مأساة لبنان والوطنية الحقّة


فيما امتلأت وسائل الإعلام العالمية في الأيام الأخيرة بالمقالات الصحافية والتقارير التلفزيونية المخصّصة للنحيب على لبنان، اقتصاداً ومجتمعاً ودولة، استمر أعضاء الطبقة الحاكمة اللبنانية بكافة تشكيلاتها السياسية والمصرفية والميليشياوية يتصرّفون وكأنهم لا يبالون، كل منهم يتشبّث بموقفه ويلقي اللوم على الآخرين، ولا يُجمعون سوى على نبذ أي تسوية للمأساة التي حلّت بالاقتصاد اللبناني تجعلهم يدفعون ثمنها أجمعين وتضع حدّاً لقدرتهم على الاستمرار بأعمالهم على اختلاف أنواعها. أي أنهم لا يُجمعون سوى على نبذ أي تسوية لا تميّز بين فئة وأخرى من فئات طبقتهم، بل تميّز بين الطبقة برمّتها («كلّن يعني كلّن» كما درج شعار «ثورة 17 تشرين»)، من جهة، وعامة الشعب الذي لا يدّ له في السلطة وغنائمها، من الجهة الأخرى.
هذا فيما تسود لبنان حالة من الإفقار المتسارع تضاهي أسوأ ما شهده تاريخ الانهيارات الاقتصادية، وقد تضاعفت نسبة سكان لبنان الواقعين دون خط الفقر بمستواه الرسمي بعد أن كانت مرتفعة أصلاً تزيد عن الربع، فباتت تفيض عن النصف حسب التخمينات. والأخطر من ذلك أن المصادر الرسمية تقدّر أن ثلاثة أرباع سكان لبنان باتوا بحاجة إلى العون، بحيث أن نسبة عالية من حاملي الجنسية اللبنانية أخذوا ينظرون بعين الحسد إلى اللاجئين السوريين والفلسطينيين الذين يشكلون خُمس عدد السكان الإجمالي الراهن (الذي يناهز سبعة ملايين) والذين تنعم الوكالات الدولية على غالبيتهم بمعونة غذائية. وقد بلغ الأمر من الخطورة حداً دفع «برنامج الغذاء العالمي» التابع للأمم المتحدة والذي كان يُطعم حتى الآن 750 ألف لاجئ سوري، دفعه إلى أن يخطط لإطعام عدد مماثل من اللبنانيين كي لا يُتّهم بتفضيل اللاجئين السوريين على سكان البلد الأصليين.
والحقيقة أن اللبنانيين باتوا منقسمين إلى فئتين عريضتين: فئة الذين لا زالوا منتمين إلى الاقتصاد «المُدلوَر»، أي الذين يحصلون على دولارات «طازجة»، وهم الذين يحوزون على مصادر تمويل خارجية، سواء أكانوا من المنتمين إلى منظمات «وكيلة» بالمعنى التجاري للتعبير (وتُسمّى أيضاً منظمات «عميلة»)، أي تلك التي تعمل محلياً بصفتها وكيلة لحكومة خارجية أو لمنظمة غير حكومية أجنبية، أم كانوا من الذين يحصلون على تحويلات من أهلهم في المهجر، أم من الذين راكموا الثروات في المصارف والاستثمارات في الخارج بحيث يستطيعون أن يحوّلوا منها ما يحتاجون لتغطية نفقاتهم؛ وفي المقابل، فئة أخرى تشمل كافة الذين لا يحوزون على مداخيل بغير العملة اللبنانية التي لا تني قيمتها الشرائية تتهاوى، وصغار ومتوسطي المودعين بالدولار الذين لا تردهم دولارات «طازجة»، فباتت قيمة دولاراتهم الشرائية تذوب هي أيضاً إذ إنها محكومة بسعر صرف تحدده المصارف في ضوء الإرشادات الحكومية وهو دون سعر صرف السوق بكثير، في حين أن هذا الأخير يتحكم بمعظم الأسعار.
وبالطبع فإن الفئة الثانية تشكل غالبية سكان لبنان العظمى، ينتمي إليها حصراً أولئك الذين باتوا من الفقراء بالتعريف الرسمي، والذين يفوق عددهم نصف السكان كما سبق الذكر، وتشمل أيضاً القسم الأعظم من الذين كانوا يعتقدون أنهم ينتمون إلى «الطبقة الوسطى»، وقد باتت قدرتهم الشرائية أشبه بقدرة أصحاب «المداخيل المتواضعة». أما الفئة الأولى فطيفها أعرض بكثير تبدأ بصغار المأجورين بالدولارات الخارجية العاملين في المنظمات الوكيلة، سواء كانت حرفتهم مدنية أو ميليشياوية، وتصل إلى قمة الطبقة الحاكمة من أصحاب مليارات الدولارات المودعة في الخارج، الذين ينتمون إلى كافة الجماعات المهيمنة على الساحة السياسية اللبنانية بدون أي استثناء. ومن الطبيعي ألّا تبغي قمة هرم المنتمين إلى فئة الاقتصاد «المُدلوَر» أن يتم الكشف عن مسببات (ومسببي!) الأزمة التي ألمّت بالاقتصاد اللبناني وأن تقوم رقابة فعلية على حركة الدولارات، إذ يهدّد ذلك بالحؤول دون مواصلة أعمال بعضهم (على الأخص الأعمال غير الشرعية من تهريب وتبييض أموال وغيرها) ووكالات بعضهم الآخر، أو تعسير تلك المواصلة على الأقل.
وفي هذا الظرف التاريخي، تلتقي مصلحة المحرومين القدامى والجدد، أي كافة المحرومين من الدولارات «الطازجة»، مع الوطنية اللبنانية الحقة، تلك التي بلغت ذروتها التاريخية الأولى في تصدّي القوى التقدمية اللبنانية، متحالفة مع المقاومة الفلسطينية، لتدخّل النظام السوري في لبنان سنة 1976 بدعوة من القوى المتحالفة مع المحور الأمريكي ـ الصهيوني وبضوء أخضر من هذا الأخير. آنذاك كانت المرّة الأولى التي شعر بها كاتب هذه الأسطر أن العلم اللبناني صار يمثل قضية وطنية حقّة، إذ غدا يرفعه الذين كانوا يتصدّون للوصايتين الخارجيتين اللتين عانى منهما لبنان واللتين اتفقتا على سحق قوى السيادة الوطنية الحقّة المناهضة لهما على حد سواء.
ولم تتجدّد تلك الوطنية الحقّة في سنة 2005 عندما انقسم الشعب وعلى الضفتين وكلاء لإحدى الوصايتين المذكورتين، وقد انضافت إليهما الممثلتان الإقليميتان لخلط السياسة بالدين بجناحيه الطائفيين، أي المملكة السعودية في جهة وجمهورية «ولاية الفقيه» في الجهة المقابلة، بل تجدّدت في «ثورة 17 تشرين» في العام الماضي، عندما التحمت الحركة الشعبية نابذة للانقسامات الطائفية والولاءات الخارجية، متصدّية للطبقة الحاكمة برمّتها وصارخة «كلّن يعني كلّن!»، وهي تحلم بحكم وطني وديمقراطي حقاً، حكم لا طائفي يعيد لاستقلال لبنان وسيادته معنييهما الحقيقيين، ويعيد تنظيم الاقتصاد اللبناني بما يخدم مصلحة الشعب، ويحاسب كافة الذين أوصلوا اقتصاد البلاد إلى الهاوية.
Reactions:

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال