاوكرانية الذين كانوا على خلاف مع كوتشما، وفقًا لمايكل ماكفول، سفير الولايات المتحدة في روسيا من 2012 إلى 2014 ومهندس سياسة باراك أوباما في المنطقة، والذي كشف ان الحكومة الأمريكية خصصت أكثر من 18 مليون دولار "لتعزيز الديمقراطية" في العامين السابقين للانتخابات. وهو يعتبر الثورة البرتقالية "مثالًا رائعًا على اختراق ديمقراطي، وربما الاختراق الديمقراطي الرئيسي خلال العقد".

يقول بوتيخن: "تتطلب الحملة الجيدة بالضرورة أساسًا للادعاءات بأن السلطات غير شرعية". ومع ذلك، نشأت مشكلة خطيرة، حسب أنديه كوجوت، "في بداية عام 2004 ، عندما بدأنا التخطيط للحملة ، وهي أننا لم نكن نعرف بعد من سيكون مرشح الحكومة. لذلك توصلنا إلى مفهوم "الكوشمية" لوصف النظام الذي شكله الرئيس ليونيد كوتشما. وقد أطلقنا الحملة تحت الشعار التالي: "ما هي الكوشمية؟ الخوف والفقر والجريمة".

التقى بوتيخن مع ألكساندر ماريش وسينيتسا سيكمان، وهما ناشطان سابقان في "اوتبور " (الرد)، قدما إلى أوكرانيا عبر فريدوم هاوس لحشد مساعدة النشطاء الصرب في الحملة. قال بوتيخن "لقد استثمرت فرصة العمل معهم فقد كانوا مصدر إلهام لنا لأنهم نجحوا (في إزالة سلوبودان ميلوسيفيتش). إن الوضع في كل بلد مختلف، لكن المبادئ واحدة."

لابد من الإشارة الى أن بوتيخن "الناشط المدني من اجل الديمقراطية في بلاده أوكرانيا"، كوفئ من قبل مشغليه فيما بعد وأصبح مديرا لشركة FakesRadar و FakesKiller الناشئة في مجال الأمن السيبراني في تالين، والتي تدعمها الحكومة الإستونية ومركز الديمقراطية والتنمية وسيادة القانون في جامعة ستانفورد. كما يعمل أيضا مستشارا في منظمة Rhize الأمريكية، ومقرها في نيويورك ونيروبي والتي أسسها الناشط السابق في "اوتبور" إيفان ماروفيتش في عام 2016.

أوضح ماريش لاحقًا الفكرة الرئيسية للحملة: "نحن بحاجة إلى الحفاظ على صورة الشباب الجميلين والموهوبين والطموحين الذين يناضلون من أجل مستقبل البلاد. وقد تم بناء جميع العلاقات العامة على أساس هذه الخصائص " وأضاف مستدركا "ماذا لو كان للعدو اليد العليا؟ هذا يعني فقط أن السكان ليسوا مستعدين بعد للتغييرات الديمقراطية (...). في حالتنا سنواصل النضال ".

كشفت يارينا ياسينفيتش، أن "قبل الثورة البرتقالية، كنا مستعدين لإنشاء شبكة يمكنها تنظيم مظاهرات كبيرة في الميدان. كان هناك حوالي 2000 ناشط في كييف، وهي قوة كبيرة. ومع ذلك، لم تكن لدينا خطط ولا قوة لتنفيذ عملية سياسية حقيقية " وتضيف ياسينفيتش، التي كانت في الثالثة والعشرين من العمر آنذاك، "كنا صغارًا ولم تكن لدينا الخبرة الكافية للعب دور حقيقي".

وفي معرض تعليقها على عملية الانقلاب على يانوكوفيتش، الرئيس الشرعي لأوكرانيا 2010-2014، أوضحت ياسينفيتش "في عام 2014 ، أدركت أن نهج المواجهة مع الشرطة ، الذي تعلمناه في أوتبور ، كان مناسبًا للحملات القصيرة وغير العنيفة ، على سبيل المثال، ضد نظامي كوتشما وميلوسوفيتش ، ولكن ليس ضد بوتين أو يانوكوفيتش ، الذي ساعده بوتين." وبعد التوصل لهذا الاستنتاج، غيرت المعارضة الأوكرانية تكتيكها ونظمت في 21 فبراير/شباط انقلاب دموي ازاحت، بواسطته، يانوكوفيتش من منصبه كرئيس منتخب لاوكرانيا.

احترفت ياسينفيتش السياسة بعد نجاح الانقلاب الدموي وشغلت مثل العديد من نشطاء بورا، مناصب مهمة في مؤسسات السلطة الجديدة. هي، على سبيل المثال، تبوأت منصبا مهما في وزارة التربية والتعليم وعملت بعد ذلك مستشارا حكوميا رفيع المستوى. أما حركة بورا، فقد مضت على نفس نهج أوتبور، فتحولت الحركة إلى حزب سياسي، ولم تتكشف حقيقة تمثيلها لأغلبية الشعب الاوكراني، كما كانت تدعي، الا بعد مشاركتها في الانتخابات البرلمانية لعام 2006، والتي لم تحصل فيها الا على نسبة ضئيلة بلغت 1.4٪ فقط من الأصوات.

تجدر الإشارة هنا الى ان جميع تلك التحركات "الجماهيرية" تضع في أولويات شعاراتها مطالب شعبية ووطنية ملحة تجمع حولها أكبر قدر من الأنصار وتوحي بعفويتها واستقلاليتها، لولا أن تفضحها أحيانا شعارات تكشف عن هويتها السياسية وارتباطاتها الخارجية، كما حصل في التظاهرات الأخيرة في بيلاروسيا، حيث رفع المحتجون شعارات معادية لروسيا ومطالبة بالتخلي عن اللغة الروسية او برفعهم لأعلام أمريكية ولاتفية وغيرها. وكما حصل في لبنان برفع بعض المحتجين لشعارات معادية لأحزاب لبنانية محددة، رغم الاتفاق على ان الاحتجاج هو ضد جميع الأحزاب المشاركة في الفساد "كلن يعني كلن".

وأخيرا، ولكي لا تفهم أغراض مقالتي هذه خطأً، لابد من التأكيد على أن مادامت حركات الاحتجاج ترفع شعارات جماهيرية تلتف حولها وتؤيدها قطاعات شعبية واسعة، بغض النظر عن المحاذير التي تطرقت اليها أعلاه، كما هو الحال في العراق ولبنان وغيرها من حالات مشابهة، فما يتعين على القوى الطليعية هناك الا أن تساندها وتصر على عدالة مطالبها، ساعية في نفس الوقت الى تحجيم دور القوى التي تشارك في الاحتجاجات بأجندات أخرى، قاطعة بذلك، الطريق عليها من ان تجير حركة الاحتجاج ومطالبها العادلة لصالحها.

 

Reactions:

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال