وهم ‏الأمة القُطرية: وتفكيك الهوية العربية استعدادا للتطبيع

يُعتبر وهم الأمة القُطرية الذي يجتاح الوعي المجتمعي العربي اليوم؛ أزمة فكرية اتخذت من الشوفينية الضيقة لمتحدثيها أرضًا صلبة تقف عليها، لتصُب لاحقًا في مستنقع الثقافة الانهزامية المتصلة بالضرورة بثقافة التبعية.
السادات و الهوية المصرية التي ابتدعها مثال جيد يمكن ذكره لتوضيح مكنون المصطلح، حيث لم يزرع السادات بذور الانعزالية الثقافية للمصريين، التي فصلتهم عن المحيط العربي و الدور الجيوسياسي فيما بعد فحسب، بل أطلق فكرة الأمن القومي المصري، التي تم استغلالها من قِبل الطبقة السياسية الحاكمة في مصر بشكل عكسي، لا يخدم “القومية المصرية” ولا على أي صعيد، إنما ساهمت هذه الفكرة في تكوين حالة من الانسجام بين الرأي العام المصري و بين وجود اتفاقية سلام مع الاحتلال، و جعلت من عودة الخونة و العملاء و مطالبتهم بممتلكاتهم السابقة أمرًا طبيعيًا و نوعًا من الثقافة التقدمية الجاري ترويجها.
‏الأمة اللبنانية، الأمة السورية، الأمة العراقية و لاحقًا الأمم الخليجية، ثم الهويات الانعزالية المنفصلة التي تم خلقها في نطاق الأمم الطارئة حسب تقسيمات سايكس بيكو.
‏جميعها وفق السياق المصري، تتجه نحو تغييب المجتمع ثقافيًا عن كل عوامل التراجع العربي، و دثر الانتباه العام للعلاقة بين الاحتلال الموجود عسكريًا فوق الأراضي العربية الغنية بالثروات، و بين امتدادات مادية له داخل الأقطار العربية من أحزاب و حركات سياسية فاسدة، تحافظ على وجودها كنتيجة مباشرة للسطوة الكولونيالية الغربية، حيث تؤدي دورها بتأمين و شرعنة نهب هذه الثروات، ترافقًا مع شل الأصوات الرافضة بالقمع و الفوضى السياسية.
هذا ثم فصل المجتمع المستهدف عن التاريخ و الحقوق الوجودية التي يرتبط بها، وصولًا لتركه في حالة فراغ معرفي و عوز يحول هذا المجتمع لمجرد جموع هائمة، قابلة لامتصاص أي فكرة ترميها لها آلة البروباغاندا الغربية، لتحقيق مكاسب أكبر من تثبيت كيان الاحتلال الصهيوني في فلسطين المحتلة لوقت أطول, تبدأ بتطبيع العلاقة مع العدو و االتبرير لها.
‏في السياق، قد ربطت الأنظمة الوظيفية في الخليج المجتمعات هناك بروابط أيديولوجية متطرفة.
‏تم استغلال العامل الجغرافي لارتداء عباءة الريادة الدينية، و استغلالها ضد الفكر القومي العروبي و الحركات التحررية، ثم تابعت بتعميق الفكر الوهابي لتدعيم ارتباط الطبقة السياسية في الخليج بالمصالح الغربية بدعامة التأييد الشعبي, بناءً عليه, كان للكبت الثقافي الذي نتج عن ذلك دورًا فعالًا في خلق حالة انعزالية خليجية بسيطة في تطلعاتها.
‏ففي حين أرادت الطبقة البرجوازية تغيير الصورة الدينية التقليدية التي انتشرت عنها في الأوساط الغربية، و التي يعتبرها أبناء تلك الطبقة مقياسًا للحضارة و الأفضلية، ارتأوا طريقة أذيَع صيتًا من المال، الذي تم استخدامه في الحقب السابقة لشراء المرتزقة أو إقامة المؤتمرات، و حتى حشر أسماء كياناتهم في إنجازات علمية لا صلة لهم بها.
‏السلام مع الاحتلال – مشروع الغرب العزيز- صار لهذا الغرض سلعة تسويقية جديدة لا يمكن رفضها، و من المثير للسخرية في هذا أن الأغلبية الداعمة لهذه الخطوة تعتبر العلاقة الودية مع العدو، لقصر التجربة و الاطلاع، موضة يمكن ارتدائها و خلعها متى شاؤوا متوهمبن الهيمنة السياسية لحكوماتهم على الكيان، فانصاعوا بالنتيجة لسياسة الدور الوظيفي الذي تؤديه هذه الحكومات.
لتحقيق ذلك، خاضت القنوات الإعلامية و المرتزقة الثقافيين، بالاشتراك مع المستعربين من جيش الاحتلال، شوطًا طويلًا في الحرب على الوعي العربي، فتمت إعادة توجيهه بالطريقة التي تسمح لهم ببناء الجسر الذي سيعبر من فوقه جنود الاحتلال إلى العواصم العربية برضى ساكنيها, سواء بفوضى ” الربيع العربي” أو بالثقافة الخاوية التي تقبل الاحتلال كحقيقة منطقية طبيعية.
سياسة الرأي و الرأي الآخر في هذه القنوات، أي رأي الاحتلال المسموح له أخيرًا بأخذ صولات و جولات بدعايته أمام الجمهور المغيّب، التحريض المتواصل من قبل بارزين لتوطيد فكرة الانفكاك عن القضية العربية في فلسطين، تأجيج الخلافات غير ذات المصداقية كالخلاف العراقي الفلسطيني؛ الذي ينبع في مجمله من دعاية صهيونية تم تصديرها من قبل صفحات العدو الناطقة بالعربية الفصحى.
هذه و غيرها، حملات آتت أكلها في تعميق التنافر و خلق حالة من الحياد الفردي الذي يمارسه أفراد “الأمم” العربية في كل قُطر سرًا و جهارًا.
ليس هذا فقط، بل إن العلاقة مع الكيان الذي يحتل فلسطين، “التي تخص الفلسطينيين فقط”، هي شأن داخلي لا يمكن التدخل فيه كما يتنطح صغار الكسبة من النقّاد و الكتّاب الذين يساهمون في تمييع القضايا أو تهييجها حسب الطلب.
لكن على عكس ما يظن هؤلاء، التطبيع ليس شأنًا داخليًا لا علاقة للمجتمع الأكبر به، وليس علاقة طبيعية يمكن تجاهلها، فهو يرتبط بالهوية و الوجود المادي الفعلي على المدى البعيد، و هما لمن لم يستطع الإدراك، شرطان أساسيان يجعلان للسلطة و الثروة وزنًا، أو أن تتحول الدولة المالكة عوضًا عن ذلك إلى مجرد تابع سياسي غني, لديه سوق استهلاكية و يد عاملة على شاكلة الدول الأوروبية المحكومة بالوجهة التالية للمشاريع الأمريكية.
في هذا الصدد، لا بد أن من ألقى نظرة على الدعاية الصهيونية ضد الهوية العربية في الخارج، قد لاحظ المنهجية التي يعمل بها جنود العدو لاغتيال االهوبة العربية لفلسطين.
ينفي جنود النشر الثقافي للاحتلال الوجود المادي للشعب الفلسطيني و الثقافة الفلسطينية، حتى “فلسطين” الاسم الذي تداولته الحضارات و الأمم لجغرافيتنا و دونتها في المستندات و المجلدات، تم التشويش عليها و الإقناع العام بعدميتها تاريخيًا باستخدام التأطير الشعبوي إلى جانب القمع الحكومي الغربي.
 ادعاء القومية الفلسطينية المنفصلة عن المحيط و التاريخ ثم تبيان عدم وجود قومية متفردة بهذا الاسم، هي طريقة أفلحت بشكل كبير في نفي الوجود الفلسطيني برمته.
“الأمم القُطرية العربية” الأخرى على هذا الطريق أيضًا.
في المستقبل القريب و مع الأخذ بعين الاعتبار للحالة الخليجية، الأغلبية غير الأصلية من سكان الجزيرة العربية، المستجلبين للعمالة أو الاستثمار، فنفي وجود الأمة الإماراتية أو الأمة السعودية مثلًا, و التي تسعى الانعزالية لتكريس فكرتها ليس بالأمر الصعب. لمّا تترافق مع أي تحرك بسيط لفرض السيطرة الأجنبية المباشرة مجددًا، حالما تهترئ السلطة الوظيفية الحالية و ينتهي دورها.
بطبيعة الحال, فإن الدولة الموقّعة مع الاحتلال هي دولة مخترقة، أمنيًا و سياسيًا, و لا تتمتع بقرار ذاتي لغرض إدارة و ترتيب دائرة السلام التي وسعها الاحتلال لنفسه بنفسه, إضافة للاختراق الاقتصادي الذي توضح منذ وقت طويل تاريخيًا و عبر مسيرة التمويل لمشاريع الفوضى الأمريكية في المنطقة بميزانيات ضخمة، بجانب إعطاء الشرعية و الصلاحيات الأمنية كما الغطاء المالي للقواعد الأجنبية في البلاد.
من المطقي أنه يصعب تحويل النظام الوظيفي لنظام وطني حقيقي يرفض الانصياع للأوامر الغربية, إلا بإزاحته و استبداله بالقوة المستندة على الحق الجاد في تقرير المصير, و ربما من المعقد اليوم، أن تقنع مرتزقًا بالكف عن كتابة الوهم لملايين المتلقين ضمن الانتشار الواسع للحجج التي تموّه الارتزاق و العمالة بموه حرية الرأي و التعبير، لكن في كل الأحوال، ينبغي من قبل من يخوض في هذا الانسلاخ الجذري عن التاريخ و الواقع أن يضع مسؤولية الأجيال القادمة و حقها في الوجود المستقل نصب الأعين؛ قبل الإقرار بالتنازل أو المهادنة، حيث أن الوسيلة الفعلية الوحيدة التي تضمن للعدو مساحته الآمنة الحقيقية هي الاقتناع الشعبي و الرأي العام العربي المساند لمسار التسوية، لا الوثائق السياسية القابلة للإلغاء حال الانقلاب على النظام الوظيفي المؤقت.
دعاء سليم - كاتبة فلسطينية
Reactions:

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال