فرنسا وإرث الاستعمار في الجزائر


أعادت فرنسا رفات 24 مقاتلا قُتلوا في مقاومة القوات الاستعمارية الفرنسية في الجزائر إبان القرن التاسع عشر.هولاء المقاتلون حُرموا من حقهم الطبيعى و الإنسانى فى أن يدفنوا لأكثر من 170 عام حيث ظلت جماجمهم فى أروقة متحف الإنسان بالعاصمة الفرنسية باريس. صحيح إن إعادة جماجم المقاومين الجزائريين، يشكل اعترافا من النخبة الحاكمة في فرنسا بالماضي، لكن يظل الموقف الفرنسى الرافض للإعتذار رسميا عن الإستعمار(1830-1962) مخيبا لآمال الجزائريين الذين مازالوا يعانون من ميراث الحقبة الاستعمارية بآثارها المعنوية والمادية والأخلاقية.
 هذا الميراث يستعصى على النسيان أو المحو من الذاكرة الجمعية للشعب الجزائرى الذى عانى طيلة 132 عاما من احتلال غاشم تنوعت فيه  أشكال التعذيب والإحتقار والتهميش والعنصرية والمذابح الجماعية التي يمكن وصفها بامتياز بأنها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
من أبرز هذه الجرائم هو تجنيد فرنسا الإجبارى خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية الآف الجزائريين في جيشها مقابل وعودها بمنحهم المواطنة الكاملة,  وهو ما يتعارض مع اتفاقية لاهاي 1907 التي تمنع تجنيد سكان المستعمرات للأغراض العسكرية والأعمال الشاقة. عطفا على ذلك فإن “مرسوم كريميو” منح الجنسية الفرنسية للأوروبيين واليهود فقط، في حين بقي الآخرون- المسلمين – في خانة“الأهالي المحليين ” .
و تواكب انتهاء الحرب العالمية الثانية مع احدى أكبر الفظائع التي أرتكبها الإستعمار في حق الشعب الجزائرى الذى خرج مطالبا بحقه في تقرير المصير في 8 مايو بمدن سطيف و وڤالمة وخراطة, الإ أن جيش الاحتلال قابل هذه المظاهرات بالإعدامات الفورية والمجازر والقمع الوحشى، تاركا وراءه 45 ألف قتيل جزائري  بحسب الأرقام التي يوردها المؤرخون الجزائريون، والتي تنزل بها التقديرات الرسمية الفرنسية إلى ما بين 15 و20 ألف جزائرى, مما يمكن وصفها في كل الأحوال بـ ”الهولوكوست” الفرنسي بالجزائر.
الإ أن أبشع جرائم الإستعمار الفرنسي على الإطلاق هي إجراء تجارب نووية في المستعمرة الجزائر في وقت كان الزخم الدولى يتصاعد  ضد التجارب النووية و بالفعل أعلنت البلدان الثلاثة العظمى أنذاك (الولايات المتحدة، الاتحاد السوفياتي السابق وبريطانيا) في عام 1958 حظر التجارب النووية الجوية. وعلى الرغم من ذلك أقدمت فرنسا على سلسلة من التجارب النووية بإستخدام قنابل البلوتونيوم واليورانيوم .وكانت التجربة الأولى في 13 فبراير 1960 على بعد (60) كم عن مدينة رقان في محافظة أدرار، ويقال إنها تعادل في قوتها ثلاث مرات قوة القنبلة النووية التي أُلقيت على مدينة هيروشيما. وأعقبت التجربة الأولى ثلاثة  تجارب أخرى: الجربوع الأبيض (1 أبريل 1960) ، الجربوع الاحمر (27 ديسمبر 1960) والأخضر (25 أبريل 1961).
ويعرض كتاب “التجارب النووية الفرنسية في الجزائر: دراسات وبحوث وشهادات”  كيف سخَر الفرنسيون السكان المحليين كأهداف للتجارب النووية بحجة العمل في مناجم الذهب وبينما كان الجنود الفرنسيون يرتدون ملابس واقية خاصة, لم يتوفر لدى السكان سوى ألبستهم العادية. والأفظع من ذلك أن  أجبر الفرنسيون السكان المحليين على إرتداء  قلادات معدنية تحمل أرقاما تسلسلية تُمَكن الخبراء الفرنسين من قياس آثار الإشعاع عليهم موهمين السكان البسطاء بأنها “حروز” تقيهم شر الإشعاع.
 وفى نفس السياق يشير الكاتب الفرنسي برينو باريلو في كتابه “التجارب النووية الفرنسية 1960- 1966″ أن سلطات الإستعمار الفرنسية استخدمت 42 ألف جزائرى ك”فئران تجارب” في تفجيرها أولى قنابلها النووية في صحراء الجزائر و أنّ الفرنسيين تعمّدوا الإكثار من ضحايا التجريب وتنويع الألبسة، للوقوف على مستوى مقاومة البشر للإشعاعات النووية على مسافات مختلفة. ولقد تلت التجربة النووية الأولى درجة عالية من التلوث في صورة غمامة سوداء وصلت الى نيامى عاصمة تشاد, ثم سقطت أمطار سوداء في 16 فبراير1960, جنوب البرتغال وفى اليوم التالى على اليابان! ويمكن تصور الآثار السلبية لهذا التلوث ليس فقط على السكان- الذى تعرض مايقرب 2 مليون منهم للإشعاع والنفايات النووية- ولكن أيضا على النبات والحيوان والبيئة بشكل عام.
ومع كل هذا، لايزال الموقف الفرنسى مرواغا تجاه قضية الإعتذار عن الإستعمار حيث استمر الروساء الفرنسيون فى اختلاق الأعذار والتبريرات للإفلات من واجب الإعتذار عن جرائم فرنسا الإستعمارية وكان آخرهم “هولاند” الذى لم يقدم اعتذارا رسميا عن الإستعمار الفرنسي وان كان أقر بأنه نظام مستبد وغير عادل أثناء زيارته للجزائر في عام 2012 وسبقه “ساركوزي” الذي زار الجزائر نهاية 2007، ورفض الإعتذار أيضاً عن أخطاء غيره و آخرهم ماكرون الذى اتبع سياسية “لا إنكار و لا إعتذار” عن تاريخ فرنسا فى أفريقيا داعيا إلى طى صفحة الماضى و عدم تحميل الأجيال الحالية ذنوب اقترفها أجداده!
بل ويصر بعض السياسيون الفرنسيون على اعتبار إحتلال الجزائر فعل حضارى ومن أبرزهم ممثل اليمين الفرنسي “فرانسوا فيون” الذى يزعم أن فرنسا الإستعمارية نشرت الثقافة والتحضر في مستعمراتها الإفريقية – في نكران واضح لفظائع الإستعمار, وإهانة بالغة لضحاياه ومحاولة لإستلاب ومحو ذاكرة الشعوب. ومن المثير للسخرية أن  ماكرون يتكلم كثيراً عن إضفاء الطابع الأخلاقي على السياسة وضرورة مراعاة ما يمكن أن تقوم به السلطة من أجل الصالح العام دون أن تنتهك تحت أي ظرف المبادئ الأخلاقية. الأ يُعتبر الإعتذار الرسمي عن الإستعمار وتحمل مسئولية الخطأ والتعويض عنه مطلبا أخلاقيا وانسانيا لتجاوز المآسى والتحرر من قيود الماضى وطى صفحاته السوداء؟
د. عزيزة عبد العزيز منير - كاتبة مصرية
Reactions:

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال