السودان: حول تصاعد النزاعات القبلية

منذ سقوط الطاغية السوداني الجنرال عمر البشير في شهر أبريل 2019 في أعقاب الثورة الشعبية العارمة، بدأ أتباع نظامه البائد في وضع العراقيل أمام الحكومة الانتقالية عبر استخدام العديد من الأساليب في مقدمتها الخنق الاقتصادي وافتعال الأزمات ونشر الشائعات، وعندما فشلت تلك الأمور بدأوا في تأجيج نيران الصراع القبلي في العديد من الولايات.
السودان ليس حديث عهد بالنزاعات بين القبائل، فقد ظلت موجودة منذ عهود متطاولة حيث كانت تتسبب فيها المظالم التاريخية وشح الموارد (الخلافات حول الأرض وبين الرعاة والمزارعين) وغيرها من الأسباب، ولكن طبيعتها كانت محدودة وآثارها ليست كبيرة لأن السلاح المستخدم فيها لم يكن يتعدى السيف والسكين والعصي وبعض الأسلحة النارية البدائية، وقد كانت الإدارات الأهلية تتصدى لهذه الخلافات بمساعدة الحكومة بنجاح كبير يؤدي لتسويتها وفقا للأعراف السائدة.
عندما استولى النظام الإسلاموي على السلطة عبر الانقلاب العسكري في يونيو 1989، بدأ في تطبيق سياسة في غاية الخطورة تهدف إلى شق صف القبائل وتقسيم الإدارات الأهلية عبر استخدام المال وشراء الذمم، وقد ترافقت هذه السياسة مع اشتعال الحروب الأهلية في عدد من أقاليم السودان وما صاحبها من خطوات حكومية لصناعة المليشيات القبلية ومدها بالسلاح والأموال لخوض الحرب نيابة عن الدولة.
يتوجب على الحكومة الانتقالية تحمل مسؤوليتها الكاملة والتعاطي بجدية أكبر مع هذا الأمر عبر السعي إلى مخاطبة جذور الأسباب التي تؤدي إلى النزاعات القبلية
كذلك عمل النظام الديكتاتوري على تقسيم السلطة السياسية وتوزيع المناصب في مختلف الولايات على أساس الانتماء القبلي من أجل كسب ولاء تلك القبائل. ليس هذا فحسب بل أنه أنشا ولايات جديدة (كما حدث في دارفور) على أساس قبلي حتى يضمن ذلك الولاء.
أدت هذه السياسات إلى الإضعاف الشديد لروح الولاء الوطني التي لم تكن أصلا قد بلغت أشدها بسبب التوجهات القاصرة للأنظمة الوطنية التي حكمت البلاد منذ خروج المستعمر البريطاني، كما ساهم الانتشار الواسع للأسلحة الحديثة وخطاب الكراهية فضلا عن المشاكل البيئية في إذكاء النزاعات القبلية والعرقية بصورة غير مسبوقة مما أدى لإزهاق آلاف الأرواح وتدمير مصادر العيش وتمزيق النسيج الاجتماعي في العديد من الأقاليم.
ورثت الحكومة الانتقالية التي تم تنصيبها بعد الثورة دولة فاشلة في مختلف النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وشرعت في إصلاح الأوضاع المتردية شيئا فشيئا ولكنها اصطدمت بالكثير من العوائق التي ظلت تصنعها قوى النظام السابق في سعيها الدؤوب لزعزعة الأوضاع حتى تقطع الطريق أمام نجاح الحكومة الانتقالية في أداء مهامها وتمهيد الطريق نحو الانتخابات العامة والحكم الديمقراطي المستدام.
لم يكن الاندلاع المتزامن للعنف ذو الطابع القبلي في ولايات جنوب وغرب وشمال دارفور وجنوب كردفان وكسلا والبحر الأحمر مجرد صدفة عارضة أو أحداث منفصلة لا يربط بينها رابط، حيث تشير دلائل عديدة إلى انغماس أذرع النظام البائد في تأجيجها عبر التحريض والإغراء وبث الروح القبلية لتحقيق غايات العودة لكراسي الحكم.
على الرغم من وجود خلافات مسببة بين بعض القبائل إلا أنها ما كانت لتصل مرحلة الاقتتال الدامي والتهديد بنسف استقرار البلاد لولا وجود أياد ظاهرة وخفية لحزب المؤتمر الوطني المحلول عبر قياداته القبلية المعروفة التي تضررت مصالحها بسقوط النظام الشمولي الذي استطاعت عبره تمكين نفوذها المناطقي والجهوي بصورة كبيرة.
تشير دلائل عديدة إلى انغماس أذرع النظام البائد في تأجيج العنف القبلي عبر التحريض والإغراء وبث الروح القبلية لتحقيق غايات العودة لكراسي الحكم
مما يؤكد الدور الواضح للنظام البائد في تأجيج الصراع القبلية هو الطريقة التي اندلعت بها نزاعات بين قبائل ظلت تتعايش مع بعضها البعض في وئام كامل منذ عشرات السنين، مثل الزغاوة والحلفاويين في ولاية كسلا.
أيضا يتأكد ذلك الدور السلبي عبر سعي رموز الحزب المحلول لإقامة مؤتمرات لتنصيب قيادات جديدة لكيانات قبلية ظل موضوع رئاستها وإمارتها مستقرا منذ عشرات السنين (مثل مؤتمر قبيلة الجعليين)، مما أدى لاستنفار مكونات أخرى كبيرة وتهديدها بالتصعيد وهو الأمر الذي قد يقود لاندلاع نزاع داخل القبيلة الواحدة.
لا يدرك أتباع النظام الساقط أن الاستمرار في تأجيج نيران النزاعات والاقتتال القبلي لن تكون نهايته عودتهم لكراسي السلطة والحكم الذي فشلوا فيه طيلة ثلاثة عقود، بل الاحتراب الأهلي الذي يؤدي إلى تمزيق البلاد والانزلاق نحو الفوضى الشاملة مثلما حدث في العديد من الدول.
من ناحية أخرى، يتوجب على الحكومة الانتقالية تحمل مسؤوليتها الكاملة والتعاطي بجدية أكبر مع هذا الأمر عبر السعي إلى مخاطبة جذور الأسباب (مشاكل الأرض، شح الموارد، انتشار السلاح، المشاركة السياسية) التي تؤدي إلى النزاعات القبلية وذلك عن طريق وضع استراتيجية متكاملة تهدف لتحقيق السلام والتعايش بين مختلف المكونات الاجتماعية في البلاد. 
Reactions:

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال