عن قنبلة سليم بركات.. هل أساءت إلى درويش حقًا؟

ننشر هنا مساهمتين خاصتين تعقيبًا على النصّ، الذي نشره الشاعر والروائي سليم بركات أخيرًا وتطرّق فيه إلى أحد أسرار الشاعر محمود درويش الذي أفشى له به وفيه ما قد يظلّل على مسلكه الشخصي. وفيما تعتبر مساهمة راسم المدهون ما أقدم عليه بركات بمثابة قنبلة موقوتة من شأنها أن تؤدي إلى تلويث النبع الأساس الذي تقاطرت منه قصائد درويش، يرى حسين بن حمزة أن بركات لم يكن في وارد أن يفضح الشاعر الراحل أو يُسيئ إليه.
 *****
عن قنبلة سليم بركات الموقوتة
راسم المدهون
لا تحتمل "قنبلة" سليم بركات الموقوتة فحصا مخبريا يجسُ النوايا ويختبر ما وراء القصد، فتلك مهمة إلهية لسنا من يقررها ولا يستطيع غيرنا. هي قنبلة انفجرت في ضريح درويش الحجري وتراشقت آثارها على محبي شعره الذي لم يزل كما كان في حياته وجدان الفلسطينيين والعرب وضميرهم الحي، الجميل والعبقري في التعبير عن قضيتهم التي طالما نجح الشاعر الراحل في تقديمها للعالم باعتبارها تراجيديا العصر وجريمة القرن العشرين وقرننا الذي نعيشه اليوم.
لا يجوز أيضا أخذ القضية بتبسيط ساذج يمكن أن يحيلها إلى ضرورة فصل حياة الشاعر وسلوكه الواقعي اليومي عن نصه، فالأمر هنا يطال تلويث النبع الأساس الذي تقاطرت منه قصائده والذي ينسف صفاءه ويجعله محل مساءلة عن صدقيته ما يجعلني أنفي بالمطلق وبالتفاصيل الجزئية صحَة الواقعة والتهمة برمتها وأنفي معها حكاية أن المقالة كتبها سليم بركات منذ سنوات طويلة ولم ينشرها عام كتابتها أي عام 2012 بل وأشير إلى غرابة نشرها اليوم.
هل أصدق حقا أن بركات ارتكب "غلطة الشاطر" ففعل ما فعل دون تقدير حصيف لأبعاد ما يترتب على تصديق خبره الصاعق عن محمود درويش؟
بصراحة لست ساذجا حتى أعتقد ذلك ولا أظن محبي درويش وقراءه ونقاده سيفعلون ذلك فلا النوايا الحسنة ولا سوء التقدير هما من دفع إلى تلك "الإرتكابة" الرهيبة، وسأقول هنا بوضوح ناصع إن "التهمة" التي توجَه للراحل محمود درويش تصيب بشكل مباشر صدقية الرواية الوطنية الفلسطينية برمتها، فدرويش الإنسان رحل عن عالمنا وترك لنا وللعالم شهادته الجمالية والفنية والتي تتلطخ كثيرا بذلك السلوك المشين والمناقض للإنسانية؛ إذ كيف لمن يتنكر لأبوّة ابنته المفترضة أن يكون صوت الجراح والعذابات لشعب يرزح تحت ثقل تراجيديا غير مسبوقة في التاريخ.
"لم يكن محمود درويش ملاكا كي تندفع "قنبلة موقوتة" إلى تقطيع أوصاله وتحويله إلى نقيضه الإنساني"
أنا شخصيا لا أصدق تلك الواقعة ولن أدخل في جدل "جنائي" عن احتمالاتها فقد تعلَمت من كتابة الشعر أن الكاتب يستطيع أن "يكذب" في الكتابة السردية (شبه العقلانية) وأن يهندسها كما يروق له، لكنه لا يستطيع فعل ذلك في الشعر وإن استطاع فلفترة وجيزة توصله بالضرورة إلى طريق مسدود. صوت القلب هو الشعر، وهو أيضا صوت الروح. عرفت محمود درويش منذ البدايات الأولى لخروجه من حيفا معرفة متقطعة وتصادمت معه في حالات كثيرة ومتعددة، بل كنت طيلة حياته لا أميل لمشاركته سهرة طويلة لأنني أعرف مزاجه الحاد وحتى عصابه الذي أوصلنا معه بعض الأحيان إلى "مناكفات" وغضب جعله يصرّ سنوات ليست بالقليلة على رفض نشر قصائدي في "الكرمل" حتى بداية عام 1987 حتى لقائنا في مؤتمر اتحاد الكتاب الفلسطينيين في العاصمة الجزائرية حين فاجأني بطلب تسليم قصائد لسليم بركات لتنشر في أول عدد قادم من هذه المجلة.
أحب محمود درويش الشاعر العظيم وأحب محمود الإنسان حين يصفو لكنني مع ذلك بقيت منذ رحيله "أتوجس" من أولئك الذين تحلَقوا ولا يزالون حول ضريحه والذين أسميهم "جمعية أحباء محمود درويش" والذي يوشكون أن يمنعوا أي أحد غيرهم من حب درويش، فهو "درويشهم"، بل أذكر أنني كتبت "بوستا" ذات يوم من وحي هذه الفكرة قلت فيه إنني أعرف رأي الراحل فيهم وهو رأي يوصلني إلى أن أصدقاء درويش الحقيقيين هم أشخاص لم "يحلبوا" تلك الصداقة ولم يستمطروها على بذارهم المسموم. هو لم يكن له طيف واسع من الأصدقاء وإن كان وظل له بعض من المخلصين للصداقة بالتأكيد ومنهم إلياس خوري وزياد عبد الفتاح الذي قدم لنا مؤخرا كتابه البديع عن درويش "صاقل الماس".
قال كثر من الأصدقاء والمبدعين آراء وتعليقات عن الواقعة وحولها لفت انتباهي بعضها الذي تمحور حول مصطلحات بنوَة سليم بركات لدرويش، بل إن الشاعر الصديق نوري الجرَاح تحدث عن "نديّة" سليم لدرويش وهو ذاته الذي سبق له – خلال حياة درويش – أن كتب مقالة ضد سليم بركات عنوانها "التابع".
محمود درويش شاعر آخر لا علاقة لتجربته الشعرية وعالمه الفني بتجربة سليم بركات وعالمه الشعري وفضائه، ففيما نهل درويش من حقول الحياة وينابيع الماء غرق بركات في استنطاق عبثي لحجارة القواميس اللغوية والمعاجم، فكان درويش صوت الحياة بما فيها من حيوية وظلت تجربة بركات مسكونة بتركيب الكلمات حتى عجزنا في مرات لا تحصى عن متابعة نصوصه. أقول هذا عن محمود درويش في مراحله الشعرية كلها، فهو في شعره الأخير فاجأ كثرا من النقاد الذين تمترسوا خلف تجربته الشعرية الأولى بوعي وذائقة جمالية باهرة حلق معها إلى فضاءات أخرى تنتمي لفكرة أن الشاعر إنسان من لحم ودم أو هو بكلمات درويش ذاته "يشعر بالبرد".
لم يكن محمود درويش ملاكا كي تندفع "قنبلة موقوتة" إلى تقطيع أوصاله وتحويله إلى نقيضه الإنساني فالشعر لا يخون ركائزه ونبعه حتى لو ذهب مبدعه إلى غايات قد لا يدركها البعض إذ أن حنين محمود درويش إلى حقه في الأبوة ظل دائما حاضرا لكنه في الوقت ذاته ظل مكبلا بظروفه الشخصية وبولعه الخاص بالشعر.
دعوا محمود درويش يسكن هانئا في ضريحه، وهانئا في نفوسنا كما عاش خلال حياته، وأنا على ثقة كاملة وإيمان عميق أن الكلمات التي تمشي في سطور قصائده قد انتقلت منذ لحظات نشرها فمشت في نسغ الشجر وندى الصباحات التي أظنه يحلم معنا أن تكون ندية في فلسطيننا يوما.
*****
هل أساء سليم بركات إلى درويش حقًا؟
 حسين بن حمزة
كان يمكن لمقال، أو الأصح نصّ، سليم بركات "محمود درويش وأنا" الذي نُشر أخيرًا في جريدة "القدس العربي" أن يمرّ على الكثيرين ممن لا يستهويهم أسلوب هذا الشاعر والروائي السوري الكردي، والذين لا طاقة لهم على لغته التي يجدونها صعبة ومتقعّرة. وربما كثيرون ممن يُقدّرون بركات أيضًا ويعرفون قيمته الأدبية ما كانوا سيكملون المقال/النص لأنه – بطريقة ما – يبدو أقل براعةً وتخيلًا وبلاغةً وذكاءً مما اعتادوه في نصوص وكتابات صاحب "الجندب الحديدي".  ولكن يبدو أن البعض أكمل المقال ووصل إلى السطور التي تخصُّ سرّ أبوّة درويش.. فوقعت الواقعة التي على أساسها تم نسيان المقال، واكتُفيَ باختصاره وتقزيمه إلى أن سليم بركات "خان" الأمانة، وفضح صديقه (وأيّ صديق) الشاعر الكبير والأيقونة الفلسطينية محمود درويش.
هكذا تحوّل المقال إلى حدثٍ حوَّلَ سليم بركات نفسه فيه إلى هدفٍ سهل بالنسبة لمن لا يستهويهم شعرُه ورواياتُه.. وربما حضورُه كشخص أيضًا!، وأوقع بعضًا ممن يقدّرونه (في البداية على الأقل) في بلبلة وتشوّش. وينبغي الإسراع هنا إلى القول إن من يقدّرونه ليسوا كلهم بالضرورة من عشاق أدبه، بل هم على الأقل قادرون على تمييز ما هو جدير بالتقدير، وقادرون على قراءة مقال بركات (ونقده أيضًا) بطريقة منصفة أو معقولة كحد أدنى، بل إن البعض من هذه القلة سخروا من الاتهامات الأخلاقية المتسرعة والسطحية لبركات ودرويش أيضًا، وجعل "الواقعة" مرئية بوضوح وبعض العقلانية، ويمكن تقييمها من طرفين على الأقل.
ولكن ما هي هذه الواقعة في الحقيقة؟ ولماذا صار عنوانها "بركات يفجّر قنبلة أو فضيحة"؟ ولماذا تحول هو إلى "مجرم قذر" وصار درويش "ضحية بريئة"، ولماذا تمّ هذا الهجوم الكاسح ليس على مقال بركات فقط بل على كل مُنجزه الشعري والروائي والمقالاتي أيضًا!؟.
الأرجح أن لا سبب لكلّ ذلك سوى أننا لا نعرف كيف نقرأ، وإذا قرأنا لا نعرف كيف نحلل، وإذا حللنا لا نعرف كيف نكون عادلين ومنطقيّين وقادرين على رؤية الموضوع من جوانب متعددة، إذْ ماذا يمكن أن يكون أكثر سذاجةً – في هذا السياق – من القول إن بركات "فضح" سرّ صديقه لأن صديقه ميت ولن يستطيع الدفاع عن نفسه!! وأنه فعل ذلك لكي يعود إلى الضوء بعدما عانى طويلًا من النسيان!! وأنه اختار هذا التوقيت لنشر مقاله بحيث يكون مُعفى من أي مواجهة، ومن أي تكذيب (محتمل) ممن استودعه السرَّ الذي تم إفشاؤه!. والغريب أن هذه الفرضيّة الفضائحية احتلت المساحة الأوسع في الجدل الذي أثاره المقال في مواقع التواصل، والمرشّح لمزيد من الجدل والاثارة مع أسئلة من نوع: هل ستؤثّر أبوّة درويش على مكانته الشعرية؟ وهل ستكشف "سَقْطتُه الأخلاقية" الشخصَ السيئ الذي لطالما كان مخفيًا خلف قناع شاعر القضية والمقاومة؟ وهل انفضح درويش، ومعه بركات طبعًا، على حقيقتيهما، الأول كشخص (وضيع وبلا أخلاق وسفيه) يُمكن أن يمارس الجنس مع امرأة متزوجة، وأن تُنجب منه ابنة أيضًا، والثاني كشخص (خسيس ونذل) خان السرّ الذي اؤتِمنَ عليه.
للأسف، هذه هي المنطقة الضيقة، التي لا تقبل سوى ثنائية الخير والشر، التي دارت فيها، وستدور فيها على الأرجح، معظم الأسئلة التي "فجّرها" مقال سليم بركات، ولن ينتبه سوى قلّة إلى أن المسألة أعقد وأوسع من الأحكام الأخلاقية الجاهزة والمتسرّعة التي يجري فيها عادة نسيان أن الشعراء والكتّاب هم بشر يحبون ويمكن أن يمارسوا الجنس مع متزوجات وغير متزوجات، بل يمكن أن يتحرش بعضهم بأي امرأة يجدونها في طريقهم، وقد يكون بعضهم يحتقر المرأة، و(قد) تكون لديهم مشكلة شخصية (كما في حالة درويش) مع الارتباط الدائم والزواج الشرعي.. والأبوّة، وأن في سِيَرهم وحيواتهم، كما في سيرة وحياة أي كائن آخر (لا يكتب الشعر)، تفاصيل وممارسات ومواقف من النوع الذي تراه الأغلبية العمومية خزيًا وسقطات وقلة أخلاق ووضاعةً وخسّة ونذالة (وهذه صفات ألصقها شعراء وكتّاب ببركات ودرويش عقب نشر المقال)!. ولعلّ المشكلة الأكبر في هذه الحادثة أنها كشفت انحياز وانتماء الكثير من الشعراء والشاعرات والكتاب والنقاد إلى هذه "الأغلبية العمومية"، فأعلن بعضهم استياءه من "فعلة" بركات الدنيئة، فقط استياءه (وهم ربما يُحمدون على إبداء الاستياء وعدم فقدانهم لبعض المنطق)، فيما تكفّل الباقون والباقيات (وخصوصا الباقيات) بـ"مسح" الأرض بسليم بركات وبكل كتاباته. ومسح بعض هؤلاء الأرض بدرويش أيضًا الذي خدعهم وجرحهم بانكشاف سُموّه الأيقوني وتعاليه الملائكي عن كائن بشري (يا للهول!) يمارس الجنس غير الشرعي، ويتخلى بكل نذالة عن ابنته المسكينة!
والطريف أن المقال/ النصّ تحوّل بالنسبة لكثيرين إلى مناسبة لـ"تصفية حساب" شخصي قديم ومزمن مع صاحب "الجمهرات"، فقد قال بعض هؤلاء إنهم أصلا لا يحبون كتاباته، ولكنهم لم يعلنوا ذلك لأنهم كانوا مُحرجين من الجهر بآرائهم، ووجدوا في المقال حجة ممتازة لإعلان ذلك بطيب خاطر، وتبرئة ذمتهم من قراءته التي أصلا – كما صرّحوا- عسيرة وغامضة وثقيلة على القلب والذهن، بل إن البعض قال إنه يومًا لم يفهم ما يكتبه بركات!، وها هي الفرصة حانت ليعترف، وهل هناك فرصة أفضل من هذه التي جعلت بركات منبوذًا ومجرمًا، ويمكن التشفّي به وبأدبه بسهولة!. هؤلاء أنفسهم ليس لديهم أي حرج حين يقرأون حوادث و"سقطات" مماثلة في الآداب الأجنبية (ابنة بابلو نيرودا غير الشرعية على سبيل المثال).. بل يجدون فيها نوعا من الفرادة والخصوصية.. ويجدون بسهولة أعذارًا لذلك طالما أن أصحابها ينتمون إلى لغات أخرى ومجتمعات أخرى (منحلّة أخلاقيًا أصلًا!)، والأهم أنهم خارج تقاليدنا ومنظومتنا الأخلاقية التي لا تزال قائمة على الأخلاق الدينية وعلى الحلال والحرام.
لكن مهلًا! هل هذه كانت نيّة سليم بركات فعلًا؟ أن يفضح درويش ويُسيئ إليه؟ أليس من الأفضل أن نرى الأمر بطريقة متأنية، ونسأل: ولماذا يفعل بركات ذلك حقًا؟ وما حاجته إلى الإساءة لدرويش في سياق مقالٍ يتحدث فيه عن "أبوّة" درويش الشعرية له، ويُثني على صداقتهما الشعرية والشخصية؟
"لقد عاش درويش كإنسان، إنسان له "أخطاؤه" ومشكلاته، هشاشته ضعفه، كآبته وغيرته، ويمكن – في النهاية – أن لا يكون له علمٌ بأن المرأة حملت منه، وأنها حافظت على الجنين"
ولعل هذا الطّرح يزداد وجاهةً حين نعلم أن هذا المقال/ النص هو أحد ثلاثة نصوص ستنشر قريبًا في كتاب بعنوان "سليم بركات: لوعة كالرياضيات وحنين كالهندسة" يضمّ حوارًا مطوّلًا مع صاحب "كل داخلٍ سيهتف لأجلي، وكل خارجٍ أيضًا"، يتحدث فيه عن تجربته في الكتابة وضمنها علاقته مع محمود درويش. ويكتسب هذا الطرح جرعة أخرى من الوجاهة في حقيقة أن بركات قد كتب هذا المقال/ النص سنة 2012، ويبدو أن نشره في "القدس العربي" كان بمثابة إعلان أو تمهيد لصدور الكتاب الذي سيضمّ المقال. وإذا صحّ كل هذا، فهو يعني شيئًا واحدًا، وهو أن صاحب "فقهاء الظلام" لم يكن في وارد أن يفضح درويش أو يُسيئ إليه. المسألة بالنسبة إليه أنه كتب عن علاقته بدرويش، وما ذكره عن حوار جرى بينه وبين درويش أخبره فيه الأخير أنه أب لابنة من امرأة متزوجة، يبدو عاديًا في سياق النص، خصوصًا وأن ذكر هذه المعلومة يأتي ضمن سياق حديث عن الأبوة وليس بهدف كشف سرّ أو فضح صاحب السرّ. المعلومة هنا هي تفصيل ضمن علاقة وضمن حوار وليست إعلانًا فضائحيًا، كما أنها (لمن يعرف أن يقرأ جيدًا) تفصيل ضمن مقال ليس مكتوبًا بهدف آخر سوى مديح الكاتب لصداقته مع كاتب آخر. أما هل أخطأ بركات في ذكر المعلومة أم لا؟ وهل ينبغي أن نحاكمه أخلاقيًا أم لا؟ فيبدو أن ذلك لا يعنيه، ولم يكن يعنيه في المقال نفسه، فالمعلومة (لمن يريد العودة والتدقيق في المقال) تُذكر بشكل عادي من دون نبرة نمائمية ومن دون الاكتراث بأنها سرٌّ خطير أيضًا.
إذا وصلنا في هذا الطرح إلى هذه النقطة، وحاولنا أن نصدّق أن بركات لم يكتب ذلك بنيّة الفضح والإساءة، يمكن عندئذٍ أن نسأل مجددًا. هل هي معلومة مفاجئة ويمكن أن تشعل جدلًا حول درويش؟ بالطبع نعم، ولكن ليس هذا الجدل المتسرّع القائم على المحاكمات الأخلاقية العمومية والبسيطة؟ لماذا لا نسحب النقاش والحديث إلى منطقة أخرى أكثر تسامحًا وتفهمًا لمجريات الحياة المليئة بقصص من هذا النوع وغيرها. لماذا لا تكون مناسبة للحديث عن سِيَر شعرائنا وكتّابنا التي لا تتضمن سوى: ولد، ونشر، ومات. لماذا لا نشجّع على أن نعرف أكثر عنهم، ومن خلالهم هم مثلًا، وليس عن طريق أصدقائهم ومعارفهم، أو في جلسات سرية خلف أبواب موصدة. لماذا لا نتذكر أن درويش نفسه أعلن أكثر من مرة عن ضجره من كونه ممثلًا لقضية مقدسة، وعن كونه نجمًا غير بشري. من أين كان يأتي شعره إذًا، خصوصًا في النصف الثاني من تجربته؟ لمن كتب قصيدة "انتظرها" على سبيل المثال. لملاكٍ سماوي أم لامرأة من لحم ودم (وربما كانت والدة الابنة نفسها!). هل تصدقون فعلًا أن شعر درويش أتى من هذا الأبيض والأسود والحلال والحرام الذي تريدون سجنه فيه ومنعه من أن يخالف نظرتنا المسبقة عنه!. لا طبعًا، لقد عاش درويش كإنسان أيضًا، إنسان له "أخطاؤه" ومشكلاته، هشاشته ضعفه، كآبته وغيرته، ويمكن – في النهاية –  أن لا يكون له علمٌ بأن المرأة حملت منه، وأنها حافظت على الجنين. ربما كانت تعشقه (مثل مئات النساء المعجبات الأخريات) وأرادت الحصول على شيء حقيقي منه عبر ابنة، ونجحت في ذلك، أما درويش نفسه، فمن الأفضل إبقاؤه في الصورة التي ظهر فيها في مقال سليم بركات: شخص لا يحب الالتزام بالارتباط الدائم، ولا تُغريه فكرة الأبوّة. وهو ما قاله بركات، ولم يقل شيئًا آخر مسيئًا إلى صاحبه. وأما سليم بركات، فلنجرّب أن نعود، كما كنا سابقًا، إلى الحديث عن تجربته الفريدة وعن صعوبة قراءته وفهمه بالنسبة لكثيرين منا.
هل أخطأ درويش؟ فليكنْ
هل أخطأ بركات؟ فليكن
هل أخطأت المرأة؟ فليكنْ
ثم تعالوا نسأل أخيرًا: هل "فضح" بركات سرّ درويش حقًا؟ لا طبعًا.. كيف يكون فضحه ونحن لا نعرف بعد اسم المرأة.
هيا يا سليم! أكمل لنا الحكاية. اكتب لنا مقالًا إضافيًا وأَشبعْ فضولنا وحشريّتنا. دعنا "نمسح بهذه المرأة الأرض" كما فعلنا بك وبصاحبك درويش!.

Reactions:

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال