الشيخ الرئيس.. ومشايخ الجهل


مع بدايات تفشي وباء كورونا في منطقتنا العربية أواخر شباط / فبراير الماضي ، أخذ يتفشى بالتوازي معه - عبر العديد من الفضائيات العربية ووسائل التواصل الاجتماعي - وباء من نوع آخر يتمثل في الجهل والعلاج بالشعوذة بإسم الدين الإسلامي لمكافحة الجائحة ؛ وذلك عبر ما تقوم به شريحة كبيرة من مشايخ الدين من تفسيرات سببية غير علمية في تفسير " كوفيد - 19 "..
مع بدايات تفشي وباء كورونا في منطقتنا العربية أواخر شباط / فبراير الماضي ، أخذ يتفشى بالتوازي معه - عبر العديد من الفضائيات العربية ووسائل التواصل الاجتماعي - وباء من نوع آخر يتمثل في الجهل والعلاج بالشعوذة بإسم الدين الإسلامي لمكافحة الجائحة ؛ وذلك عبر ما تقوم به شريحة كبيرة من مشايخ الدين من تفسيرات سببية غير علمية في تفسير " كوفيد - 19 " وما تقدمه من روشتات قائمة على العلاج بالخزعبلات والخرافات بإسم الدين ، ناهيك عن عدم توانيهم عن حض مريديهم البسطاء على عصيان سٌبل الوقاية الطبية العلمية من الوباء ، كالحجر المنزلي ، والتباعد الاجتماعي ، وتأدية العبادات في البيوت . وهذا ما يذكرنا بممارسات من هذا القبيل كانت تمارس في العصور الإسلامية الغابرة ؛ ومنها على سبيل المثال ماورد في تغريدة لصحيفة " اليوم السابع " المصرية : ففي سنة13 اجتاح الطاعون مصر ليحصد أعداداً هائلة من أرواح المصريين ، لكن باءت بالفشل كل المحاولات العلاجية والحيل للسيطرة على الوباء ، أمر السلفيون أن ينكب الناس على قراءة " صحيح البخاري " ، لكن الوباء واصل حصاده بمعدلات رهيبة أكبر ، وازاء ذلك تفتقت عبقريتهم بحل آخر يتمثل في جمع 40 شخصاً من الأشراف يحملون إسم " محمد " في الجامع الأزهر ليقرأوا القرآن من بعد صلاة الجمعة حتى صلاة العصر ثم بعد ذلك أن يطلعوا فوق سطح الجامع ليأذنوا معاً ، ففعلوا ، ومع ذلك أخذ الوباء العنيد يستشرش بشكل جنوني وبمعدلات مرتفعة أعظم . وفي رواية اخرى تحكي المذيعة ، التي ظهرت في فيديو التغريدة الآنفة الذكر ، عن المؤرخ " إبن كثير " ، بأنه في سنة 749 هـ وأثناء تغول الطاعون طلب أحد السلفيين من الناس للتخلص منه أن يقرأوا سورة نوح 3363 مرة ، ففعلوا بنصيحته أيضاً ، لكن النتيجة المرجوة جاءت عكسية ، حيث حصد الوباء هذه المرة 200 ألف شخص في القاهرة وحدها!
ومنذ بضعة أسابيع ينتشر في وسائل التواصل الإجتماعي على أوسع نطاق مقطع من فيلم سوفييتي قديم اُنتج عام 1956 بعنوان " إبن سينا " ، وهو كما نعلم أحد أبرز أعلام حضارتنا العربية - الإسلامية ، وبدا هذا المقطع قد جاء في توقيته المناسب ليذكّرنا ليس بصفحة مشرقة من صفحات تراثنا العلمي والفلسفي فحسب يجسدها هذا العالم الحاذق الذي اُطلق عليه لبراعته " الشيخ الرئيس " ، بل وليفند شعوذات " مشايخ الجهل " الذين ما برحوا يعيدون وصفات السلف الصالح نفسها لمواجهة الجائحة الحالية ، فكأنما عقارب الساعة لم تتغير منذ تلك العصور الغابرة . "وليس بعيداً عن الدلالات أيضاً إغلاق كل المقدسات الإسلامية في منطقتنا ، وبضمنها التي في إيران والعراق الذي رأينا مشاهد لبعض محافظاته الجنوبية تبرز تحديهم لسُبل الوقاية ، رغم قيام السلطات بتنظيف وتعقيم تلك الأماكن المقدسة التي لطالما نسجت حولها أساطير دينية ما أنزل الله بها من سلطان حول قوتها الروحية الخارقة في الاستجابة لدعوات مريديها لحل كل مشاكلهم المستعصية بما فيها المرضية !
وأنت تتابع وقائع المقطع المترجم تتملكك دهشة شديدة ممزوجة بالإعجاب لما كان يتمتع به ذلك الطبيب والفيلسوف قبل ألف عام ونيف من علم ومعرفة عميقة بشؤون الطب ، هو الذي كان موسوعة زمانه في علوم شتى ، منها الفلسفة والموسيقى والطب . وفي هذا المقطع إذ يوصف لك بدقة خواص وباء " الطاعون " ، وسُبل محاصرته والتخلص منه ، تشعر وكأن الرجل يعايش عصرنا في ظل جائحة كورونا ، حيث وصف الوباء بأنه ينتقل عبر الهواء وبملامسة الأيدي ويلتصق بالشعر . ومن إرشاداته لتفادي الوباء : ضرورة التباعد الاجتماعي ، غسل الأيدي بمحلول من الخل ، التزام الحجر المنزلي ، إغلاق الأسواق ، وفتح مراكز البيع في بعض البيوت .
ومع أن معارف ابن سينا عن خواص الاوبئة وسُبل علاجها معروفة لكل قارئ لكتبه أو ، مطلع على سيرته ، إلا أن ما حققه مقطع الفيلم السوفييتي من انتشار وشهرة عظيمين لدى ملايين الروس والعرب ليٌرينا الدور الكبير الذي تلعبه السينما في توعية مختلف فئات مستويات الناس بمثل هذه الأمور في الوقت الذي مازالت السينما العربية والأعمال الدرامية مقصرة للأسف عن لعب هذا الدور .

Reactions:

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال